لم يكن استئناف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران بعيدا عن التوقعات، نظرا لهشاشة الهدنة التي بنيت عليها مذكرة التفاهم بين الجانبين، وما تضمنته من بنود غامضة تفتح باب التأويل، وتتقلص فيها المساحات التي يمكن الالتقاء عليها، حتى بدت وكأنها هدنة التقاط أنفاس وإرجاء للصراع لا حسمه.
بيْد أن اللافت في هذا التصعيد، اقترانه باستمرار المسار التفاوضي، ففي حين يستأنف ترامب الضربات على إيران، التي ترد بدورها باستهداف الساحة المألوفة (دول الخليج)، يعلن في الوقت نفسه موافقته على استمرار المحادثات مع الإيرانيين، مع التأكيد على أن وقف إطلاق النار قد انتهى، بما يعني أن المفاوضات تجري تحت النار، وهو التقليد الذي تفضله الولايات المتحدة في صراعاتها، كما حدث في حرب فيتنام وغيرها.
الشكل الطبيعي الذي تكون عليه الصراعات والحروب، أن فرص التسوية السياسية تتضاءل، أو تنعدم مع استخدام لغة القوة والسلاح، لكنه لا يعكس حقيقة المسالك الاستراتيجية للقوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة، التي لا تنظر إلى الحرب والتفاوض على أنهما طرفا نقيض، بل تعتبرهما واشنطن مسارين متوازيين يخدم كل منهما الآخر، لتحسين شروط التفاوض والبيئة الاستراتيجية المحيطة بالمفاوضات، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب تحت الضغط الذي تمارسه ضد خصومها.
التفاوض تحت النار يقوم على افتراض قدرة جميع الأطراف على الاستمرار في ضبط مستوى التصعيد، ومنع الخروج عن السيطرة، ولا يملك أحد حياله ضمانات مستمرة حتى النهايةينبني هذا التقليد الذي تتبعه الولايات المتحدة على إقناع الخصم، بأن كلفة استمرار المواجهات أعلى من كلفة التسوية وتقديم التنازلات، ومن ثم تحرص قبل أية تسوية على توجيه رسائل ردع مفادها، أن خيار القوة لا يزال حاضرا، وأن باب التفاوض لا يُفتح بلا أثمان.
في المقابل، لم تتفاجأ إيران بهذا الأسلوب، حيث بنت سياساتها الإقليمية في العقود السابقة، على فرضية أن الضغوط العسكرية الأمريكية توازي دائما المسار التفاوضي، ولذا تمارس بدورها التصعيد المحسوب، بحيث تظهر قدرتها على الرد وامتلاك أوراق الضغط، مع تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة شاملة، فهدفها إبراز قدرتها على الإيلام، الذي يمنحها موقعا تفاوضيا أفضل، ويحد من أسلوب الضغط الذي تمارسه عليها الولايات المتحدة.
هذا التوتير المحسوب بين الجانبين، الذي يسعى كلاهما لضبط إيقاعه، يتفهم الطرفان قواعده جيدا، فلا الولايات المتحدة ولا إيران تريدان حربا مفتوحة قد تتحول في الغالب إلى حرب إقليمية قابلة لتدخل أطراف خارجية ما يضع العالم كله على شفا بركان.
وأوضح ما يبرز هذه القواعد المستبطَنة، هو حرص الطرفين على عدم إقحام الكيان الإسرائيلي في المعادلة الحالية، فمن جانبها تضغط الولايات المتحدة على الحليف الإسرائيلي، وتحاول كبح جماحه حتى لا يشارك في العمليات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية، حرصا منها على عدم توسيع رقعة الحرب.
وبدورها تتجنب إيران في الرد العسكري استهداف دولة الاحتلال للهدف نفسه، وتوجه صواريخها كالعادة صوب دول الخليج وحدها، بدعوى استهداف المصالح الأمريكية، من دون توجيه ضربات إلى الساحة الإسرائيلية الأكثر إيلاما لواشنطن، على الرغم من تهديدات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر، بأن إسرائيل لن تكون بمنأى عن رد المقاتلين الإيرانيين.
وهكذا يجد الطرفان نفسيهما داخل معادلة ظاهرها التناقض، لكنها مستقرة في الواقع نسبيا، فكلاهما يقوم بالتصعيد لإقناع الآخر بضرورة التفاوض لا القفز عليه وإسقاطه من الحسابات، لذا غالبا ما يعقبه الدخول في جولة أخرى من المفاوضات، بأوراق وأدوات ورؤى وأهداف مغايرة.
على الرغم مما يوفره هذا النموذج من مرونة سياسية، إلا أنه لا يخلو من مخاطر، فالتفاوض تحت النار يقوم على افتراض قدرة جميع الأطراف على الاستمرار في ضبط مستوى التصعيد، ومنع الخروج عن السيطرة، وهو أمر لا يملك أحد حياله ضمانات مستمرة حتى النهاية.
أكثر ما يهدد هذا النموذج هو التباين الكبير في أهداف ومطالب كل من الطرفين، أبرزها العقوبات ومستقبل البرنامج النووي والدور الإقليمي لإيران في اليوم التالي للحرب، وهي ملفات يصعب التوافق حولها من الطرفين، ومن ثم لا تُرى في الأفق مؤشرات لانتهاء الحرب بشكل كلي في الوقت الحالي، ومع استمرار الشد والجذب والتصعيد المضبوط، يتدخل عامل الوقت ويضعف من احتمال صمود التفاوض تحت النار.
كما أنه لا يمكن لدى قراءة هذا النموذج تجاهل القوى الداخلية لكل دولة وأحزاب المعارضة والضغوط التي يمكن أن تمارسها على النظام، والتي يمكن أن تحدث تأثيرا في هذا المنحى.
أضف إلى ذلك أن التفاوض تحت النار محفوف بخطر انفلات زمام حكومة الاحتلال، التي تتباين مواقفها حيال المفاوضات مع الحليف الأمريكي.
والمشاهد أنه في كل مرة تقترب واشنطن وطهران من نقاط تفاهم، يرتفع منسوب القلق الإسرائيلي، إذا رأت تل أبيب أن التفاهمات المحتملة لا تلبي مطالبها الأمنية، وفي كل مرة يتصاعد فيها التوتر العسكري بين أمريكا وإيران تزداد دولة الاحتلال قدرة على طرح رؤيتها، باعتبارها الأكثر انسجاما مع واقع التهديدات في المنطقة.
والذي يظهر بوضوح في الموقف الإسرائيلي أن نتنياهو يتحفز بالفعل لإشعال الموقف من جديد، فإبداء الجهوزية التامة لضرب إيران والإلحاح على الإدارة الأمريكية في الدخول بجولة التصعيد، إضافة إلى التقارير الاستخباراتية، التي رفعها نتنياهو إلى ترامب بأن هناك مخططا إيرانيا لاغتياله، والتهرب من الالتزام بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، كلها أمارات تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي لن يظل قابعا في المربع الذي يريده ترامب.
تبقى المنطقة العربية هي الضحية لفنون الحرب والتفاوض بين واشنطن وطهران، وتدفع أثمانا باهظة على الصعيد الأمني والاقتصادي لهذا الصراع، من دون أن تقطع خطوات جادة حقيقية باتجاه تكتل قوي يمنع الالتفاف على مصالحها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك