لم يكن اللقاء المتلفز مع الرئيس السوري أحمد الشرع لقاء عابرا، بل شكل محطة تاريخية الأكثر أهمية في تاريخ الوطنين لبنان وسوريا، فقد أتى في أصعب فترة يمر فيها لبنان، الذي يتعرض لاعتداءات صهيونية يومية، لم تتوقف منذ قرابة الثلاث سنوات، ومبررة أمريكيا ودوليا، وحتى من قبل أطراف داخلية.
وبغض النظر عمن بدأ والدوافع، إلا أن الكيان الصهيوني تخطى كل الحدود، في عدوانه وعدوانيته، وممارسته لعمليات القتل والتدمير الممنهج، وكأنه يملك الحق والتفويض الكامل في كل ما يفعل.
لقد أتى هذا اللقاء ليصب الثلج على نار أرادوا إشعالها، تحركها في هذا الاتجاه أجهزة خارجية وداخلية، كورقة ضغط تمارس الأطراف المختلفة اللعب بها.
فهناك أطراف لبنانية تستخدمها لتخوف بها بعضها، وكل طرف له أسبابه ومبرراته، لدرجة أن بعضهم كان ينشر على الشبكة العنكبوتية خطط وخرائط هذا التدخل، وكأنه على علم مسبق حتى بأسماء الجنود الذين سوف يدخلون إلى لبنان.
وطرف آخر، كان يضخ إعلامه والموالين له أخبارا كاذبة حول ذلك، بهدف شد العصب المذهبي.
أما الصهاينة فكعادتهم وجدوا في ذلك أرضا خصبة، فدخل ذبابهم الإلكتروني المعركة بقوة، فوجد آذانا صاغية لدعاياته المغرضة، التي كان يخوف فيها كل الأطراف على السواء، في الوقت الذي مارس فيه عملية تحريض بشعة.
كثيرون تساءلوا عن أسباب تودد الرئيس ترامب المفاجئ للرئيس السوري أحمد الشرع، وتعطيره بعطره الجديد بيده، ولكن خلف الأبواب المغلقة، عبر ترامب عن امتعاضه وانزعاجه مما يحدث في لبنان، وأوضاعه غير المستقرة.
ومن حسن حظ سوريا أن رئيسها يقف على أرض صلبة، ويعرف موضع قدميه، فكان أن رد عليه بأن الحل في لبنان، من وجهة نظره، سياسي اقتصادي إنمائي، وأن سوريا مستعدة للمساهمة بفعالية في إيجاد الحلول اللازمة بالتشارك مع الدولة اللبنانية، ومختلف الأطراف السياسية، لما فيه مصلحة البلدين والشعبين، وهو ما لا تريده أمريكا، ولا حليفها الكيان الصهيوني.
وهنا توقف شهريار الصباح عن الكلام المباح…ولا بد لنا هنا، من فتح قوسين، ونسأل أنفسنا: هل كانت هذه الأفكار تعبر فعليا عن الرئيس ترامب شخصيا؟ أم أنها ترجمة لأفكار نتنياهو وساسة الكيان، وتحقق أيضا رغبات الصهاينة المتغلغلين في مراكز القرار الأمريكي؟ في الواقع لم يخرج عن هذا اللقاء ما يشير إلى هذا الموضوع.
ولكن هناك طرفا آخر داخل الدوائر الأمريكية، له مصلحة ومآرب أخرى في توريط النظام السوري في حرب جديدة في لبنان، قام بتسريب بعض الأخبار المعاكسة تماما لما حدث، ورسمت تسريباته بعض معالم هذا التدخل، فشكّل ذلك وليمة اقتات منها الموتورون والحاقدون من كل الأطراف، وكل الذين لا يريدون للبلدين خيرا.
كان قرار عدم التدخل في لبنان، قرارا حكيما، وفي قمة الوطنية على الإطلاق، وأفضل مثال يقدم للعالم، من أن سوريا الثورة والتغيير ليست ألعوبة بيد أحدإن لقاء الرئيس أحمد الشرع بالرئيس ترامب، يحملنا إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، ويذكرنا باللقاء الذي حصل في بغداد عام 1990، وجمع المغفور له الرئيس صدام حسين، بالدبلوماسية الأمريكية أبريل كاترين غلاسبي، يومها فهم الرئيس صدام حسين من كلامها، أن الطريق ممهد أمامه في موضوع الكويت، فكانت بعد ذلك الكارثة، التي ما زلنا للأسف نسدد فواتيرها، ونعاني من تداعياتها، ومما جرته على أمتنا العربية من انقسامات وأحقاد ودمار.
لقد نسي الرئيس ترامب في لحظة ما، أنه يتحدث مع رئيس قادم من رحم ثورة، يعرف بحار الدماء جيدا، وسئمها، وأنه والطاقم المحيط به، حصروا أولوياتهم في بناء أجهزة الدولة السورية الحديثة، والنمو الاقتصادي فيها، وإعادة الإعمار، لكي تعود سوريا التي نحب جميعا أفضل مما كانت عليه.
مع إيمانهم بأن ما قام به حزب الله في سوريا، وما ارتكبه أتباعه من مذابح وفظاعات بحق الشعب السوري، تم توظيفها طائفيا ومذهبيا بأبشع الصور، لا يرد عليها بالهمجية نفسها، وعلى مبدأ العين بالعين، والسن بالسن، مع أن غالبية الشعب السوري، وفئة كبيرة من اللبنانيين الذين ذاقوا الأمرين من النظام السوري السابق وحلفائه من ساسة وميليشيات، ينتظرون ذلك التدخل بفارغ الصبر.
الرئيس السوري من خلال تجربته، أصبح يعرف تمام المعرفة، أن الغرب لا يعطي جوائز مجانية، بل إنه يسعى بكل الوسائل لتوريط نظامه في حرب ضروس، تحول بينه وبين أهدافه التي وضعها من أجل بناء سوريا، وأنه لو تدخل في لبنان، يكون كمن دخل الفخ بقدميه، وتحول بالتالي إلى كومبارس، يحركونه كما يحلو لهم، ويتحكمون بتنفسه وكل خطواته.
وهو يدرك وكل المحيطين به، حجم المخاطر والمآلات، وكذلك حجم المسؤولية التي يتولونها، وتصدوا لها، من أجل بناء سوريا المستقبل والدولة، وحجر الزاوية الأساس في منطقتنا العربية، فسوريا اليوم ورغم قصر مدة الحكم الجديد فيها، لا تشبه سوريا البارحة.
لقد كان قرار عدم التدخل في لبنان، قرارا حكيما، وفي قمة الوطنية على الإطلاق، وأفضل مثال يقدم للعالم، من أن سوريا الثورة والتغيير بلغت سن الرشد، وأنها ليست ألعوبة بيد أحد، وأن أهدافها الاستراتيجية الكبرى اقتصادا وتنمية وازدهارا، ومؤسسات، وبناء مجتمع، لا تمر عبر التدخل في شؤون الدول الأخرى، والاعتداء على سيادتها، بل إن الرئيس أحمد الشرع ذهب أبعد من ذلك، عندما أعلن في المقابلة نفسها، أنه مستعد للجلوس إلى الطاولة مع من قتل وذبح الشعب السوري، إن كان ذلك يصب في مصلحة الوطنين، والشعبين اللبناني والسوري، وهو في ذلك يعلو فوق الحزازات والصغائر إلى مستوى رجل الدولة المسؤول، الذي يريد مصلحة وطنه وشعبه، والأمر نفسه لجيرانه.
وهذا لا يشبهه شيء في تاريخ المنطقة في العصر الحديث، التي تعاني منذ عقود من حروب صغيرة، وبعض أنظمتها يحاصر الآخر، بينما يدبج آخرون القوانين الخاصة للإضرار بجيرانهم.
سوريا الجديدة، فوتت الفرصة على أعدائها، وأعداء أمتنا، ووفرت المزيد من الانقسامات، والاصطفافات الطائفية والمذهبية، التي نحن في غنى عنها.
وأسكتت الداعين للقوى الاستعمارية، وحتى الصهيونية، لحمايتهم من تغول الآخرين عليهم كما سيدعون… والذين هم على أهبة الاستعداد، ويقفون خلف الأبواب، وقد جهزوا، بياناتهم السياسية والعسكرية، أو بالأحرى جهزت وأعدت لهم، بالإضافة إلى صور المذابح والفيديوهات التي سيزعمون وجودها، وكل الأدوات التي سوف تخدم مخططات الكبار والصغار على السواء… شكرا سوريا، التي وفرت علينا الدخول في متاهة حرب الألف عام، ومذابح وبحار دماء، لا يعلم منتهاها إلا الله سبحانه، كانت ستطال هذه المرة كل المنطقة من محيطها إلى خليجها، ولن يسلم منها أحد، ولن يستفيد منها إلا الكيان الصهيوني الغاصب، والقوى الاستعمارية الداعمة له، سوريا فوتت الفرصة على كل الانتهازيين والحاقدين والموتورين، بمختلف ألوانهم، المتمحكين بالوطنية والوطن زورا وبهتانا.
ويبقى بعض الأسئلة المشروعة: هل وصلت الرسالة إلى من يهمهم الأمر يا ترى؟ وهل هناك من يلاقي الرئيس الشرع في منتصف الطريق، فيمد له يده؟ ويقوم بالتالي بالاعتذار من الشعب السوري عما ارتكبه بحقه من قتل وذبح ودمار؟ لا أظن ذلك، لأن حالة تضخم الأنا لديهم تمنعهم من ذلك، ولأن قرارهم ليس في أيديهم، وصاحب القرار يشعر بنشوة الانتصار لأنه يمسك بورقة ممر هرمز، المتحكم باقتصاد العالم….

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك