عاد التوتر العسكري بين إيران وأمريكا ليتصدر الواجهة مجددا، ما يهدد بانهيار الاتفاق الأولي الذي جرى التوصل إليه الشهر الماضي لإنهاء القتال.
وفي منشور له عبر منصة تروث سوشيال" يوم السبت، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن إيران هددت صراحة باغتياله أو محاولة ذلك، محذرا من أن هناك 1000 صاروخ جاهزة وموجهة بالفعل نحو إيران، وتتبعها آلاف الصواريخ الأخرى فورا في حال نفذت طهران تهديدها.
ويأتي هذا التصريح بعد تلميح ترامب إلى أنه أصدر تعليمات عسكرية دائمة للجيش الأمريكي بتدمير إيران بشكل غير مسبوق إذا نفذت تهديداتها باغتياله.
وفي المقابل، صرح المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، بعد ساعات قليلة من منشور ترامب، بأن الإيرانيين سيواصلون العمل على الثأر لمقتل والده علي خامنئي، الذي توفي إثر الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولى التي فجرت الحرب في أواخر فبراير الماضي، وجرت مراسم تشييعه هذا الأسبوع.
وأكد خامنئي أن الانتقام يمثل إرادة الشعب الإيراني وسينفذ حتما لمعاقبة القتلة.
ومع ذلك، لم يوضح البيت الأبيض مسار الأوامر العسكرية الصادرة عن ترامب في حال مقتله، وفقا لما ذكرته وكالة" أسوشيتد برس".
وخلال جنازة خامنئي، شهدت مسيرات المشيعين رفع لافتات تطالب باغتيال ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما يراه مراقبون وقودا يغذي التهديدات الإيرانية باغتيال الرئيس الأمريكي.
كيف تستعد واشنطن لسيناريو غياب الرئيس عسكريا ودستوريا؟مخاوف أمنية ومحاولات اغتيال متلاحقةتأتي هذه الأجواء المشحونة في وقت يواجه فيه ترامب مخاطر أمنية حقيقية؛ إذ نجا بالفعل من عدة محاولات اغتيال محلية خلال حملته لعام 2024، منها واقعة إطلاق النار التي نفذها توماس ماثيو كروكس في بنسلفانيا، ومحاولة رايان روث في فلوريدا، إلى جانب محاولة كول ألين الأخيرة في واشنطن خلال أبريل الماضي، والتي تزامنت مع اقتحام مسلح لفعاليات عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض.
وزعم وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، أن مسؤولا إيرانيا خطط سابقا لمحاولة اغتيال ترامب في الأسابيع الأخيرة من حملة 2024، قد قُتل لاحقا خلال عملية" الغضب الملحمي" في مارس الماضي.
وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة" وول ستريت جورنال" هذا الأسبوع أن إسرائيل أبلغت المسؤولين الأمريكيين بمخططات إيرانية جديدة لتصفية ترامب.
وخلال قمة قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي" الناتو" في أنقرة قبل أيام، قال ترامب: " إنهم يستهدفون تصفية القائد الأمريكي"، ويعني بذلك نفسه.
ومن جهتها، صرحت سابرينا سينج نائبة المتحدث الرسمي السابق لوزارة الدفاع في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، بأن سعي إيران لاستهداف القادة الأمريكيين الكبار هو أمر واقع ويجب التعامل معه كتهديدات ذات مصداقية، مؤكدة أن الرد العسكري الأمريكي سيأتي حتما ولكنه لن يكون بطريقة تلقائية.
وتزايدت التساؤلات الأمنية بعد عودة ترامب تدريجيا من تركيا هذا الأسبوع على متن طائرة قديمة تابعة لسلاح الجو بدلا من الطائرة الحديثة المهداة من قطر، حيث تبين أن الطائرة الحديثة التي بلغت تكلفة تعديلها 400 مليون دولار لا تحتوي على أنظمة رصد الصواريخ ذاتها الموجودة بالطراز القديم.
وصرح ترامب للصحفيين بأنه الهدف الأول على قوائم طهران، ما يبرز خطورة الوضع القائم جراء التهديدات الإيرانية باغتياله.
وثيقة درج الرئاسة: كيف تستعد واشنطن لأسوأ السيناريوهات؟تظهر هذه التهديدات الميدانية المباشرة أسباب اتخاذ واشنطن إجراءات وقائية بالغة السرية والجدية؛ إذ كشف سيباستيان جوركا، المسؤول في البيت الأبيض والمشرف على استراتيجية مكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، خلال مقابلة مع صحيفة" نيويورك بوست" في مايو الماضي، عن وجود رسالة تعليمات سرية تركها ترامب لنائبه جيه دي فانس داخل المكتب الرئاسي.
وأوضح جوركا أن هذه الرسالة موضوعة داخل درج المكتب الرئاسي المخصص للرئيس، ولن يتم فتحها إلا إذا تعرض الرئيس لأي مكروه أو تم" التخلص من ترامب" خلال ولايته الثانية.
وأكد جوركا وجود بروتوكولات واضحة لانتقال السلطة والرد على أي جهة معادية مثل الصين أو غيرها حال مقتله.
ومع ذلك، شدد جوركا على أن ترامب في أمان، واصفا إياه بأنه أقوى شخصية منذ أيام الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور.
معضلة الرد التلقائي وحدود الأوامر الدستوريةتكشف وثيقة جوركا السرية عن الفجوة بين رغبات القادة والواقع القانوني؛ فرغم إعلان ترامب في مقابلة مع شبكة" نيوز نيشن" في يناير الماضي إصداره تعليمات صارمة تقضي بتدمير إيران بالكامل عبر إخطار رسمي ينص على تسوية الدولة المعتدية بالأرض إذا حدث له مكروه، إلا أن الأطر القانونية تؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تمتلك آلية دستورية لإنشاء" مفتاح القضاء التلقائي" المعتمد سلفا لتنفيذ رد انتقامي فوري ومبرمج.
وبدلا من ذلك، فإن التعديل الـ25 وقانون تعاقب الرئاسة لعام 1947 ينظمان مسار انتقال السلطة إلى خلفه؛ حيث يصبح نائب الرئيس جيه دي فانس قائدا أعلى للقوات المسلحة على الفور ويمتلك بمفرده صلاحية توجيه أي ضربة انتقامية.
ووفق هذا السيناريو، يمكن لفانس تنفيذ رغبة سلفه أو الامتناع عنها أو تقديم رد مباشر بأساليب مغايرة.
وفي هذا الإطار، لفت الباحث جاريت إم جراف، مؤلف كتاب" صخرة الغراب: قصة الخطة السرية للحكومة الأمريكية لإنقاذ نفسها بينما نموت جميعًا"، إلى أن واشنطن جهزت لسنوات خططا لكيفية تفويض إطلاق الأسلحة النووية في حال وقوع هجوم مفاجئ، شملت خلال 3 عقود من الحرب الباردة إبقاء أساطيل قيادة جوية تحلق طوال 24 ساعة وعلى متنها جنرال يتولى الأوامر حال سقوط العاصمة.
لكن إم جراف يوضح في تصريحاته لـ" أسوشيتد برس"، أن تلك الترتيبات لا تتيح إطلاق هجمات ثأرية فورية بمجرد غياب الرئيس حتى لو طلب المشرعون ذلك.
ورجح جراف أن الرئيس الأمريكي يقصد بحديثه تركه لتوجيهات بالهجوم تتضمن تفعيل بروتوكولات الإطلاق القياسية عبر البنتاجون، مشككا بقانونية هذه الأوامر الدائمة لكون الصلاحية تنتقل فورا وبشكل تلقائي لنائب الرئيس.
ونوّه الباحث، إلى أن حديث الرئيس الأمريكي اقتصر على الصواريخ التقليدية التي أطلقتها واشنطن عشرات المرات ولم يهدد علنا باستخدام السلاح النووي، معتبرا أن توجيه عبارة لجي دي فانس تطالبه بضرب إيران نوويا حال مقتله يعد أمرا أكثر منطقية وقانونية من الناحية الدستورية.
تاريخ من التحذيرات الدبلوماسية الصارمةتعد مسألة تلقي واشنطن لتهديدات موثوقة ضد مسؤوليها ومشرعيها من قِبل خصوم خارجيين أمرا مألوفا يجري الكشف عنه عبر الإيجازات الأمنية، لكن الإعلان العلني من قِبل ترامب بشأن استهدافه شخصيا يعد أمرا نادرا.
وليست هذه هي المرة الأولى التي توجه فيها واشنطن تهديدات لطهران؛ ففي عام 2022 حذرت إدارة بايدن إيران من استهداف المواطنين الأمريكيين عقب كشف وزارة العدل عن تخطيط عضو في الحرس الثوري الإيراني لتصفية مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، الذي أقر الشهر الماضي بالذنب في قضية الاحتفاظ غير القانوني بوثائق سرية في قضية قادتها وزارة العدل التابعة لإدارة ترامب.
وصرح مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، جيك سوليفان، عام 2022 بأن أي اعتداء يستهدف المواطنين الأمريكيين الحاليين أو السابقين سيواجه عواقب وخيمة.
وبعد عامين، عاودت إدارة بايدن تحذير طهران سرا، مؤكدة أن أي هجوم على ترامب سيعتبر بمثابة إعلان حرب رسمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك