انتهت تجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفتها بعض البلدان العربية خلال ثورات ربيعها العربي إلى الفشل، وأيّاً كانت الأسباب، كانت النتيجة في النهاية مخيّبةً للآمال.
لا يمكن، في هذه التجارب كلّها، أن نعثر على أسباب موحَّدة، وذلك عائد إلى خصوصيات التاريخ السياسي لهذه المجتمعات، فضلاً عن تركيبتها الإثنية والمذهبية، والسياقات الإقليمية، بما فيها مدى تدخّل دول الجوار واستعدادها لدعم التجربة الديمقراطية ذاتها، وطبيعة النُّخب.
إلخ.
وعلى الرغم من الاختلاف الذي يملي أسباب الفشل الخاصّة بكلّ تجربة، نعثر على منوال يكاد يكون متماثلاً.
وقد اشتغل هذا المنوال بشكل يكاد يكون متطابقاً في كلّ من تونس ومصر وليبيا واليمن.
هذا المنوال نفسه يتربّص بالتجربة السورية منذ أشهر، وتزداد احتمالات انتقاله إلى السرعة القصوى قريباً.
تنبئ التفجيرات التي حدثت خلال الأسبوع الفائت، في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق، بأنّ اليد الخفية قد تنتقل إلى السرعة القصوى في تشغيل المنوال.
يقوم هذا المنوال على ثلاثة أسس تقريباً.
أوّلها إطالة أمد الانتقال في الفوضى، وعدم ترك النظام السياسي الناشئ، أيّاً كانت شرعيته أو صلابة القوى السياسية والاجتماعية التي تحتضنه، متفرّغاً لتلبية حاجات الناس.
إطالة فترة الفوضى تُؤتي أُكلها حين تُبدّد حسن النيّة المعقودة على النُّخب الصاعدة، وتسحب" الشيك على بياض" الذي مُنح لها أيّام صعودها.
يدرك النظام خاتمته وهو مكروه، وقد تُخلّي عنه وهو منبوذ.
ربّما تظلّ الحالة المصرية استثناءً؛ لأنّ إطالة عمر النظام الجديد قد تكون لفائدته، لذلك سُرّع كتم أنفاسه ووأده.
ظلّت التجربة التونسية تحتضر لأكثر من عقد.
كانت استراتيجية القوى المناهضة للتجربة تقوم على إنهاكه، و" عدم تركه يستردّ أنفاسه"، على حدّ قول الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، حتّى انتهى منبوذاً، وقد صاحب احتضاره تغذية الطلب الاجتماعي على" إنهاء التجربة" والبحث عن بديل مضادّ لها تماماً.
وفعلاً، عند أوّل انتخابات، صعد الرئيس قيس سعيّد من خارج منظومة الانتقال الديمقراطي، على الرغم من أنّ بعضهم يعدّه أحد أبنائها، فالانتقال ذاته قد منحه فرصة التعبير من خلال التلفزيون الرسمي وغيره، حين أُتيحت حرّية التعبير، ومنحه أيضاً الانتقال الديمقراطي ذاته، الذي أُغلقت قوسُه، حقّ الترشّح والفوز في الانتخابات.
قد تكون سلسلة العمليات الإرهابية التي تُشنّ بين حين وآخر في سورية مجرّد تمرين على أعمال مقبلة أسوأ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك