يقف المعتصمون من الجرحى الفلسطينيين قبالة مجلس الوزراء في رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، أمام مفترق طرق قد يضطرهم، كما يقولون، إلى اتخاذ خطوات تصعيدية صعبة، كالإضراب عن الطعام، بما يعنيه ذلك من خطورة على أوضاعهم الصحية، بالنظر إلى ظروفهم الخاصة المتعلقة بإصاباتهم المختلفة التي تسبب بها الاحتلال على مدار سنوات.
ويقول الجرحى، بعد 62 يوماً من البقاء في الشارع، إن مثل هذه الخطوة، التي يهددون بإعلانها الأسبوع المقبل، إضافة إلى خطوات أخرى، هي اضطرارية، بعد تجاهل تام من المسؤولين الفلسطينيين لملف رواتبهم، التي حُولت إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي" تمكين"، أو قُطعت، في أعقاب مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس في فبراير/شباط 2025، والذي ألغى بموجبه نظام دفع المخصصات المالية لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى، ونقل برنامج المساعدات النقدية وقاعدة بياناته ومخصصاته المالية المحلية والدولية من وزارة التنمية الاجتماعية إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي.
وخلال الوقفة، التي باتت أسبوعية، حيث يغلق المعتصمون الشارع الرئيسي أمام مجلس الوزراء لأقل من ساعة عادة، ويتحول السير إلى طرق أخرى، كان يجلس رأفت عبيات (50 عاماً) على كرسيه المتحرك.
وأصيب عبيات عام 2002، خلال حصار كنيسة المهد، ونتج عن الإصابة شلل نصفي، جعله لا يتحرك من دون كرسيه المتحرك.
ويقول لـ" العربي الجديد" إنه معتصم أمام مجلس الوزراء منذ 62 يوماً، وقد توقف صرف راتبه الشهري منذ نحو 11 شهراً، وأصبح يتلقى دفعة مالية لا تتجاوز 1400 شيكل (العملة الإسرائيلية) كل ستة أشهر.
ويتساءل عبيات كيف يتحول ملف المناضلين، بعد كل تلك التضحيات، إلى حالات اجتماعية، مؤكداً أن الشيء الوحيد المقبول هو إعادة الاعتبار لهم بوصفهم حالات نضالية.
ويطالب عبيات الرئيس محمود عباس بسحب المرسوم الذي أصدره، موجهاً رسالة له بالقول: " ليس خطأً أن يتراجع الرئيس عن هذا القرار، حتى لو كانت هناك ضغوط أوروبية علي، ونحن نقدر وجود ضغوط، ولكن يا سيادة الرئيس نحن تحت احتلال، وحتى لو تنازلنا عن أهم حقوق الشعب الفلسطيني، ستظل هذه الضغوط قائمة، وسيلاحقوننا وسيطالبوننا بتنازلات أكثر".
ويؤكد عبيات أنه مستمر، مع العشرات من زملائه، في الاعتصام في الشارع كما هو الحال منذ 62 يوماً، مع التوجه إلى خطوات تصعيدية قد تشمل إضراب عدد من المعتصمين عن الطعام.
وحول ماهية التصعيد، يؤكد الناطق باسم المعتصمين، الأسير المحرر ناصر زيد، لـ" العربي الجديد"، أن الإضراب عن الطعام قد يكون الخطوة الأولى الأسبوع المقبل، لكنه قال في المقابل: " إن المعتصمين يأملون ألا يضطروا إلى مثل هذه الخطوة".
ويضيف زيد: " لم نلقَ تجاوباً من القيادة ومن المسؤولين عن ملفنا، ولذا ندرس إعلان الإضراب، وليتحمل كل طرف مسؤوليته، لأنه لا يعقل أننا، كأهالي شهداء وجرحى، لم نتلقَّ رواتبنا منذ عشرة أشهر، والأسوأ أنهم يريدون أن يفرضوا علينا تصنيف حالات اجتماعية، ونحن لن نقبل بذلك، فنحن حالات نضالية".
وعلم" العربي الجديد" أن خطوة الإضراب كانت مقررة، اليوم الاثنين، لكن جرى تأجيلها لإعطاء فرصة أخرى لإيجاد حلول، رغم وصول المفاوضات سابقاً إلى طريق مسدود، وبالإضافة إلى هذه الخطوة يهدد المعتصمون بالتحرك ضد الانتخابات التشريعية التي أعلن الرئيس محمود عباس موعدها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ويؤكد زيد أن المعتصمين ستكون لهم خطوات ضد الانتخابات التشريعية في حال عدم إيجاد حلول لرواتب ذوي الشهداء والجرحى والأسرى، معللاً ذلك بالقول: " إن تلك المجالس والمؤسسات والوزارات بُنيت بدماء هؤلاء الناس الذين قُطعت رواتبهم".
ويشير ناصر زيد إلى انتمائه لحركة فتح، ولذلك يوجه رسائله أيضاً إلى قيادة وكوادر الحركة، متسائلاً أين هم من هذا الملف.
وقال زيد: " نتمنى بصدق من إخواننا أعضاء اللجنة المركزية، وإخوتنا في المجلس الثوري، أن يكونوا على قدر المسؤولية.
لا نريد منهم تضامناً، بل نريد منهم إيجاد حل لهذا الملف".
وكانت العديد من المبادرات قد فشلت في إيجاد حلول لملف المعتصمين ورواتب ذوي الشهداء والجرحى والأسرى، خصوصاً تلك التي سبقت عيد الأضحى المبارك في مايو/أيار الماضي.
وبحسب المعتصمين، عُرض عليهم صرف دفعة للجميع بقيمة تقارب 1500 شيكل، على أن يُفتح حوار للوصول إلى حلول جذرية، وعلى هذا الأساس عُلّق الاعتصام أمام مجلس الوزراء قبل العيد، لكن مع بدء عطلة العيد من دون صرف ذلك المبلغ، عاد المعتصمون إلى الشارع، وقضوا أيام العيد هناك، وظلوا معتصمين حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك