قرر رئيس الجمهورية الامتناع هذه السنة، عن القيام بالإجراء التقليدي الذي تعود على المبادرة به كل سنة بمناسبة عيد الاستقلال، المتمثل في العفو الكلي أو الجزئي عن بعض المساجين المحكوم عليهم حكما نهائيا بالسجن.
قرار كان يستفيد منه عديد المساجين المتميزين بحسن السلوك أثناء فترة حبسهم، عبروا عنه بالاستفادة من فرص التعليم التي توفرها لهم المؤسسة العقابية، بالحصول على شهادة.
قرار عفو كان يستثني بالطبع أصحاب الأحكام المتعلقة بالإرهاب والفساد وتزوير العملة، وغيرها من الجرائم الخطيرة، التي لا تتسامح معها العدالة الجزائرية.
قرار عفو رئاسي سرعان ما بدأت الشائعة الشعبية في ربطه بالتسبب في زيادة مستوى الجريمة مباشرة بعد خروج المستفيدين من السجن، إذ تقول الشائعة إنهم ينطلقون في ارتكابها وهم في طريقهم إلى سكناتهم.
في مجتمع ما زال مقتنعا بأن تسليط أقسى العقوبات هو الحل الأمثل لردع لجريمة، بما فيه الإعدام الذي ما زالت تتبناه فئات اجتماعية واسعة، نتيجة قناعات دينية أو اجتماعية محافظة، حاضرة بقوة بين الجزائريين.
عكس أقلية رافضة له، عادة ما تكون أكثر حضورا بين الفئات الوسطى العصرية والأوساط الحقوقية.
الجزائر وهي تعيش تحولات سريعة على أكثر من صعيد، عادة ما تكون فرصة لظهور الكثير من الامراض الاجتماعية كما هو حاصل مع العنف الاجتماعي المستشري في السنوات الأخيرةالفئات الشعبية لم تتفهم دائما هذا النوع من قرارات العفو، الذي تلجأ إليه السلطات العمومية بمناسبة الأعياد الدينية والوطنية، كإجراءات رحمة وتسامح، يستفيد منها من أذنب من المواطنين في حق المجتمع، رغم أن قرارات العفو هذه المعلنة بانتظام بمناسبة الأعياد الدينية والوطنية، قد تكون لها أهداف أكثر براغماتية.
يمكن أن نذكر من بينها تخفيف الضغط على قدرة استيعاب السجون، التي وصلت إلى حدها الأقصى بعد التفشي الكبير للإجرام في المجتمع الجزائري، ازداد حدة ما اعتبرته منظمات حقوقية مبالغة من قبل القضاء الجزائري بالحكم بالسجن المؤقت، اشتكت منه الكثير من الأطراف الحقوقية كمنظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية وهيئات الدفاع أكثر من مرة.
في مجتمع يعرف موجات عنف عاتية، كما هو حاصل هذه الأيام، وصلت آثارها إلى المدن الصغرى والمتوسطة تجاوزت فيها المدن الكبرى وأحياءها الشعبية المعروفة بمنسوب عنفها العالي، تتعرض له فئات اجتماعية عديدة تتميز بالكثير من الهشاشة، كما هو حال المرأة والكبار في السن والأطفال، من سكان الأحياء غير الآمنة داخل الفضاءات الحضرية الجديدة، التي تبقى عرضة لعنف عصابات الأحياء، التي عرفت تطورا كبيرا في تنظيمها وتسليحها – لفترة طويلة بعد الانتهاء من بنائها، قد يستمر لعقود كما كان الحال في أحياء مشهورة بعنفها وعدم أمنها، على غرار أحياء عين النعجة بالعاصمة وعلى منجلي بقسنطينة، التحقت بها أحياء جديدة مع التطور العمراني الذي عرفته الجزائر يستحيل ذكرها كلها، في مجتمع تعرف ثقافة العنف انتشارا غير متساو بين أبنائه، حسب الأجيال والجهات.
أحياء سكنية بُنيت تحت ضغط الطلب الاجتماعي المهول المتراكم لعقود، على السكن، لم تراع في الغالب عند بنائها حاجات سكانها الجدد من الخدمات الثقافية والترفيهية في مجتمع شاب ديموغرافيا، لا توليه أي أهمية هذه السكنات المبنية على النمط السوفييتي القديم، الفاقد لأي جمالية عمرانية، أو تكيف مع ثقافة سكانه وما يميزهم من الناحية السوسيولوجية.
أحياء عادة ما يتم التعارف الأول بين سكانها الجدد عبر العنف بمناسبات المناوشات، التي تحصل عند ركن السيارة أو ذهاب البنات إلى المدرسة، أو العودة منها في المساء.
في مجتمع استفادت فيه البنات بقوة من التعليم.
ارتبط بالكثير من الآثار الجانبية على غرار الحضور الكثيف في الفضاء العام، بسبب التنقل اليومي بين المنزل العائلي والمدرسة.
لجأت البنات للتخفيف من آثاره السلبية عليهن بموجة تحجب ازدادت اتساعا مع انتشار تعليمهن بدءا من السنوات الأخيرة لمرحلة التعليم الابتدائي، داخل بعض الفضاءات الاجتماعية المحافظة غير المتعودة على البنات خارج الفضاء العائلي، صادف منتصف ثمانينيات القرن الماضي في الجزائر، ليبقى منسوب العنف بين سكان الأحياء الجديدة عاليا لفترة طويلة نسبيا، يخف مع الوقت مع الأجيال الجديدة من أبناء الحي، بعد تجاوز مرحلة التعارف الأول، التي كانت تتم في الغالب عبر قدر كبير من الاحتكاك العنيف، بواسطة نوع سيارة العائلة وأصولها الجهوية -صاحب الهوندا أو وليد البساكرة، إلخ.
قبل أن تتدخل مؤسسات المجتمع الأخرى في تلطيف الأجواء مع الوقت، بين هؤلاء الريفيين القدماء والحضر الجدد، عادة ما يلعب فيها المسجد والمدرسة أدوارا إيجابية محددة.
في هذه الأحياء التي يعرف سكانها كل صغيرة وكبيرة عن المقيمين فيها ـ من يسكن وحيدا ومن يسافر ويترك بيته، من دون حراسة، ومن يخزن مالا أو ذهبا في منزله في هذا الاقتصاد الريعي المعتمد على حضور السيولة المالية اليومية، بعيدا عن المؤسسة البنكية.
يتحول فيها المجاهد الحاصل على منحته المالية – كما حصل في مدينة الشريعة بولاية تبسة في المدة الأخيرة ـ أو التاجر المخزن للمال في بيته إلى ضحية مقصودة من قبل هذه العصابات التي يتحول فيها السارق إلى قاتل في رمشه عين، نتيجة الانتشار الواسع لاستهلاك المخدرات، بكل أنواعها بين أبناء الحي، العاطلين عن العمل المتربصين بسكان حيهم.
لتعرف الترسانة المستعملة ضد الضحايا مع الوقت تنوعا رهيبا ـ ما زال الإعلام يصنفها كأسلحة بيضاء، رغم أن الملاحظة العينية تدل على أنها تجاوزت هذا اللون من مدة طويلة.
بعد ظهور السيوف ـ البوشي بشكل يكاد يكون أكثر من عادي، صعّب كثيرا من تدخلات قوات الأمن، ناهيك عن المواطنين البسطاء أثناء المشاجرات اليومية التي تعيشها بعض أحياء المدينة الجزائرية.
وليس كلها يتم فيها احترام التوزيع غير العادل للعنف بين أبناء المدينة نفسها.
عنف مجتمعي يتطلب مقاربة أوسع مما هو سائد حتى الآن، تتجاوز المرحلي والمحلي نحو الوطني والدائم، تأخذ بعين الاعتبار التطورات الوطنية والدولية بما فيها تلك المرتبطة بالجوانب الثقافية والفكرية الملتصقة بإشكاليه الأجيال المهمة في الحالة الجزائرية بكل التنوع الجغرافي وامتداداته الثقافة والأنثروبولوجية الذي تعرفه الجزائر وهي تعيش تحولات سريعة على أكثر من صعيد، يجد صاحب القرار صعوبات في اللحاق بها، عادة ما تكون فرصة لظهور الكثير من الامراض الاجتماعية كما هو حاصل مع العنف الاجتماعي المستشري في السنوات الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك