مع صدور الأمر الملكي بتعيين إحسان بن عباس بافقيه أميناً لمحافظة جدة.
تدخل المدينة مرحلة جديدة من مسيرة لم تبدأ اليوم، بل مضت فيها خلال الأعوام الماضية بخطوات كبيرة، وقرارات جريئة، ومشاريع أعادت تشكيل كثير من ملامحها.
ولعل لجدة خصوصية تجعل كل خبر يتصل بها يتجاوز حدوده الإدارية.
فهي ليست مدينة عابرة في الجغرافيا السعودية، ولا مجرد شاطئ طويل على البحر الأحمر.
جدة عانقت البحر فعانقها.
واستقبلت عبر مرفئها حجاج بيت الله الحرام وزواره، وكانت بوابة للقادمين من جهات الأرض، قبل أن يصبح مطارها واحداً من أكبر بوابات المملكة إلى العالم.
ولهذا.
لم تكن جدة يوماً مجرد مدينة.
بل بوابة للوطن.
وذاكرة لأبنائه.
وشريكاً في صناعة تاريخه.
وكانت عبر مراحل من تاريخ الدولة حاضنة للحضور الدبلوماسي، ومقراً لمؤسسات وطنية كبرى، ونافذة تنظر منها المملكة إلى العالم، وينظر العالم منها إلى المملكة.
واليوم.
تستقبل جدة أمينها الجديد، وهو ابن من أبنائها، يعرف أسماء أحيائها، وذاكرة شوارعها، وخصوصية أهلها، ويأتي إليها بخبرة تراكمت في القطاع الخاص والعمل الاستثماري وقيادة هيئة عقارات الدولة.
وهذه الخبرة لا تقدم سيرة ذاتية فحسب، بل تضع أمام المدينة رجلاً عرف ملفات الأراضي والأصول والاستثمار والتطوير.
وهي ملفات تتقاطع اليوم مع واحد من أكبر التحولات العمرانية التي شهدتها جدة في تاريخها الحديث.
فالمساحات الواسعة التي خلفتها معالجة الأحياء العشوائية ليست فراغات في جسد المدينة.
بل صفحات تنتظر من يكتب عليها ملامح جدة الجديدة.
وقد كان ما جرى حدثاً غير مسبوق في حجمه وأثره.
فأحياء كاملة تغيرت، ومساحات شاسعة انفتحت، وعيون كثيرة تتجه اليوم إلى ما ستصبح عليه تلك المواقع بعد أن كانت لسنوات جزءاً من مشهد اعتاده الناس، رغم ما كان يحمله من تعقيدات ومشكلات متراكمة.
وليس من الإنصاف أن نتحدث عن هذه المرحلة دون الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي بذلت خلال عهد الأمين السابق صالح التركي، فقد شهدت جدة في تلك السنوات عملاً واسعاً، وتحولات مهمة، وملفات ثقيلة جرى التعامل معها في وقت لم يكن سهلاً، حتى وصلت المدينة إلى هذه اللحظة التي تقف فيها على أرض جديدة، وتطل على أفق أكثر اتساعاً.
ومن يقف اليوم على أحد المرتفعات المطلة على جدة.
سيرى مدينة تتحرك أمام عينيه.
سيرى مساحات ولدت من قلب التحول.
وشوارع تمتد.
ومشاريع تتشكل.
ومدينة لا تكتفي بأن تكبر، بل تعيد رسم نفسها.
جدة التي تعيد رسم نفسها لا تفعل ذلك في العمران وحده، فهي مدينة بحر وشاطئ.
ومدينة ميناء وقاعدة بحرية.
ومدينة مطار يستقبل ملايين المسافرين.
ومدينة تتطلع إلى منظومة نقل عام تليق بحجمها، وإلى مترو ما زال الناس ينتظرون أن يتحول من مشروع مؤجل إلى واقع، فيما يقترب النقل البحري من أن يصبح جزءاً من حركة المدينة وحياتها اليومية.
وهي فوق ذلك كله بوابة للحرمين.
يمر بها القادم إلى مكة، ويحمل منها أول انطباع، وربما آخر ذكرى قبل الرحيل.
لهذا تبدو مسؤولية أمانة جدة أوسع من حدود العمل البلدي المعتاد.
فهي تتصل بصورة مدينة، وبهوية مكان، وبجودة حياة ملايين البشر الذين يسكنونها أو يعبرون منها.
وفي جدة تفاصيل كثيرة لا تظهر في الصور الجوية للمشاريع الكبرى.
أحياء ما زالت طرقها تنتظر إعادة السفلتة.
وشوارع تحتاج إلى أن تستعيد عافيتها.
وأرصفة تبحث عن المشاة.
ومساحات عامة تحتاج إلى ظل يرحم الناس من قيظ الصيف، فقد تكون مظلة في موقف عام أو خاص تفصيلاً صغيراً في مشروع مدينة، لكنها عند أسرة أو كبير سن ليست تفصيلاً عابراً.
غير أن جدة أكبر من أن تختصر في قائمة مطالب.
هي فرصة وطنية كبرى لإعادة صياغة العلاقة بين البحر والمدينة، وبين التاريخ والعمران، وبين الاستثمار والإنسان.
فالمدن لا تصنعها الأبراج وحدها، ولا تقاس بجمال واجهاتها فقط.
بل بما تمنحه لسكانها من شعور بأن المكان يعرفهم، ويحفظ ذاكرتهم، ويفتح لهم باب المستقبل.
وجدة تملك من التاريخ والموقع والروح ما يجعلها مرشحة دائماً لأن تكون في الصف الأول بين مدن العالم.
وهي اليوم لا تبدأ من الصفر، ولا تمحو ما سبقها، بل تبني على تراكم من الجهود والمشاريع والقرارات، وتستقبل مرحلة جديدة تضيف إلى ما تحقق، وتمنح المدينة فرصة أخرى لتقترب من الصورة التي تستحقها.
ولعل أجمل ما في هذا التعيين أنه يعيد واحداً من أبناء جدة إلى مدينته في لحظة فارقة من تاريخها.
لا ليبدأ حكايتها، فحكاية جدة أقدم من الجميع، بل ليشارك في كتابة فصل جديد منها.
فصول المدن لا يكتبها شخص واحد، ولا جهة واحدة، لكنها تحتاج في كل مرحلة إلى من يدرك قيمة اللحظة، ويعرف أن بعض الفرص حين تمر.
لا تعود.
وجدة اليوم أمام واحدة من تلك الفرص.
مدينة عريقة تقف على أرض جديدة.
وبحر قديم يطل على أفق جديد.
وذاكرة تحفظ ما مضى، من دون أن تتوقف عن صناعة ما هو آت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك