نواكشوط – «القدس العربي»: عاد ملف الفساد إلى واجهة الجدل السياسي في موريتانيا بعدما اختار «تحالف قوى الإنقاذ» المعارض أن يجعله عنواناً لأولى معاركه الفكرية والسياسية، مطلقاً سلسلة اتهامات للنظام الحاكم بغياب الإرادة الحقيقية لمواجهة ما وصفه بـ»العبث المنظم بالمال العام» في حين تتمسك السلطة برؤية مغايرة تؤكد أن مكافحة الفساد لا تُقاس بضجيج الخطابات ولا بحملات التشهير، وإنما ببناء مؤسسات رقابية قادرة على فرض سيادة القانون واستعادة ثقة المواطنين.
وشكلت الندوة التي نظمها التحالف في العاصمة نواكشوط تحت شعار «الفساد وبناء الدولة: من التشخيص إلى الإصلاح» مناسبة لإعادة طرح أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، في وقت تستعد فيه الساحة السياسية لاستحقاقات الحوار الوطني، وسط تزايد الضغوط الشعبية المطالبة بتحسين الحكامة وترشيد الإنفاق العام.
واتفق المتدخلون في الندوة على أن الترسانة القانونية التي تمتلكها موريتانيا كافية نظرياً لملاحقة جرائم الفساد، غير أن المشكلة، بحسبهم، تكمن في ضعف الإرادة السياسية لتطبيق النصوص على الجميع دون استثناء.
وقال رئيس حزب العمران، أحمد هارون ولد الشيخ سيديا، «إن القانون الجنائي الموريتاني والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها البلاد يوفران أدوات قانونية كافية لمحاربة الفساد، لكن «المعالجة لا يمكن أن تتم عبر التغاضي عن النصوص أو التفتيش الانتقائي، بل بخطوات جادة تبدأ من قمة هرم السلطة».
ولم يكتف ولد الشيخ سيديا بتوجيه الانتقاد، بل طرح تصوراً جديداً يعتمد على التكنولوجيا، داعياً إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في الرقابة على الصفقات العمومية والإنفاق الحكومي، عبر أنظمة رقمية تتابع العمليات المالية لحظة بلحظة، بما يسمح باكتشاف التجاوزات قبل وقوعها، بدلاً من الاكتفاء بالتحقيق فيها بعد استفحالها.
ويعد هذا الطرح من بين أولى الدعوات الصريحة داخل المعارضة الموريتانية إلى إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في منظومة الرقابة المالية والإدارية.
من جهته، رسم الأمين العام لمنظمة الشفافية، المصطفى ولد سيداتي، صورة قاتمة لواقع الفساد، معتبراً أن البلاد تعيش ما سماه «تيهاً مالياً»، يتجلى في التحولات السريعة وغير المبررة في ثروات بعض الأشخاص الذين «انتقلوا من العدم إلى الثراء خلال فترة وجيزة».
ودعا ولد سيداتي إلى تشكيل «قطب وطني» يضم الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والشباب، لخلق ضغط مجتمعي دائم من أجل فرض الشفافية وتعزيز المساءلة، منتقداً ما وصفه بتراجع دور أجهزة الرقابة وغياب نشر تقارير التفتيش بصورة منتظمة.
أما النائب البرلماني المعارض محمد بوي ولد الشيخ محمد فاضل، فذهب أبعد من ذلك، متهماً السلطة بأنها لم تعد تكتفي بالتساهل مع الفساد، بل أصبحت، بحسب تعبيره، «تصنع الفساد وتحميه»، معتبراً أن بعض المسؤولين الذين حاولوا كشف تجاوزات تعرضوا للعقوبات الإدارية تحت غطاء «التعسف في استخدام السلطة».
وحذر النائب من أن استمرار تآكل الثقة في المؤسسات قد يدفع شرائح واسعة من الشباب إلى البحث عن وسائل احتجاج أكثر حدة، مستشهداً بما شهدته دول أخرى من حركات احتجاجية قادتها الأجيال الجديدة.
في المقابل، ترفض السلطات الموريتانية اتهامات المعارضة، وتؤكد أن محاربة الفساد تمثل أحد المحاور الأساسية في برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى الحكم.
وتقول الحكومة إن المقاربة الحالية تقوم على تعزيز المؤسسات الرقابية بدلاً من تحويل الملف إلى مادة للصراع السياسي، وهو ما تجسد، وفق الرواية الرسمية، في تعزيز صلاحيات المفتشية العامة للدولة وربطها مباشرة برئاسة الجمهورية، وتوسيع مهام محكمة الحسابات، إلى جانب اعتماد استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد ترتكز على رقمنة الخدمات الإدارية، وتحديث منظومة الصفقات العمومية، وتقليص الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع للحد من فرص الرشوة.
كما كرر الرئيس الغزواني في أكثر من مناسبة أن «لا حصانة لأي مفسد»، مؤكداً أن استرجاع المال العام يمثل أولوية، وهو ما استندت إليه السلطات في إحالة عدد من ملفات التسيير إلى القضاء خلال السنوات الأخيرة.
وذهب متابعون لهذا الشأن إلى أن الخلاف بين السلطة والمعارضة لا يتعلق بوجود الفساد بقدر ما يتعلق بطريقة التعامل معه؛ فالمعارضة ترى أن غياب محاكمات واسعة لشخصيات نافذة يضعف مصداقية الخطاب الرسمي، بينما تعتبر السلطة أن مكافحة الفساد يجب أن تتم داخل مؤسسات الدولة وبعيداً عن منطق التشهير أو تصفية الحسابات السياسية.
ويأتي هذا الجدل في مرحلة تسعى فيها موريتانيا إلى تحسين مناخ الاستثمار وجذب التمويلات الدولية، وهي أهداف تجعل تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة عاملاً أساسياً في تقييم أداء الدولة لدى الشركاء الدوليين.
وبين دعوات المعارضة إلى إحداث قطيعة شاملة مع ممارسات الماضي عبر توظيف التكنولوجيا والرقابة المجتمعية، وإصرار الحكومة على مواصلة ما تصفه بـ»الحرب الهادئة والمؤسساتية» ضد الفساد، يبقى الرهان الحقيقي في نظر كثير من الموريتانيين، منصبا على قدرة هذه السياسات، أياً كان مصدرها، على ترجمة الوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في الخدمات العامة والتنمية، لا أن تظل مكافحة الفساد عنواناً دائماً للتجاذب السياسي دون أثر واضح على الواقع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك