لم تكن العلاقة بين الملك فاروق وجماعة الإخوان الإرهابية علاقة ثابتة على امتداد سنوات الحكم الملكي، وإنما مرت بتحولات حادة عكست طبيعة الصراع السياسي في مصر خلال أربعينيات القرن الماضي، فمن التقارب والدعم المتبادل، إلى المناورة السياسية، ثم المواجهة الأمنية، وصولًا إلى واحدة من أكثر النهايات دموية في التاريخ السياسي المصري، بعد اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ثم اغتيال مؤسس الجماعة حسن البنا بعد أسابيع قليلة.
البداية.
ولاء مبكر للملك الشابمع تولي الأمير فاروق العرش عقب وفاة الملك فؤاد الأول عام 1936، سعت جماعة الإخوان إلى تقديم نفسها باعتبارها أحد أبرز الداعمين للملك الجديد، وبرز هذا الموقف بصورة واضحة مع اقتراب تولي فاروق سلطاته الدستورية عام 1937، حيث قدمت الجماعة خطابًا دينيًا وسياسيًا يمنح الملك مكانة استثنائية.
وفي التاسع من فبراير 1937، نشر حسن البنا في مجلة" الإخوان المسلمين" مقالًا بعنوان" حامي المصحف"، استشهد فيه بموقف للملك خلال إحدى رحلاته إلى الصعيد، عندما أخرج مصحفًا وقال إنه" مفتاح كل خير" بالنسبة له، ليعتبر البنا ذلك دليلًا على أن فاروق مؤهل لقيادة الأمة الإسلامية، وذهب إلى حد الدعوة إلى مبايعته باعتباره" حامي المصحف"، مؤكدًا أن ملايين المسلمين سيقفون خلفه إذا تمسك بالقرآن منهجًا للحكم.
ولم يقتصر الأمر على المقالات، إذ تشير الروايات التاريخية إلى أن تنظيمات الإخوان استقبلت الملك في محطات القطار، ورددت هتافات من بينها: " نبايعك خليفة على سنة رسول الله"، كما احتشدت عناصر الجماعة أمام قصر عابدين عقب مباشرة الملك سلطاته الدستورية في يوليو 1937، معلنة مبايعته على" كتاب الله وسنة رسوله".
كما ركزت صحف الجماعة على إبراز التدين الشخصي للملك، وأطلقت عليه ألقابًا مثل" حامي المصحف" و" أمير المؤمنين" و" حامي حمى الإسلام"، في محاولة لترسيخ صورته الدينية أمام الرأي العام.
وخلال السنوات التالية، اتسمت العلاقة بين القصر والإخوان بقدر كبير من البراجماتية، فقد رأت الجماعة في القصر الملكي قوة يمكن الاستفادة منها لتوسيع نفوذها السياسي والتنظيمي، بينما نظر القصر إلى الجماعة باعتبارها ورقة يمكن استخدامها في موازنة نفوذ الأحزاب، وعلى رأسها حزب الوفد.
وخلال الأربعينيات، تنقل حسن البنا بين دوائر النفوذ المختلفة، محاولًا الحفاظ على مساحة من الحركة بين القصر من جهة، والقوى الحزبية من جهة أخرى.
وتشير الروايات إلى أن هذا التوازن تعرض للاهتزاز عندما اقترب البنا لفترة من حكومة مصطفى النحاس، وهو ما أدى إلى فتور في العلاقة مع القصر.
من الخلاف السياسي إلى المواجهة الأمنيةومع نهاية الأربعينيات، دخلت العلاقة مرحلة مختلفة تمامًا، بعدما تصاعد نشاط" النظام الخاص"، وهو الجهاز السري داخل الجماعة، وارتبط اسمه بعدد من أعمال العنف التي شهدتها البلاد.
وتزايد التوتر بين الحكومة والجماعة، خاصة بعد حادث مقتل اللواء سليم زكي حكمدار شرطة القاهرة في ديسمبر 1948، وما تبعه من تحقيقات، إلى جانب سلسلة من الوقائع التي استندت إليها الحكومة في قرارها بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948، ومصادرة أموالها وإغلاق مقارها.
اغتيال النقراشي.
نقطة اللاعودةلم تمض سوى عشرين يومًا على قرار الحل حتى شهدت القاهرة صباح 28 ديسمبر 1948 واحدة من أخطر عمليات الاغتيال السياسي في تاريخها.
فبينما كان رئيس الوزراء ووزير الداخلية محمود فهمي النقراشي يدخل مبنى وزارة الداخلية، تقدم منه شخص يرتدي زي ملازم أول في الشرطة وأدى له التحية العسكرية، ثم أطلق النار عليه من الخلف أمام المصعد، ليسقط متأثرًا بإصابته ويفارق الحياة بعد دقائق.
وكشفت التحقيقات عن أن منفذ العملية هو عبد المجيد أحمد حسن، الطالب بكلية الطب البيطري، والمنتمي إلى النظام الخاص داخل جماعة الإخوان، كما انتهت المحاكمة إلى إعدامه، بينما صدرت أحكام بالسجن على آخرين ثبتت مشاركتهم في القضية.
وأمام تداعيات الحادث، أصدر حسن البنا بيانًا شهيرًا تبرأ فيه من منفذي الاغتيال، واصفًا إياهم بأنهم" ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين"، في محاولة لإبعاد الجماعة عن مسؤولية الجريمة.
لكن الأزمة لم تتوقف عند اغتيال النقراشي، فبعد أقل من شهرين وفي 12 فبراير 1949 تحديدا، اغتيل حسن البنا أمام جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، ووقتها ذهب العديد من الآراء إلى أن بيان" ليسوا إخواناً فجر غضباً عارماً داخل التنظيم الخاص للجماعة، حيث اعتبره قادة الجناح العسكري بقيادة عبد الرحمن السندي بمثابة خيانة وتخل عنهم وتبرؤ من قتلة رئيس الوزراء النقراشي، كما أكد آخرون أن البنا كان يعتزم كشف مخابئ أسلحة ومحطة الإذاعة السرية للتنظيم وتسليمها للسلطات لإنقاذ الجماعة من قرار الحل، فاعتبره التنظيم عبئاً يجب التخلص منه لحماية أسرارهم.
علاقة بدأت بالمبايعة وانتهت بالقطيعةوتكشف مسيرة العلاقة بين الملك فاروق وجماعة الإخوان أنها لم تقم على تحالف عقائدي بقدر ما ارتبطت بحسابات سياسية متغيرة فرضتها ظروف كل مرحلة، ففي الوقت الذي قدمت فيه الجماعة الملك باعتباره" حامي المصحف" و" أمير المؤمنين"، ورفعت شعارات المبايعة له عند بداية حكمه، انتهت العلاقة بعد سنوات قليلة في مناخ من المواجهة الحادة، عقب تصاعد أعمال العنف، وقرار حل الجماعة، واغتيال رئيس الوزراء، ثم اغتيال مؤسس الجماعة نفسه، لتصبح تلك المرحلة واحدة من أكثر فصول التاريخ السياسي المصري إثارة للجدل والدراسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك