كان يُقال قديماً إن قبيلة بني تميم هي هامة مضر، فإن كان ذلك فسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- هامة الأمة في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، فقد كان نسيج وحده، ركنا ركينا، وكهفا منيعا، ورأيا سديدا، وقولا فصلا، وسدادا، ورشدا في وقت ماج بأحداث تذر الحليم حيران.
لم تعرف فلسطين اهتماما كالذي عرفته مع الأمير الوالد، فلم تكن قضية شعارات ولا مزايدات ولا مواقف هنا وهناك، بل حراكا على الأرض بغير منّ أو أذىلم يكن سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله نشازا في سياق مدرسة آل ثاني في الحكم والسياسة، بل كان امتدادا، ونقلة في تلك المدرسة التي امتازت بتوازن عميق ما بين الثوابت والهوية من جهة، وما بين المرونة واستيعاب المستجدات من جهة أخرى، فهو نهج راسخ قامت عليه إمارة قطر منذ تأسيسها عام 1878م، على يد الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني -رحمه الله- الذي كرس صورة الحاكم الفقيه المثقف الأديب القاضي السياسي، والتي ندرت في العصور المتأخرة في العالم الإسلامي عموما، مؤسسا بذلك نهجا متوازنا سارت عليه الدولة بعده، يؤمن بالدائرة الخليجية ثم العربية ثم الإسلامية.
وجاء الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ليكمل تلك المسيرة ويضيف لها زخما، وعطاء متفردا، تجسد في حفاظه على ذلك الإرث وانفتاحه على المتغيرات وإقدامه على المواقف بروح وثابة ونفس هادئ لطالما كان محل إعجاب الكثيرين.
تشير المعلومات المتاحة حول نشأة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- لاهتمامه المبكر بقضايا الأمة، وهو أمر لم يكن غريباً على المجتمع القطري ولا على أسرة آل ثاني بالأخص، لكنه في السياق العام كان مهماً لشخصية ستصبح ذات أثر عميق للغاية، وقد بدأت هذه الاهتمامات في مراحل مبكرة، حيث أوضحت تلك الاهتمامات ليس فقط الجانب العاطفي المتضمن للتعاطف والاهتمام، بل حتى التعرف وعن كثب على تلك القضايا على اختلافها من فلسطين وانتهاء بالجزائر.
لربما لم تعرف فلسطين اهتماماً كالذي عرفته مع الأمير الوالد، فلم تكن قضية شعارات ولا مزايدات ولا مواقف هنا وهناك، بل حراكا على الأرض بغير منّ أو أذى، واهتماما جادا، وطموحا برؤية الحق يرجع لأصحابه، لهذا كانت المواقف الواضحة بغير حدة والناصعة بغير مزايدة والجادة بغير مصادمة.
ومن ينسى قولته المشهورة: " حسبنا الله ونعم الوكيل" في تلك الأيام العصيبة، حيث عبرت تلك الكلمة عن مرحلة كان ما بعدها أصعب، وكأنه بعين بصيرته كان يبصر ما ستؤول إليه الأمور لاحقا.
لقد ترك الأمير الوالد في نفوس الفلسطينيين وفي تراب فلسطين نفسها أثرا خالدا لن تغيره الأيام ولن تمحوه، وسيبقى مع الزيتون والرمال والبحر والشمس.
رجاء معلقا حتى الوصول للأقصى.
برع سمو الأمير الوالد في تكريس دور قطر كوسيط، ووسيط بارع للغاية، فقطر تتدخل وتحل المشكلة بغير ضجيج ولا أجندة، فقد غرس سموه رحمه الله فلسفة وساطة ظاهرةلقد برع سمو الأمير الوالد في تكريس دور قطر كوسيط، ووسيط بارع للغاية، فقطر تتدخل وتحل المشكلة بغير ضجيج ولا أجندة، فقد غرس سموه -رحمه الله- فلسفة وساطة ظاهرة، تنقلت فيها قطر حمامة سلام قوية وواثقة من دارفور إلى لبنان، مروراً بتشاد وجيبوتي وإريتريا والصومال واليمن، عودا إلى الكونغو ورواندا وبوروندي انتهاء بأفغانستان.
كانت قطر تحضر وتبدأ العمل وتنسج الخيوط للوحة النهائية التي يكون عنوانها السلام والإعمار؛ إذ تخاطب قطر أصحاب المصلحة وليس المتسببين في المشكلة، تتعامل مع المجتمع وليس مع السلطة، وهي هنا لا تتجاهل الأطراف كلها، بل هي تحاول مخاطبة جذور المشكلة وجبر ضرر المتضررين منها، ثم تلتفت للأعراض؛ فعندما يتصارع الأطراف تدفع الأطراف الأضعف الثمن، وعبر الأطراف الأضعف يبدأ الحل.
لكأن آل ثاني يكررون حكمة زهير في معلقته، ويحاولون ترسم منهجه، فكان سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- عنوان بلورة هذه الفلسفة وتكريسها والانطلاق عبرها لتكريس البصمة القطرية كمحور من محاور السياسة الدولية والعالمية.
ولشد ما نجحت الدولة في ذلك، حيث أصبح لقطر حضورها ووزنها وقدرتها الفائقة على صياغة اتفاقات الوساطة القابلة للاستمرار.
هذا لب رؤيته، وهي الحقيقة التي أثبتت الأيام إمكانها، لقد انطلقت قطر، فاستضافت من المؤتمرات والفعاليات ما أدهش الجميع، واختتم ذلك بكأس العالم 2022م، الرؤية التي بدأت كما يروي الرواة عام 1986م، وتحققت عام 2010م، ووصلت قمتها بتتويج البطل بالبشت القطري، حيث رسخ هذا التتويج تميزا مدهشا يلخص رؤية قطر لنفسها ولموقعها، عالمية لا تنسى هويتها، وعربية معتزة بإسلامها، وقطرية مرتبطة بلحمتها الخليجية بوشائج قربى لا تنقطع.
منذ الآسياد ومئات البطولات والمؤتمرات وانتهاء بكأس العالم كانت هذه الخلطة حاضرة وبقوة، من ينسى الآلاف الذين زاروا معالم الدوحة المختلفة وتعرفوا على الإسلام وثقافته وحضارته، وشاهدوا شعائر المسلمين وشربوا القهوة العربية واكتشفوا الشرق بعين غير استشراقية.
التعليم والتنمية.
بناء الإنسانوبالخلطة ذاتها، انطلقت مشاريع تعليمية خلاقة ورائدة، فالمدينة التعليمية ومؤسساتها وعشرات الجامعات والمؤسسات العلمية ومراكز الأبحاث كلها اليوم تقيم في قطر وتعمل بجدية وتقدم المزيد، تستضيف وتعلم وتثقف وتخرج، والمحصلة خير يمتد من قطر للعالم، أما الإنسان القطري، فهو الهدف الأمثل المرجو تطويره وتنميته؛ وحسبك اليوم امتلاء شاشة الجزيرة بنجوم قطريين في مختلف المجالات من المحللين والمعلقين ذوي الإطلالة المحلية والرزانة العلمية.
واجهت قطر عواصف مختلفة، لكن كما قيل اتفق المختلفون على ذم الجزيرة، فكان ذلك مدحا لها، وتقريظا، وإثباتا لحياديتها، وخلف كل ذلك.
كان الأمير الراحل يقف خلف هذا المشروع، ويدرك ما لا يدركه غيرهالجزيرة.
مالئة الدنيا وشاغلة الناسكشعارها انبثقت من قلب قطر، لكنها لم تكن يوما ناطقة باسمها، بل كانت فيها وليست منها، لكنها وفرت مساحة للمسكوت عنه، استضافت الجميع وتقبلت الجميع إلا من تطرف، واستطاعت أن تكرس بصمة إعلامية وتجربة فريدة كاملة الدسم ومدرسة مختلفة، لا يمكن مقارنتها بغيرها، ومن هنا واجهت قطر عواصف مختلفة، لكن كما قيل اتفق المختلفون على ذم الجزيرة، فكان ذلك مدحا لها، وتقريظا، وإثباتا لحياديتها، وخلف كل ذلك.
كان الأمير الوالد يقف خلف هذا المشروع ويدرك ما لا يدركه غيره.
ليست هذه أقل المحطات أهمية، لكنها قد تحمل السر الذي يفسر كل ما سبقه ويعضد ما قبله، فالتواضع ودماثة الخلق والشجاعة والهدوء والحلم والصبر والأناة والقدرة على التعامل مع الجميع بلا حواجز، كلها عناصر تعني بإيجاز أنك أمام قائد، فالقيادة في جوهرها إنسانية وفي قيمها وغاياتها إنسانية أيضا، وهكذا كان فقد شوهد كثيرا متواجدا في الأماكن العامة، يحيي ويصافح ويسلم ويبتسم، عدا عن بصماته الخيرية والإنسانية سواء ما ظهر أو ما خفي.
بقي أن يقال إننا شهود عصر سيوصف بأنه عصر حمد بن خليفة آل ثاني.
رحمه الله وأعلى مرتبته في الصالحين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك