برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أعلن الديوان الأميري القطري وفاته صباح الأحد عن عمر ناهز 74 عاما، تستعيد قطر سيرة قائد ارتبط اسمه بأكبر تحول في تاريخها الحديث، بعدما قاد مشروعا نقل الدولة إلى مصاف الفاعلين إقليميا ودوليا.
وُلد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الدوحة عام 1952، وتخرج في كلية ساندهيرست العسكرية بالمملكة المتحدة عام 1971، قبل أن يتدرج في المسؤوليات حتى بويع وليا للعهد عام 1977، ثم تولى الحكم عام 1995، ويسلمه عام 2013 إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
list 1 of 2إسرائيل توسع" الخط الأصفر" بغزة.
مليون فلسطيني تحت سيف التهجير القسريlist 2 of 2غزة تحت وطأة الحرب.
أكثر من مليون فلسطيني يواجهون معاناة التهجيروفي تقرير أعده فوزي بشرى، تتجلى سيرة الأمير الوالد باعتبارها سيرة مشروع دولة أكثر من كونها سيرة رجل، فقد ارتبط اسمه بالنهضة التي أعادت رسم موقع قطر على الخريطة السياسية والاقتصادية، حتى غدا حضوره جزءا من حضورها في الوعي العربي والعالمي.
وتكاد التحولات التي شهدتها البلاد خلال سنوات حكمه تختصر فلسفة قيادته؛ إذ انطلقت من بناء الإنسان، وامتدت إلى بناء المؤسسات، وانتهت بترسيخ مكانة قطر بوصفها دولة تمتلك تأثيرا يتجاوز حدود مساحتها وعدد سكانها.
ولم يكن انتقال السلطة عام 2013 حدثا سياسيا عاديا، بل محطة عكست رؤية مختلفة لإدارة الدولة، ففي كلمته التاريخية، قال الأمير الوالد إنه لم يرد السلطة غاية في ذاتها، وإن مصلحة الوطن اقتضت فتح صفحة جديدة يتولى فيها جيل جديد مسؤولية قيادة البلاد.
ذلك القرار جاء امتدادا لمسار سياسي اتسم بحسابات بعيدة المدى، وجعل من استمرارية المشروع الوطني أولوية على بقاء الأشخاص في مواقعهم، ليقدم نموذجا نادرا في المنطقة لتسليم السلطة بإرادة ذاتية وفي ظل استقرار كامل.
ومنذ السنوات الأولى لحكمه، اتجهت الدولة إلى الاستثمار في أدوات القوة الناعمة، فكان إطلاق قناة الجزيرة أحد أبرز التحولات التي غيّرت المشهد الإعلامي العربي، ووسعت حضور قطر عالميا، ورسخت اسمها في فضاء التأثير السياسي والثقافي.
ولم يكن الإعلام سوى أحد مسارات مشروع أشمل استهدف بناء مجتمع المعرفة.
ففي عام 1995 أنشئت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، لتصبح لاحقا مظلة لجامعات ومراكز أبحاث عالمية، وتجسيدا لسياسة جعلت التعليم ركيزة للتنمية.
وفي السياق نفسه، جاء إصدار الدستور الدائم عام 2004 بعد استفتاء شعبي، ليؤسس مرحلة جديدة في بناء مؤسسات الدولة، ويضع إطارا دستوريا ينظم العلاقة بين السلطات ويعزز المشاركة الشعبية في الشأن العام.
وخلال تلك المرحلة، اتسع الحضور القطري خارج الحدود، وتحولت الدوحة إلى منصة للمؤتمرات الدولية وجهود الوساطة، فيما اكتسبت الدبلوماسية القطرية مكانة متقدمة بفضل أدوارها في تقريب وجهات النظر والمساهمة في تسوية النزاعات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، دشنت صادرات الغاز الطبيعي المسال مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، بعدما انطلقت أولى الشحنات عام 1996، لتتسارع وتيرة النمو حتى أصبحت قطر عام 2006 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.
ولم تُختزل قيمة تلك الطفرة في الأرقام، بل في الطريقة التي أُديرت بها عوائدها.
فقد تحولت الثروة إلى رافعة لبناء البنية التحتية، وتطوير التعليم والصحة، وتوسيع الخدمات، وتعزيز مكانة الإنسان في قلب المشروع التنموي.
وعندما بلغ إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال 77 مليون طن عام 2010، وصف الأمير الوالد ذلك بأنه إنجاز سيخلده تاريخ صناعة الغاز العالمية، بعدما تبوأت قطر رسميا صدارة الدول المنتجة لهذا المورد الإستراتيجي.
وفي العام نفسه، حققت الدوحة إنجازا آخر بإعلان فوزها بحق استضافة كأس العالم 2022، في خطوة تجاوزت حدود الرياضة، ورسخت حضور أول دولة عربية تنال شرف تنظيم الحدث الكروي الأكبر في العالم.
وجاء ذلك الفوز تتويجا لمسار طويل من بناء الثقة الدولية، واستثمار المكانة السياسية والاقتصادية للدولة، ليصبح المونديال أحد أبرز تعبيرات المشروع الذي راهن على قدرة قطر على إنجاز ما بدا خارج الحسابات التقليدية.
وفي موازاة تلك التحولات، وُضعت" رؤية قطر الوطنية 2030" لتكون خارطة طريق لمستقبل الدولة، مستهدفة تنويع الاقتصاد، وتعزيز التنمية البشرية، وتحقيق التوازن بين الحداثة والمحافظة على الهوية الوطنية.
وحملت الرؤية تصورا متكاملا لدولة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، عبر الارتقاء بالتعليم والرعاية الصحية والإسكان وحماية البيئة، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، يضمن جودة الحياة للأجيال المتعاقبة.
ولهذا ارتبط اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الذاكرة الشعبية بلقب" دفّان الفقر"، وهو لقب يعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، بعدما اقترنت الطفرة الاقتصادية بسياسات استهدفت تحسين مستوى معيشة المواطنين.
ويبدو إرث الأمير الوالد اليوم ممتدا في مؤسسات الدولة ومشروعاتها الكبرى، كما يتجلى في المكانة التي تحتلها قطر على الساحة الدولية.
فالمعالم التي تشكل وجه البلاد الحديث تحمل بصمات مرحلة أعادت تعريف دورها في محيطها والعالم.
ومع رحيل باني نهضة قطر الحديثة، تبقى سيرته حاضرة في مسار دولة اختارت أن تجعل من الإنسان محور التنمية، ومن الرؤية البعيدة أساسا لصناعة المستقبل، لتغدو تجربتها واحدة من أبرز تجارب التحول في المنطقة خلال العقود الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك