في اليونانية القديمة كلمتان متجاورتان حدَّ الالتباس: " فارماكون" التي تعني الدواء والسم في آنٍ واحد، و" فارماكوس" وتعني كبش الفداء البشريّ الذي" يُنتَقى" من بين العبيد أو المجرمين في المجاعات والكوارث، فيُطرد من المدينة لتطهيرها.
كلمتان رأيتُ أن أترجمهما إلى" الترياق" و" القربان" بالنظر إلى ترابطهما اللغويّ الذي أشار إليه دريدا في" صيدليّة أفلاطون".
وما يجري في مونديال 2026 تجلٍّ صارخ لهذه الازدواجية الإتيمولوجية، إذ يتحوّل جسد اللاعب من دواءٍ يشفي جراح الانتماء الجمعي، إلى سمٍّ يُطلَب استئصاله، ومن قربانٍ مقدَّس تُرفع له الأعلام، إلى ضحيةٍ يُراد نفيُها خارج حدود الإنسانية.
لنتوقّف قليلاً عند التراجع عن إقصاء اللاعب الأميركي بالوغون: قد تراه القراءةُ العابرة فساداً عاديّاً، لكنّنا لو نظرنا إليه بعيني كارل شميت الذي يعرّف السيادةَ بأنّها" القدرة على تقرير حالة الاستثناء"، لاكتشفنا أن ما فعله ترامب حين طلب من إنفانتينو مراجعة البطاقة الحمراء، لم يكن انتهاكاً للقانون بقدر ما كان تأكيداً لمنطق السيادة وفق هذه المرحلة: السيد الحقيقي، حسب ترامب وأمثاله، ليس من يخضع للقاعدة، بل من يملك سلطة تعليقها لصالح جسدٍ بعينه، تماماً كما كان أباطرة روما يقرّرون من يموت ومن يعيش بإشارة إبهام.
المفارقة أن" فيفا"، المؤسّسة التي تدّعي الحياد المؤسّسيّ، لم تفعل هنا سوى ما فعلته كل سلطة عبر التاريخ كلّما تلقّت" أمراً عَلِيّاً".
وماذا في وسعها أن تفعل سوى إعادة تفسير نصّها المقدَّس (اللائحة التأديبية) لتخرج منه بما يُرضي" مصدر السلطة الجديد".
أمّا شتائم السيناتورة الباراغويّانية تجاه اللاعب الفرنسي إمبابي، فيكفي أن نستفيد من تطبيق نظريّة رينيه جيرار عن العنف والمقدّس، على الحقل الرياضي، كي ندرك أنّها ليست زلّة لسان فرديّة، بقدر ما هي طقس تطهيري كلاسيكي: حين تُهزم الجماعة وتتصدّع سرديتها عن نفسها، فإنها تبحث غريزيّاً عن" الفارماكوس" الذي يمتص أزمتها المحاكاتية، وتجد ضالتها في الجسد الأكثر اختلافًا -هنا الجسد الأسود المهاجر- فتُجرِّده من فرديته وتُرجعه إلى حيوانيته المتخيَّلة (القرد، الأدغال، جوز الهند) كي تُنقذ وحدتها الوهمية على حساب تشويه الآخر.
لم يكن ردّ مبابي الحادّ على السيناتورة الباراغويانية مجرد دفاع عن النفس، بل رفضاً لأداء دور القربان المفروض عليه، وخروجاً على إهاب الضحيّة، وهو ما يفسّر لماذا هبّ العالمُ للتضامن معه بهذه السرعة: لأن مشهد" الضحيّة" وهو يرفض الذبح، مشهدٌ يُربك" المُتفرّج" ويستدعي رعباً جماعيّاً قديماً.
الأعجب من هذا كله ما فعله حسام حسن حين رفع علم فلسطين: فبينما تُقدّم صيغةُ" لا سياسة في الملاعب" بوصفها حقيقةً موضوعية محايدة، يُعلِّمنا السميولوجيّون أن كل خطاب يدّعي البراءة والحياد هو بالضبط الخطاب الأكثر أيديولوجية، لأنه يُخفي اختياره السياسي خلف قناع الطبيعيّ والبديهيّ.
هكذا اعتُبر تعاطف مدرّب أفريقي مع شعب يتعرّض للإبادة" استفزازاً"، بينما اعتُبر اتصال رئيس دولة عظمى لتغيير قرار تحكيمي" شغفاً رياضيّاً مشروعاً".
نحن هنا ننتقل من ميدان القانون إلى ميدان الأسطورة وفق رولان بارت: أي إلى نظام دلالي من الدرجة الثانية يُفرغ الرمز من تاريخه ليحوّله إلى" طبيعة"، حتى تبدو المعايير المزدوجة كأنها نظام الأشياء لا اختيار بشريّ قابل للمساءلة.
ما يجعل هذا كله" مدهشاً" فعلاً، أن الملعب الأخضر تحوّل إلى آخرِ مسرحٍ كبيرٍ للمقدَّس، في عالم أعلن علماء الاجتماع منذ قرن" زوال سحره".
لم تعد الجماهير تجد في الكنيسة أو الحزب طقوساً جامعة، لذلك هي تستعيد في المدرّجات ما سماه دوركهايم" الغليان الجمعي"، محوّلةً اللاعب إلى" أيقونة" أو" طوطم" يُعبَد ويُذبح في المباراة ذاتها.
هنا في وسعنا أن نقول إنّ سارق النار" الأوّل" الذي عوقب على صنيعه لم يعد هو الضحية الحقيقية، بل النار نفسها هي التي تتقلّب اليوم بين كونها دواءً يوحّد الشعوب المتناحرة، وسمًّاً تتلاعب به أصابع من يملكون مفاتيح الاستثناء.
وما دام" الفارماكون" و" الفارماكوس" كلمتين توأمين لا تنفصلان عند جذرهما اللغوي، منذ اكتشفهما دريدا خلف صمت أفلاطون، فلن يكفّ اللاعب (هذا القربان الحديث) عن التأرجح بين المذبح والمنبر، بين أن يُرفع علماً وأن يُطرد وصمةً، إلى أن يقرّر العالم أخيراً أيَّ الوجهين يريد أن يرى في مرآة ملعبه الكبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك