الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
رجل الدولة الذي بقي حاضرا بعد تنازله عن الحكمهناك قادة لا يقاس أثرهم بسنوات بقائهم في السلطة فحسب، بل بما يتركونه من إرث يستمر في توجيه بلدانهم حتى بعد مغادرتهم مناصبهم.
وكان الأمير الوالد لدولة قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واحدا من هؤلاء القادة.
فرحيله لا يمثل خسارة لقطر وحدها، بل يشكل نهاية مرحلة مهمة في تاريخ الخليج الحديث.
عندما تولى الشيخ حمد مقاليد الحكم، كانت قطر دولة صغيرة بإمكانات محدودة مقارنة بما أصبحت عليه اليوم.
إلا أنه استطاع، برؤية استراتيجية بعيدة المدى، أن يحولها إلى لاعب مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
فقد استثمر عائدات الطاقة، ليس في التنمية الاقتصادية فحسب، بل في التعليم والإعلام والدبلوماسية والبحث العلمي والعمل الإنساني، لتصبح قطر اليوم دولة يحسب لها حساب في مختلف الملفات الدولية.
ولعل من أبرز قراراته السياسية قراره الطوعي بتسليم الحكم إلى نجله، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومستقر للسلطة، شكل نموذجا نادرا في المنطقة.
غير أن دور الشيخ حمد لم ينته عند هذا الحد، فقد ظل داعما لقيادة ابنه، مؤمنا بمشروعه، ومساندا له في مختلف المراحل، دون أن يتدخل في إدارة الدولة بصورة مباشرة.
لقد اختار أن يكون مرشدا وحكيما للدولة، لا منافسا لقيادتها، ولذلك كان حضوره بحد ذاته مصدرا للثقة والاستقرار، وعاملا مهما في تعزيز استمرارية الدولة.
عندما نستحضر إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نتحدث فقط عن نهضة اقتصادية أو مشاريع عمرانية كبرى، بل عن مدرسة في بناء الدولة، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز علاقات الأخوة مع الدول الصديقةكما احتلت العلاقات مع الجمهورية التركية مكانة خاصة في رؤيته السياسية.
فقد أسهم في بناء شراكة استراتيجية متينة بين الدوحة وأنقرة، تجاوزت التعاون الاقتصادي إلى التنسيق السياسي والأمني في العديد من القضايا الإقليمية.
وما تشهده العلاقات القطرية التركية اليوم من متانة وثقة متبادلة يعود، إلى حد كبير، إلى الأسس التي أرساها الشيخ حمد.
أما القضية الفلسطينية، فكانت إحدى الركائز الأساسية في سياسته الخارجية.
فقد حرصت قطر على دعم الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، كما لعبت دورا مهما في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، انطلاقا من إيمانها بأن الحوار يظل الطريق الأقصر نحو احتواء الأزمات.
وبفضل هذا النهج، أصبحت الدوحة محطة رئيسية للوساطات الإقليمية والدولية.
واليوم، عندما نستحضر إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نتحدث فقط عن نهضة اقتصادية أو مشاريع عمرانية كبرى، بل عن مدرسة في بناء الدولة، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز علاقات الأخوة مع الدول الصديقة، وفي مقدمتها تركيا، وإرساء مكانة قطر كدولة مؤثرة في محيطها والعالم.
هناك من يغادر السلطة فيغيب عن الذاكرة، وهناك من يغادرها، لكنه يبقى حاضرا في وجدان شعبه وفي مؤسسات دولته.
وكان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بلا شك، من الصنف الثاني؛ فقد غادر الحكم، لكنه ظل أحد أهم أعمدة الدولة، حتى رحل عن الدنيا، تاركا إرثا سيبقى حاضرا في تاريخ قطر والأمة العربية لسنوات طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك