ليس من المبالغة القول إنّ جائزة الملتقى للقصّة القصيرة من أجمل الجوائز وأكثرها دقّةً، وأكثرها انتظاراً في أفق القصّة العريبة.
لهذه الأسباب، وأيضاً لأنّها من الكويت، البلد المحبوب الذي أسهم في تأسيس منابرَ ثقافية وفنّية عريقة، صارت الجائزة مع الوقت مطمح كلّ قاصٍّ عربي، وثمّة مَن عاد بسببها إلى كتابة القصّة بعد غياب.
قال عبد الفتاح كيليطو في كتابه" المقامات"، إنّها أعادت الاعتبار ليس إلى النثر العربي فقط، وإنّما أيضاً إلى ميدان البلاغة العربية، إذ تبارى في ساحتها، أي في المقامات، اللاعبون البارعون في اللغة والأدب والأسلوب.
هذا ما حدث بالنسبة إلى جائزة القصّة القصيرة حين أعلنها الروائي والقاص طالب الرفاعي للمرّة الأولى من الكويت في 2015، فتقدّم عدد غفير من الكتّاب العرب، ومن مختلف الأجيال، للمشاركة فيها، وبعضهم من باب التشجيع، لأنّها جائزة للقصّة العربية، هذا النوع الأدبي الصعب والأصيل الذي جمّد التيار الجارف للرواية مسيرته.
كان الكتّاب العرب من مختلف الأجيال يكتبون القصّة قبل الرواية، لو أخذنا مثلاً آخر حرف في الأبجدية العربية فقط، سنجد يوسف إدريس، ويوسف الشاروني، ويعقوب الشاروني، ويحيى حقّي، وآخرين.
لقد تصادف إعلان الفائزين فيها عام 2026 مع إعلان أسماء الفائزين بالجائزة العالمية للرواية العربية، المشهورة باسمها الذائع" بوكر العربية".
ولكنّ الملاحظ أنّ أخبار جائزة الملتقى غطّت على أخبار" بوكر" مع أهمّيتها، وبدا هذا واضحاً للجميع وغير مُستغرَب، ربّما لأنّنا أيضاً نحبّ القصّة، ونحبّ الكويت.
شارك كاتب هذه السطور في أكثر من دورة لهذه الجائزة، وكنت شاهداً على تفاصيل عديدة لا تتعلّق بحفل الختام فقط، وهو الحفل الذي، للأسف، يستحوذ على الأهمّية في الاحتفالات الرسمية العربية، بينما الأكثر أهمّية هي التفاصيل الثقافية المتعلّقة بالجائزة، وتلك الندوات التي يشارك فيها كتّاب كويتيون من مختلف الأجيال.
أيضاً، تلك الجولات السياحية الفنّية بين مسارح ومعارض يحرص فيها مؤسس الجائزة ورئيس مجلس أمنائها، طالب الرفاعي، على أن يُطلع الزائرين على المنجزات الثقافية والفنّية في الكويت.
هناك أيضاً البرامج المُعدَّة لزيارة الجامعات والمكتبات العامّة والخاصّة في الكويت.
وربّما زار إعلاميون عرب كثيرون الكويت انطلاقاً من الجائزة، مثل بعض الأصدقاء في القائمة القصيرة.
سألت قبل أيّام طالب الرفاعي عن مصير جائزة الملتقى للقصّة العربية في الكويت، فأجابني برسالة مفعمة بالحيرة مع شيء من الأمل: " الجائزة في لحظة توقّف حتى حينٍ قد يطول وقد يقصر.
المهمّ أنّ الجائزة بوصفها مشروعاً ثقافياً كويتياً عربياً عالمياً بعيداً تماماً عن طالب الرفاعي".
من الفقرات المهمّة أيضاً في فعّاليات جائزة الملتقى تلك المتعلّقة بالأسماء الأدبية والفكرية الكويتية الراحلة عن دنيانا، إذ تُقام لها ندوةٌ ضمن البرنامج، ويحضرها أقارب الكتّاب الكويتيين الراحلين وأبناؤهم.
ومن خلال هذه الفقرة المهمّة تعرّفنا على أجيال أدبية لم نكن نعرفها.
كما أنّ الملتقى يعيد طباعة كتب هؤلاء، خصوصاً إذا كانت لديهم مساهمات في القصّة القصيرة، كما حدث أخيراً مع فاضل خلف، فدُشّنت فعّاليات متعدّدة في الدورة الختامية تناولته.
ولم نكن لنعرف تفاصيل هذه التجربة العريقة التي أشاد بها عميد الأدب العربي طه حسين لولا جائزة الملتقى للقصّة العربية.
حظيت جائزة الملتقى بإشادات عربية كثيرة، وخُلعت عليها الألقاب مثل لقب" أوسكار القصّة العربية".
وفي عودتها وثباتها واستمرارها، استمرار لدور دولة الكويت الرائدة في الثقافة العربية.
صحبني قبل أيّام في مسقط القاصّ يحيى سلام المنذري، أحد الصاعدين إلى القائمة القصيرة للجائزة في دورة سابقة، حين حضرنا معرضاً للكتب المستعمَلة، ومن ضمن ما اقتنيته كتاب قديم من إصدارات مجلّة العربي.
هذا الكتاب نتاج مسابقة في القصّة القصيرة كانت تنظّمها مجلّة العربي، ولكن الجميل أنّ بعض الكتّاب العرب الراحلين كانوا أعضاءَ في لجان التحكيم، وقد كتبوا مقالات تحليلية للقصص المشاركة في الكتاب، وكان منهم جمال الغيطاني، صاحب رواية" الزيني بركات" التي حُوّلت إلى مسلسل شهير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك