رغم وفرة غير مسبوقة في الإنتاج، يواجه مزارعو البطيخ الأحمر في الجزائر (الدلاع) في مختلف الولايات واحدة من أصعب المواسم التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت وفرة المحصول إلى مصدر لخسائر فادحة نتيجة ركود يضرب السوق، في ظل تراجع الإقبال على الشراء وانتشار إشاعات أثارت مخاوف المستهلكين وأثرت مباشرة على حركة التسويق.
وخلال الأيام الأخيرة، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو وصور وثقت حجم معاناة الفلاحين، الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن تسويق محصول استثمروا فيه لأشهر طويلة، بعد أن انهارت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت كميات كبيرة من البطيخ الأحمر مهددة بالتلف في الحقول ونقاط البيع بسبب ضعف الطلب.
إشاعات ومخاوف تهدد الموسمجاءت هذه الأزمة متزامنة مع تداول منشورات على نطاق واسع تزعم تسجيل حالات تسمم غذائي مرتبطة باستهلاك البطيخ الأحمر، قيل إنها أدت إلى حالتي وفاة، وهي مزاعم سرعان ما أثارت حالة من الهلع لدى شريحة واسعة من المستهلكين، وأسهمت في عزوف الكثير منهم عن اقتناء هذه الفاكهة الصيفية.
غير أن هذه الادعاءات سرعان ما كذّبتها السلطات، إذ نفت مصالح ولاية باتنة، المعروفة بإنتاج هذه الفاكهة (شرق العاصمة)، بشكل قاطع صحة الأخبار التي تحدثت عن تسجيل 135 حالة تسمم غذائي بسبب استهلاك البطيخ الأحمر، مؤكدة أن المعلومات المتداولة لا تستند إلى أي معطيات رسمية.
في المقابل، لم تصدر عن الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الصحة ومديريات التجارة والمخابر المعتمدة، أي بيانات أو نتائج مخبرية تثبت وجود علاقة بين البطيخ الأحمر المتداول في الأسواق وحالات تسمم غذائي جماعي، باعتبار أن هذه الهيئات وحدها المخولة قانوناً وعلميا بإجراء التحاليل وإصدار التحذيرات المتعلقة بالسلامة الصحية للمواد الغذائية.
ورغم هذا النفي الرسمي، لا تزال آثار الإشاعات تلقي بظلالها على السوق، حيث يواصل عدد معتبر من المستهلكين تجنب شراء البطيخ الأحمر بدافع الحذر، وهو ما انعكس سلباً على الفلاحين الذين تكبدوا خسائر مالية كبيرة نتيجة صعوبة تصريف محاصيلهم، في وقت يشهد فيه الموسم وفرة إنتاجية لافتة.
وأمام هذا الوضع، يطالب المنتجون السلطات العمومية بالتدخل العاجل لاحتواء الأزمة، من خلال مرافقة الفلاحين لإيجاد آليات فعالة لتسويق المحصول، وحماية المنتوج الوطني من الآثار السلبية للإشاعات، إلى جانب تعزيز حملات التحسيس والتوعية لفائدة المستهلكين.
كما يدعو الفلاحون وزارة الصحة إلى تكثيف عمليات المراقبة الصحية، ونشر نتائج التحاليل المخبرية للرأي العام بكل شفافية، بما يسهم في تبديد المخاوف واستعادة ثقة المستهلك في المنتوج الوطني، خاصة أن استمرار حالة العزوف يهدد بتفاقم خسائر المنتجين وإهدار كميات معتبرة من الإنتاج.
الإحصائيات في صف المنتوج المحليتصنف الجزائر بانتظام ضمن قائمة أكبر عشرة منتجين للبطيخ الأحمر في العالم، كما تتصدر، في عدد من المواسم، الإنتاج على المستويين المغاربي والعربي، بفضل المساحات الزراعية الواسعة والإنتاج الوفير الذي يغطي احتياجات السوق الوطنية ويوجه جزء منه إلى التصدير.
وتؤكد الأرقام الرسمية للقطاع الفلاحي أن من أبرز نقاط قوة الإنتاج الجزائري اعتماده المحدود نسبياً على المبيدات والمواد الكيميائية مقارنة بالعديد من الدول المتوسطية، حيث يقدر معدل استعمال المبيدات بحوالي 0.
7 كيلوغرام للهكتار الواحد، وهو من بين أدنى المعدلات المسجلة، في ظل اعتماد شريحة واسعة من الفلاحين، خاصة في ولايات الجنوب والمناطق الداخلية، على ممارسات فلاحية تقليدية وأساليب إنتاج أكثر محافظة على جودة المنتوج.
كما ساهمت الوفرة المائية التي ميزت الموسم الفلاحي الحالي، بعد التساقطات المطرية المعتبرة التي عرفتها مختلف مناطق البلاد، في توفير ظروف ملائمة لإنتاج البطيخ الأحمر، إذ اعتمدت العديد من المستثمرات الفلاحية على المياه العذبة والمياه الجوفية في عمليات السقي، وهو ما انعكس إيجاباً على جودة الثمار ومذاقها وقيمتها الغذائية.
التسمم لا يعني فساد المنتوجأكد رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده، مصطفى زبدي، أن الجدل المتداول حول حالات التسمم الغذائي يتطلب التمييز بين نوعين مختلفين من التسمم، موضحاً أن الخلط بينهما يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة قد تسيء إلى بعض المنتجات الغذائية دون وجود أدلة علمية.
وأوضح زبدي، وهو أيضا طبيب، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن التسمم الغذائي الحاد يختلف تماماً عن التسمم الغذائي المزمن، إذ ينتج الأول عن تلوث ميكروبي أو جرثومي يحدث بسبب سوء الحفظ أو سوء العرض أو سوء المناولة، وتظهر أعراضه سريعاً، مثل آلام البطن والقيء والإسهال والحمى، وهو ما يعرف بالتسمم الغذائي الحاد.
أما التسمم الغذائي المزمن، فيرتبط بالاستهلاك المتكرر وعلى المدى الطويل للمواد الكيميائية أو بقايا المبيدات وغيرها من المواد الموجودة في بعض المنتجات الفلاحية أو الحيوانية، حيث لا تظهر أعراضه إلا بعد سنوات نتيجة تراكم هذه المواد داخل جسم الإنسان.
وفي هذا السياق، أوضح زبدي أن الحالات التي يجري تداولها حالياً، والتي تتمثل في أعراض كالإسهال والقيء، تندرج ضمن التسمم الغذائي الحاد، مؤكداً أن تسجيل حالة أو حالات فردية لا يمكن اعتباره دليلاً على فساد المنتوج أو تلفه.
وأشار إلى أن فساد منتوج غذائي بشكل عام يؤدي، في الغالب، إلى حالات تسمم غذائي جماعي تمس عدداً من المستهلكين الذين تناولوا المنتج نفسه، أما تسجيل حالات معزولة فقد يكون مرتبطاً بعوامل أخرى، من بينها طريقة الحفظ أو ظروف النقل أو المناولة أو حتى الحالة الصحية لبعض الأشخاص، خاصة الذين يعانون من ضعف المناعة.
وأضاف رئيس المنظمة أن الاستدلال بارتفاع نسبة بعض المواد، مثل النترات، إن ثبت علميا، لا يتعلق بالتسمم الغذائي الحاد، وإنما يندرج ضمن التسمم الغذائي المزمن الذي تظهر آثاره بعد سنوات من الاستهلاك، نتيجة تراكم تلك المواد داخل الجسم.
وأكد زبدي أن موقف المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده يقوم على" التحذير من النوعين معاً"، سواء التسمم الغذائي الحاد أو المزمن، داعياً في الوقت نفسه إلى عدم إطلاق الأحكام بشأن فساد أي منتوج قبل استكمال التحقيقات العلمية والمخبرية، لأن الحديث عن تلوث المنتوج دون أدلة علمية يبقى، حسب تعبيره، فاقداً للسند العلمي.
المخاطر لا تقتصر على منتوج معينشدد رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده على أن مخاطر التسمم الغذائي لا تقتصر على منتوج معين، بل تشمل العديد من الأغذية، مشيراً إلى أن اللحوم ومشتقاتها، وكذا المايونيز والكاتشاب وغيرها من المنتجات سريعة التلف، قد تشكل خطراً أكبر في حال عدم احترام شروط الحفظ وسلسلة التبريد، باعتبارها بيئة مناسبة لتكاثر بعض أنواع الجراثيم.
وفي هذا الإطار، دعا مصطفى زبدي المستهلكين إلى التحلي بالحيطة عند اقتناء المواد الغذائية، من خلال التأكد من سلامة المنتوج، واحترام شروط الحفظ، وعدم تعرضه لأشعة الشمس، مع الحرص على اقتناء المنتجات الطازجة أو المقطعة حديثاً، مؤكداً أن طريقة العرض والحفظ والمناولة قد تكون في كثير من الأحيان السبب الحقيقي وراء حدوث التسمم الغذائي، وليس المنتوج في حد ذاته.
كما نبه إلى أن انقطاع التبريد أثناء النقل أو التخزين أو عرض المنتوج الغذائي الموجه للاستهلاك تحت أشعة الشمس يحول أي منتوج غذائي إلى مصدر للتسمم، حتى إن كان قد غادر المصنع في ظروف صحية سليمة، وهو ما يبرز، حسب قوله، أهمية احترام جميع مراحل سلسلة الحفظ إلى غاية وصول المنتوج إلى المستهلك، فضلا عن طريقة تعامل المستهلك نفسه مع المنتوج، إذ إن عدم احترام أساليب النظافة قبل تناوله يمثل أحد أسباب الإصابة بالتسمم الغذائي أيضاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك