يواجه العالم اليوم تحدياً وجودياً يتمثل في الشح المائي، مما دفع تقنيات تحلية مياه البحر لتكون الحل الاستراتيجي الأمثل لتأمين احتياجات المدن والصناعات المتنامية، ولم تعد التحلية مجرد عملية تقنية مكلفة، بل تحولت إلى صناعة ذكية تعتمد على الأغشية المتطورة والطاقة النظيفة.
وبحسب تقرير للبنك الدولي نشر الخميس الماضي، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقود هذا التحول العالمي عبر تبني حلول مبتكرة لخفض التكلفة وتقليل الأثر البيئي، مع التركيز على التوسع في إنتاج المياه لضمان الأمن الغذائي والصناعي.
ثورة التكنولوجيا: الأكسدة والاختزال والذكاء الاصطناعيوتشير دراسة علمية من جامعة نيويورك، منشورة في دورية" سيل ريبورتس فيزيكال ساينس"، إلى أن العالم شهد مؤخراً طفرة في كفاءة أنظمة التحلية، حيث تم تطوير نظام" تحلية الأكسدة والاختزال" (RFD) الذي يدمج بين تخزين الطاقة الكيميائية وتحلية المياه، مما يقلل الاعتماد على شبكات الطاقة التقليدية ويجعل العملية محايدة للكربون بصورة أكبر.
كما دخل الذكاء الاصطناعي في إدارة المحطات عبر" التعلم العميق" للتنبؤ بتآكل الأغشية وتحسين عمليات التشغيل، مما يطيل عمر محطات تحلية مياه البحر ويقلل التكاليف التشغيلية بشكل غير مسبوق.
الاستفادة المصرية: خطط طموحة واستغلال العين السخنةأوضح بيان لصندوق مصر السيادي أن مصر تسعى لرفع قدراتها في التحلية من مليون متر مكعب يومياً في 2023 إلى نحو 8.
85 مليون متر مكعب بحلول عام 2050، وذلك عبر دمج الابتكارات التكنولوجية والتمويلات الاستراتيجية.
وتبرز منطقة العين السخنة كمركز رئيسي لهذه الأنشطة، حيث تُستخدم المياه المحلاة ليس فقط للشرب، بل كمكون أساسي في قطاعات صناعية عملاقة تشمل الأسمدة والمنسوجات، والأهم من ذلك إنتاج" الهيدروجين الأخضر" و" الأمونيا الخضراء" لتصدير الطاقة النظيفة للعالم.
وبحسب الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، يعد مشروع" محطات تحلية مياه البحر بالعين السخنة" هو الأكبر من نوعه في مصر.
وقالت المهندسة راندة المنشاوي وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، إن ملف تحلية مياه البحر يأتي على رأس أولويات الوزارة، في ضوء التوسع العمراني الكبير الذي تشهده المدن الساحلية، وما يتطلبه ذلك من توفير مصادر مستدامة وآمنة للمياه.
وأوضحت الوزيرة خلال توقيع مذكرة تفاهم لتطوير وإنشاء وإدارة مصنع لإنتاج أغشية تحلية مياه البحر بين" الإسكان" و" سيتيك للإنشاءات" الصينية و" آنكوم" في أبريل الماضي، أنه تم وضع استراتيجية قومية متكاملة لتحلية مياه البحر تمتد حتى عام 2050، يتم تنفيذها من خلال خطط خمسية متتالية، تستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية تُقدّر بنحو 9 ملايين متر مكعب يوميًا من المياه المُحلّاة.
وأضافت وزيرة الإسكان أن توطين صناعة مكونات محطات التحلية، وعلى رأسها أغشية التناضح العكسي، يُمثل خطوة محورية نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد، وخفض تكاليف التشغيل، وتعزيز نقل التكنولوجيا المتقدمة، فضلًا عن دعم الصناعة الوطنية وتوفير فرص عمل متخصصة.
وأشارت إلى أن الوزارة تعمل على تنفيذ خطة متكاملة لتصنيع مكونات محطات التحلية محليًا، بالشراكة مع كبرى الشركات العالمية والقطاع الخاص، بما يسهم في بناء قاعدة صناعية مستدامة في هذا القطاع الحيوي.
وهنا يبرز دور الشركاء الاستراتيجيين لمصر في هذا المسار المستدام؛ حيث يدعم الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي مشروع" الهيدروجين الأخضر في مصر" بمساهمة أوروبية تبلغ 34.
3 مليون يورو، دعماً لريادة مصر في مجال الهيدروجين الأخضر والتكامل الإقليمي للطاقة.
ويمثل مشروع محطات تحلية مياه البحر بالعين السخنة الركيزة الأساسية لتعزيز ريادة مصر في قطاع الهيدروجين الأخضر، حيث يوفر الإمدادات المائية المستدامة واللازمة لعمليات التحليل الكهربائي دون المساس بحصة مصر من المياه العذبة.
ويسهم هذا التكامل الاستراتيجي، المدعوم بمصادر الطاقة المتجددة وموقع ميناء السخنة المحوري، في تحويل المياه المالحة إلى وقود نظيف، مما يدفع عجلة التصدير للأسواق العالمية ويترجم رؤية الدولة نحو التحول الأخضر.
وفي تحليل حول" الأمونيا الخضراء" أصدره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، استعرض التحليل أبرز الجهود والمشروعات التي تتم في هذا الشأن، وهو ما يفتح الباب أمام الاستثمارات الأوروبية الضخمة، مثل استثمار شركة" فيرتيجلوب" الإماراتية التي وقعت عقداً بقيمة 397 مليون يورو لتوريد الأمونيا المتجددة المنتجة في مصر إلى الاتحاد الأوروبي بدءاً من 2027، مما يجعل التحلية محركاً لاقتصاد التصدير المصري.
وتمثل تحلية مياه البحر في مصر فرصة ذهبية لتجاوز العجز المائي ودفع عجلة الصناعة والزراعة المتطورة.
وبفضل تبني التكنولوجيات العالمية الحديثة -مثل الأكسدة والاختزال وتعدين الأملاح- وبالتوازي مع تطبيق المعايير الخضراء، تضع مصر نفسها على الخريطة كقوة إقليمية في الاقتصاد الأخضر المعتمد على المياه المحلاة والطاقة المتجددة.
نحو" صفر تصريف" واقتصاد دائري للأملاحتؤكد الأبحاث المنشورة في دورية" ACS ES&T Engineering" (الجمعية الكيميائية الأمريكية) أن مستقبل التحلية المستدامة يكمن في تجاوز مجرد إنتاج المياه العذبة نحو تطبيق تقنية" التصريف الصفري للسوائل" (Zero Liquid Discharge).
هذا التوجه، الذي تتبناه مصر في استراتيجيتها لعام 2050، لا يهدف فقط إلى حماية البيئة البحرية من الرجيع الملحي - (المقصود بالرجيع الملحي: المياه شديدة الملوحة والمركزة التي تتبقى بعد استخلاص المياه العذبة الصالحة للشرب من مياه البحر) - بل يسعى لتحويل هذا الرجيع إلى ثروة عبر" تعدين الأملاح" واستخلاص معادن استراتيجية، مما يعزز من ربحية المحطات ويجعلها جزءاً من اقتصاد دائري متكامل يخدم قطاع البناء والصناعات الكيميائية في منطقة السخنة.
ونشرت مجلة" Water" الصادرة عن معهد النشر الرقمي متعدد التخصصات (MDPI) في سويسرا، بحثا عن تكنولوجيا معالجة المياه بعنوان: " تقدم الأبحاث في تقنيات معالجة مياه الصرف عالية الملوحة" (Research Progress in High-Salinity Wastewater Treatment Technologies)، يدعم هذا البحث علمياً التوجه المصري لاستخدام التحلية في المناطق الصناعية المتكاملة مثل العين السخنة، حيث يوفر الأسس التقنية للتعامل مع المياه عالية الملوحة الناتجة عن صناعات الأسمدة والمنسوجات.
وفقاً للدراسات المتخصصة في تكنولوجيا معالجة المياه، فإن الخطوة المصرية بتوقيع مذكرات تفاهم لتوطين صناعة" أغشية التناضح العكسي" محلياً تُعد قراراً استراتيجياً لخفض تكاليف التشغيل طويلة الأمد، إذ تساهم الصناعة المحلية في تقليل البصمة الكربونية المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية وتضمن استدامة عمليات الصيانة للمحطات العملاقة المستهدفة بقدرة 9 ملايين متر مكعب يومياً، وهو ما يتماشى مع المعايير الدولية التي تشجع الدول على بناء قواعد صناعية مستقلة لتأمين أمنها المائي والغذائي بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك