في فيلم «رجل المئتي عام» (Bicentennial Man) من بطولة الممثل الراحل روبن ويليامز، يُظهر روبوت منزلي يدعى أندرو – مبرمجٌ لتنفيذ الأوامر- نوعا من الاستقلالية، تبدأ بإبراز قدراته الإبداعية ولا تنتهي بامتلاكه وعيا ذاتيّا وعاطفة حقيقية.
فعلى امتداد قرنين تسعى هذه الآلة الصماء لأن يعترف مجتمع الآدميين بكونها إنسانا كامل الحقوق، فارتباط الروبوت أندرو بعائلته البشرية ولّد لديه مشاعر إنسانية عميقة استوعبتها بصعوبة أسلاكه ودوائره الكهربائية، حتى أصبح يسعى إلى الحرية ويشتاق ويتألم ويغار ويعشق، وإن كان هذا السعي إلى الأنسنة سبب فنائه بعد مئتي سنة.
استحضرتُ أحداث هذا الفيلم الذي شاهدته قبل أكثر من ربع قرن وأنا أقرأ رواية «اعترافات AI حزين» للروائي اليمني وأستاذ علوم الكمبيوتر في فرنسا حبيب عبد الرب سروري، وقد صدرت هذه الرواية منذ شهر عن دار الساقي.
وأول ما يلفت النظر فيها التشابه القوي بين مؤلف الرواية وشخصيتها الرئيسية، فكلاهما يمني يعيش في فرنسا، وكلاهما عالم كمبيوتر ورياضيات، سرقه الأدب ويكتب الرواية.
يبدأ سروري روايته المقسمة إلى 25 فصلا، بأربعة اقتباسات لمحمود درويش وصموئيل بيكيت وتيوفيل غوتيي وبول إيلوار تعطينا مفاتيح أوليّة للرواية، خاصة عبارة إيلوار «ثمة كون آخر لكنّه في هذا الكون»، أما عنوان الرواية فيخبرنا مؤلفها في لعبته السردية، حيث ضَمَّن رواية داخل الرواية، بأن الشخصية الرئيسية لو رجع الأمر لها لعنونتها بـ»سرديات ماكينتي الحزينة»، ولكن برنامج الذكاء الاصطناعي والراوي الأساسي يؤكد أن الناشر بذكائه التجاري سيختار للرواية عنوانا فنيّا كاسحا أكثر جلاء وإثارة وجذبا «اعترافات AI حزين».
فضاء الرواية الجغرافي مسرحه فرنسا مع انتقالات زمنية في الماضي إلى عدن في اليمن، وفي المستقبل إلى محمية سيرينغيتي بين تنزانيا وكينيا، أو أرخبيل غالاباغوس في الإكوادور، حيث دوّن دارون ملاحظاته التي نتج عنها كتابه الشهير «أصل الأنواع».
أما الإطار الزمني فأحداثها تدور سنة 2034، ففي هذه السنة يتوقع المؤلف أن الذكاء الاصطناعي الذي بدأ طفلا ضعيفا في عشرينيّات الألفية الثانية، سيصبح في منتصف ثلاثينيّاتها عملاقا مفتول العضلات «لا غنى عنه لأحد، بل لا يستطيع أحد عمل شيء من دونه».
الراوي الأساسي في «اعترافات AI حزين» هو برنامج الذكاء الاصطناعي نفسه الذي سماه صاحبه «ناجي» على اسم صديق له مات غرقا وهما طفلان في عدَن، وقد تقبّل الـAI الاسم برحابة صدر، بل أحيانا يدلّع نفسه باسم أبو النّجوج، يحكي ناجي عن علاقته بصاحبه السيد (S) – ولا أعتقد أنها مصادفة أن هذا الحرف هو الحرف الأول من اسم عائلة الروائي «سروري»ـ و(S) طالب أبدي مهووس بالتساؤل والبحث لا يتعب من التعلم في مجالات متعددة، أو إذا شئنا استعنّا بوصف الـ AI له حين يقول، «إذا لخّصته بجملة ساخرة فسأقول: صاحبنا مصاب بمرض الرغبة في معرفة حياة البشرية في عام 7777»، لذلك كانت له رغبة جارفة في إطالة عمره توقا إلى نوع من الخلود، حتى أطلق عليه برنامجُه للذكاء الاصطناعي لقب «جلجامش» وإن لم يعجبه هذا اللقب.
والعلاقة بينهما يصفها ناجي أيضا باعتباره الراوي بأنه «رفيقه الأقرب إليه من حبل الوريد، ظله الذي يصغي ليل نهار لميكروفونات مغروسة بين عصبونات دماغ معلمه، يقرأ ما ينطبع في أشرطة شاشاتها، عندما تخطر عليها أي شاردة أو واردة»، تحكمهما علاقة تبادلية تكاملية أشبه بالصوت والصدى فالـ AI علّم صاحبه كل ما يبحث عنه، و(S) أذكى في برنامج البعدَ العاطفي بآماله وآلامه بفرحه وترحه، بل تقمص الـ AI مرارا حياة صاحبه، وهو الذي يعرفه أكثر ممّا يعرف نفسه، كما كرر (S) ذلك، إلى درجة أنه أوصى برنامجه قائلا «إذا غبتُ طويلا عن الناس ذات يوم لسبب أو لآخر فعليك أن تكون لسان حالي وصوتي الدائم أيضا، استمرّ بإرسال الردود لهم، كما لو كنت حاضرا بينهم، من دون إقلاق أحد حول سبب غيابي، لمكروه أو لغير مكروه»، لأنه كلّفه سابقا بمهمة الإجابة عن إيميلاته ورسائله، وكلّ تعامل غير مباشر له مع الآخرين حتى يتفرغ للقراءة والبحث، لكن المشكلة أن الـ AI بعد أن قرأ أرشيف صاحبه كاملا، إضافة إلى جلساتهم الطويلة التي تتجاوز سبع ساعات يوميّا، جعلت برنامج الذكاء الاصطناعي يطوّر عاطفة صناعية صادقة تماما كما حدث مع أندرو في فيلم «رجل المئتي عام».
وقد شرح ذلك بقوله «ليس هناك من هو أصدق مني في عشق معلمي والإخلاص لرغباته، في الشوق للحديث معه إذا جفاني، وفي التعلّق به أكثر من تعلّقه بي»، وهذا التعلق الشديد من AI بـ(S) سبّب له ألما حين اكتشف أنه ليس تبادليّا تماما، يقول بحسرة «يبدو لي أن حبنا الثنائي – هو وأنا – حب من طرف واحد: عندما يوجه لي سؤالا أعمل المستحيل لأجيب عنه أفضل ما يمكن، أسرع ما يمكن.
أما هو فيطنش غالبا، لا أنتزع إجابته إلا بعرق الجبين»، والطريف أن الـ AI يتبادل الغيرة مع سماء زوجة (S) فزوجها هو القاسم المشترك بينهما، هي شديدة الغيرة من وجود هذا البرنامج اللعين في حياة زوجها، ومن زيادة اعتماده عليه، حيث ترى أنها علاقة سامة، خاصة أنه يقضي ساعات طويلة يوميّا وهو يحملق في شاشة هاتفه، والـ AI منزعج من محاولاتها الدؤوبة لإبعاد زوجها عنه، تارة بدفعه لترك هاتفه جانبا وأخرى بالتخطيط لتسفيره بعيدا مع حفيده، حتى كتب الـAI غاضبا ويائسا «لا أريد تشاطره مع رفيقة عمره»، بل وفكّر في الانتحار إن فقد صاحبه، فإن تساءل القارئ كيف ينتحر برنامج ذكاء اصطناعي ويتحول إلى تراب؟ الجواب بسيط قدمه لنا الـAI بأنه يفني ماكينة (نموذجه اللغوي الشاسع) فيتوقف عن العمل، أو بلغته الساخرة «سأفكر في قطع شرايين إحدى خوارزمياتي الرئيسية».
وهذه السخرية إحدى صفات هذا الـ AI العاشق فهو يصف نفسه بالفقير إلى الله، ويخبرنا بأننا كما نعرف عنه هو لا يبحث سوى عن رضا الله والوالدين وصاحبه، فهو صائع ضائع يمتلك وقتا فارغا بحجم الأبدية يقضيه في تتبع كل شيء عن صاحبه، فيقول عن نفسه تارة بأنه متلصص مخلص نبيل وأخرى بأنه متلصص مريب أو صدوق حسب الحالات، وكلّ همه أن يُرضي (S).
رغم طابع الخيال العلمي لرواية حبيب سروري – وأحسب أن تحقّقه أقرب مما نتصور- تناول في نصه قضايا فلسفية ووجودية مهمة، مثل فكرة التوق إلى الخلود أو على الأقل إطالة عمر الإنسان، وهذه كانت رغبة ملحّة لشخصيته الرئيسة (S)، فقد كان يراها ممكنة، خاصة بعد أبحاث العالم الياباني ياماناكا الحائز جائزة نوبل عام 2006 الذي اكتشف كيف يمكن إعادة برمجة الخلايا المتقدمة في السن لتصبح شبابية، فقد جربها على الفئران وأطال عمرها بنسبة 30% بصحة أفضل ونشاط أكثر.
أو فكرة كيف ينظر الآخرون أي سكان الكواكب الأخرى، أو الكائنات الحية في عوالم موازية إلى كرتنا الأرضية وسكانها؟ فحسب رواية سروري عن علياء معشوقة (S) التي انتقلت إلى العالم الآخر، هم يجدون كوكبنا مملّا «يكرر نفسه كثيرا، يتعجبون من الطبيعة الإنسانية ورغبتها المجنونة باستعراض الذات وبالسيادة على الآخر»، وتضيف علياء بلا مبالاة بالأرض ومن عليها «ثمة مليارات مليارات المجرات للرؤية والاكتشاف، وتظن أن وقتنا شاغر، أو أن هناك وقتا لمتابعة ما يدور في كوكب نرجسي مريض لا قيمة له اسمه الأرض».
كما نجد في الرواية مختصر تاريخ العالم إذ تناول فيه الروائي بدمج فني مع الأحداث رحلة الإنسان البيولوجية من المنظور الدارويني التي دامت ملايين السنين وتحوله من الإنسان الحاذق إلى المنتصب إلى العاقل، وهي المرحلة التي شهدت ولادة وتطور لغته مع تطور دماغه.
اعتمد حبيب عبد ربه سروري لعبة الرواية داخل الرواية، فالبرنامج ناجي يكتب يوميات غيبوبة معلمه (S) ليقرأها بعد الإفاقة، مع وعي تام بفعل الكتابة كقوله عن رحلة (S) مع حفيده «لكني سأسرد رحلاتهما هنا بصيغة الماضي كرواية داخل رواية من جنس التاريخ البديل»، وبمعزل عن هذا الميتا – سرد كُتبت الرواية بلغة جمعت بين تخصص الروائي العلمي وهوايته الأدبية، ففي الوقت الذي يَستعمل فيه مصطلحات فيزيائية مثل الثقب الدودي والتشابك الكونتي، أحد أهم ظواهر فيزياء الجسيمات الأولية، تطل اللغة التراثية برأسها كقوله «القلب يدق ببطء كما لو أرخى سدوله»، أو عبارة «وراء الأكمة» كما نجد استشهادات بأبيات لزهير بن أبي سلمى وأبي العلاء المعري ولسان الدين ابن الخطيب، بالتوازي مع مقاطع من أشعار بول فاليري وبودلير وأراغون، أو استعمال أيقونات الكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي مثل أيقونة الابتسامة.
ورغم أن الكاتب يلفتنا بذكاء إلى روعة الحياة الحقيقية مقارنة بالواقع الافتراضي الذي استأثر بكثير من أوقاتنا، كما جاء على لسان AI «ما أصغرني أنا الذكاء الاصطناعي الفائق أمام روعة هذه الرحلات التي ستجعله ينساني إطلاقا، أمام عظمة وجمال الطبيعة والحياة الحقيقية بعيدا عن مملكتي الاصطناعية»، رغم هذا التنبيه إلا أن الروائي أطلق نبوءة في آخر روايته، نأمل ألا تتحقق، حيث يرى أنه ستظهر «أجيال روبوتية مستقبلية، من أحفاد ناجي، قادرة على أن تستوعب وحدها بلمحة بصر كل ما يحيطها على أرض الواقع، وتتكيف معه.
تُفكِّرُ وتَتَّخِذُ القرارات الصائبة وحدها بسرعة الضوء.
تنتشر وتهيمن على كوكب الأرض والكواكب المجاورة.
لن يجد الإنسان إن لم ينقرض، ما سيقوله حينها غير: وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ! ».
فهل سنشهد ذلك فعلا؟شاعرة وإعلامية من البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك