حتى من يعارضون الرؤية الحريدية – القومية للعالم، لا بد أن يعترفوا بأن التيار الحريدي القومي لا يخفي أجندته.
هو قطاع منظم، يمثل نسبة ضئيلة من السكان، لكنه وضع لنفسه هدفاً واضحاً بعد الانسحاب: إعادة تشكيل مراكز القوة في البلاد من خلال الاندماج فيها.
لم يكن هناك ما يتم إخفاؤه.
من الجدير تذكر هذا الآن، حيث تواجه نتائج هذه العملية – بما في ذلك أداء رئيس “الشاباك” دافيد زيني وقائد المنطقة الوسطى آفي بلوط – انتقادات شديدة.
في نهاية العام 2007 نشر الحاخام إيلي سدان، مؤسس مشروع المدارس التمهيدية، كتابه بعنوان “نداء للصهيونية الدينية” في ظل أصوات تدعو إلى العزلة عقب صدمة عملية “الانفصال” في 2005.
إلى جانب انتقاده الشديد لما وصفه بـ “الفساد” الذي رافق بناء الدولة من قبل النخبة العلمانية.
وطالب بـ “تحمل المسؤولية عن إعادة بناء المجتمع حسب قيم التوراة” من خلال “وضع قوات كبيرة في الجيش وفي نظام القضاء والإعلام…” لتصحيح الخطأ التاريخي الذي يتمثل بعدم إقامة “دولة يهودية مثالية حسب توراة إسرائيل”.
لذلك، دعا إلى “الاندماج في الأنظمة القائمة للجيش و”الشاباك” والموساد والشرطة…”.
لم تكن هذه مؤامرة، بل استراتيجية علنية، تسعى إلى دمج خريجي التعليم الحريدي في مراكز السلطة في البلاد – وقد تحقق ذلك.
والمثير للدهشة أن هذه الدعوة لم تجد استجابة من قبل المعسكر الليبرالي، بل وحتى لم يتم انتقادها قط.
واستمرت قيادة الجيش، التي اطلعت على الاستراتيجية الحريدية، في تشجيع البرنامج التمهيدي الديني، الذي يعتبر محركاً أساسياً لتحقيق أجندة الترويج لـ “الدولة المثالية”.
رغم أن دعوة سدان، أدت إلى زيادة ملحوظة في مشروع المدارس التمهيدية العسكرية ووجود أعضاء من الحريديم بين الضباط، فإن الجيش لم يغير طبيعته.
بعد ذلك، جاءت المرحلة التالية؛ ففي خطاباته المثيرة للجدل في 2016 اتهم الحاخام يغئال ليفنشتاين، شريك سدان في تأسيس المدرسة التمهيدية في عيلي، النيابة العسكرية بتعريض حياة الجنود للخطر، وسخر من المجندات المتدينات ووصف المثليين والمتحولين بـ “المنحرفين”، وأدان المحتوى الديمقراطي والإنساني الذي نشرته هيئة التعليم، وقبل أي شيء اعتبر النصر قيمة عليا.
إذا كان سدان قد ركز على ضرورة الاندماج في مراكز القوة، فقد سبق لليفنشتاين أن تحدث عن ضرورة استغلال النفوذ المتراكم في الجيش للنضال من أجل تغيير هويته.
هذه المرة أيضاً لم تعرف الأغلبية العلمانية مغزى النصوص، واستمرت تحركات الحريديم دون رادع.
وبعد ذلك، ترقية ضباط لم يخفوا الرغبة في تشكيل جيش مختلف.
عقب 7 أكتوبر، استسلم المعسكر الليبرالي دون قتال للعناصر التي أثبتت المذبحة ظاهريا، صحة انتقاداتها للجيش.
الآن، يستطيع سدان التفاخر بأن الخطاب الديني أصبح “سائداً” في أوساط الكثير من القادة والمقاتلين لدينا، بما في ذلك العلمانيون.
لم يكن بالصدفة أن اشتدت احتجاجات الحريديم ضد عدم ترقية الضباط في هذا القطاع، وهي احتجاجات أثمرت؛ فعشية الحرب أصبح زيني أول جنرال حريدي، وأثناء الحرب تمت ترقية آفي بلوط ودافيد بار خليفة لمناصب حساسة في القيادة الوسطى وقسم القوة البشرية، وتمت ترقية زيني إلى منصب رئيس جهاز “الشاباك”.
يحتج المعسكر الليبرالي اليوم على نتائج هذه العملية، لكنه لم يتناول الأجندة التي حركتها خلال عشرين سنة تقريباً.
كانت النصوص علنية والخطة مصوغة بوضوح، لكن النقاش العام يركز الآن على النتيجة وليس على الاستراتيجية التي أدت إليها والدروس المستفادة منها.
وستستمر استراتيجية الحريديم في النجاح إذا لم يتم خلق معارضة علمانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك