لم يعد مضيق هرمز مجرد ساحة مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحول إلى اختبار لقدرة واشنطن على إدارة حرب طويلة الأمد دون استنزاف ترسانتها العسكرية، وإلى أزمة اقتصادية وملاحية تدفع أوروبا ثمنها عبر ارتفاع مخاطر الشحن والطاقة والتأمين.
تناولت صحف أمريكية وبريطانية الدور الذي أصبح يلعبه مضيق هرمز بالنسبة لأمريكا وأوروبا وكذلك إيران، قائلة إنه في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة على إجبار إيران لضمان حرية الملاحة، تسعى الأخيرة إلى تحويل المضيق إلى ورقة نفوذ إقليمية دائمة.
list 1 of 2جدعون لخلفاء نتنياهو: ماذا ستفعلون بغزة والضفة والاحتلال والقضية الفلسطينية؟list 2 of 2ملاجئ نووية بمسابح ومقاه.
هكذا تتحصن أوروبا الشماليةقالت صحيفة واشنطن بوست في افتتاحية لهيئة التحرير إن الحرب مع إيران استنزفت مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر بسرعة، مشيرة إلى أن الأيام الستة عشر الأولى من القتال استهلكت نحو 40% من صواريخ" ثاد" الاعتراضية الأميركية، وهي منظومات متقدمة تستخدم لاعتراض الصواريخ الباليستية، لكن إعادة بناء مخزونها قد تستغرق سنوات وليس أشهرا.
إعادة التفكير في العقيدة العسكريةووفق الصحيفة فإن هذه التجربة دفعت البنتاغون إلى إعادة التفكير في عقيدته العسكرية التي اعتمدت لعقود على عدد محدود من الأسلحة المتطورة والمكلفة، موضحة أن الحروب الحديثة أظهرت حاجة الولايات المتحدة إلى إنتاج كميات ضخمة من الذخائر الأقل تكلفة، لأن مواجهة أسراب من الصواريخ والطائرات المسيّرة بأسلحة بملايين الدولارات لم تعد خيارا مستداما.
وترى واشنطن بوست أن حرب إيران كشفت تحديا استراتيجيا أوسع للجيش الأمريكي، يتمثل في ضرورة الانتقال من الاعتماد على" الأسلحة الفاخرة" إلى مزيج يجمع بين الأنظمة المتقدمة والذخائر الرخيصة ذات الإنتاج الكمي، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات متزامنة من الصين وروسيا.
لكن الاستنزاف العسكري ليس الجانب الوحيد في أزمة هرمز، إذ تواجه إدارة الرئيس دونالد ترمب معضلة سياسية متزايدة بشأن كيفية إنهاء المواجهة.
وقالت كاتي بولز، محررة الشؤون السياسية في صحيفة تايمز البريطانية، إن حتى بعض أنصار ترمب أصبحوا يشككون في قدرته على إيجاد مخرج من الأزمة، بعدما تحولت العملية العسكرية إلى صراع مفتوح يصعب حسمه.
وأوضحت بولز أن الرئيس الأمريكي، الذي سعى منذ بداية ولايته إلى تجنب" الأعداء الدائمين" وإبقاء باب التسويات مفتوحا، يجد نفسه أمام خيارات محدودة: إما التصعيد والاستمرار في الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، أو العودة إلى مسار تفاوضي جديد، أو القبول باتفاق أقل طموحا يخفف التوتر لكنه يترك طهران في موقع أقوى.
وأشارت الصحيفة إلى أن العامل الاقتصادي الداخلي يضغط على ترمب أيضا، خصوصا مع اقتراب الانتخابات النصفية، إذ يخشى الجمهوريون من أن تؤدي حرب طويلة إلى ارتفاع أسعار الطاقة وإضعاف شعبيته بين الناخبين.
في المقابل، ترى صحيفة فايننشال تايمز أن المعركة الحقيقية في مضيق هرمز تدور حول من يملك القدرة على التحكم في حركة السفن.
وأوضحت الصحيفة في تقرير أعده أليس هانكوك وستيفن برنارد أن شركات الشحن أصبحت تواجه قرارات بالغة التعقيد قبل عبور المضيق، بعدما تعرضت سفن حاولت استخدام المسار القريب من المياه العمانية لهجمات صاروخية.
وقالت الصحيفة إن الناقلات باتت تحتاج إلى تنسيق مع شركات التأمين والجهات العسكرية الأمريكية قبل الإبحار، حيث يتعين عليها تحديد المسار والوقت وإجراءات السلامة، بينما يضطر بعض البحارة إلى قبول أجور مضاعفة أو ثلاثة أضعاف مقابل المخاطرة بالعبور.
وأضافت فايننشال تايمز أن أقساط التأمين على السفن ارتفعت خلال ذروة الأزمة إلى نحو 7 أو 8% من قيمة السفينة، قبل أن تنخفض مؤقتا مع بوادر التهدئة، ثم تعود للارتفاع مع تجدد الهجمات.
وأكدت أن كثيرا من ملاك السفن يفضلون الانتظار بدلا من المخاطرة بالدخول إلى منطقة باتت تعد من أخطر ممرات التجارة العالمية.
مسؤولون خليجيون: منح إيران سيطرة فعلية على المضيق قد يحول التجارة العالمية إلى رهينة للظروف السياسية داخل طهرانجوهر الخلاف مستقبل إدارة هرمزويكمن جوهر الأزمة، وفقا لصحيفة غارديان، في الخلاف حول مستقبل إدارة المضيق.
فقد ذكرت الصحيفة أن دولا أوروبية تدرس مقترحات تسمح بفرض رسوم على خدمات الملاحة، بشرط ألا تكون إجبارية وأن تتوافق مع قواعد المنظمة البحرية الدولية، في محاولة لإيجاد صيغة وسط بين المطالب الإيرانية والمخاوف الغربية.
وأوضحت غارديان، في تقرير باتريك وينتور وويليام كريستو، أن إيران تريد ترتيبات تمنحها دورا أساسيا في تنظيم حركة السفن، بينما ترفض سلطنة عمان أي رسوم إلزامية على المرور، وتؤكد أن القانون الدولي يكفل حرية العبور في الممرات البحرية الدولية.
ونقلت الصحيفة تحذيرات مسؤولين خليجيين من أن منح إيران سيطرة فعلية على المضيق قد يحول التجارة العالمية إلى رهينة للظروف السياسية داخل طهران، في إشارة إلى المخاوف من أن يصبح هرمز أداة ضغط دائمة على أسواق الطاقة.
أما صحيفة وول ستريت جورنال فرأت أن طهران لا تتعامل مع أزمة المضيق باعتبارها خلافا مؤقتا، بل كفرصة لإعادة صياغة موقعها الإقليمي.
وقال ياروسلاف تروفيموف إن القيادة الإيرانية تعتقد أنها خرجت من الحرب بمكانة أقوى، وأن السيطرة على هرمز يمكن أن تمنحها نفوذا يتجاوز قيمة أي تخفيف للعقوبات الأمريكية.
وأضاف الكاتب أن إيران ترى أن التحكم بالممر البحري يمنحها القدرة على التأثير في اقتصادات دول الخليج، التي تعتمد على المضيق لتصدير النفط والغاز واستيراد السلع الأساسية، بينما يعتقد مسؤولون إيرانيون أن واشنطن اضطرت إلى التعامل مع طهران بسبب أهمية هذا الشريان التجاري.
لكن استمرار الأزمة لا يهدد الولايات المتحدة فقط، بل يفرض ضغوطا إضافية على أوروبا التي تعاني أصلا من نقص في القدرات الدفاعية بسبب الحرب في أوكرانيا.
وقالت مجلة نيوزويك، في تقرير لتوم أوكونور، إن تجدد الحرب الأمريكية الإيرانية قد يؤدي إلى تقليص قدرة واشنطن على تزويد حلفائها الأوروبيين بالأسلحة في وقت تحتاج فيه القارة إلى تسريع إعادة التسلح.
ونقلت الصحيفة عن خبراء أوروبيين أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الإنفاق الدفاعي، بل في قدرة أوروبا على بناء قاعدة صناعية مستقلة، إذ إن الاعتماد الطويل على الولايات المتحدة جعل القارة معرضة للخطر في حال انشغال واشنطن بصراعات أخرى.
وهكذا يكشف مضيق هرمز عن معادلة معقدة: الولايات المتحدة تملك القوة العسكرية الأكبر، لكنها تواجه كلفة متزايدة في الذخائر والاستنزاف السياسي، بينما تحاول إيران تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ استراتيجي، وفي النهاية تجد أوروبا نفسها أمام فاتورة مزدوجة: ارتفاع كلفة الملاحة والطاقة، والقلق من تراجع قدرة الحليف الأمريكي على تلبية احتياجاتها الأمنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك