العربية نت - حَكَمة تكشف حقيقة "فار"جنتين العربية نت - فيديو.. ولي عهد النرويج يقود "تجديف" اللاعبين أمام القصر الملكي وكالة شينخوا الصينية - الحكومة المصرية تؤكد أن مصنع "إيليت سولار" نموذج رائد للاستثمارات الصناعية المتقدمة العربية نت - "كاحل" مبابي يغيبه عن جزء من تدريبات فرنسا قبل قمة إسبانيا الجزيرة نت - الستة الأكثر حظا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028 وكالة شينخوا الصينية - الصين وروسيا تختتمان مناورات بحرية مشتركة العربي الجديد - العودة إلى قانا... لبنانيون يتحدون الخوف والدمار بالبقاء والترميم العربي الجديد - تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود قناة العالم الإيرانية - روسيا تتوعد أوكرانيا بضربات أقوى وتحذر من تحالف باريس قناة التليفزيون العربي - حكم غيابي في السودان بإعدام قائد قوات الدعم السريع و15 آخرين في واقعة مقتل والي غرب دارفور
عامة

بعث تثمين المحروقات: حتمية حيوية أم انتفاضة ضد توافق تواطئي؟

الشروق أونلاين
الشروق أونلاين منذ 4 ساعات
3

كنا، دوما، نعلم في جامعاتنا، التوجيه المرجعي الأصيل لتثمين موادنا الأولية عندنا في بلادنا، وتصدير المنتجات المصنعة النهائية ذات القيمة المضافة العالية و محتوى العمل القوي وكذا المحتوى الوافر من العملا...

كنا، دوما، نعلم في جامعاتنا، التوجيه المرجعي الأصيل لتثمين موادنا الأولية عندنا في بلادنا، وتصدير المنتجات المصنعة النهائية ذات القيمة المضافة العالية و محتوى العمل القوي وكذا المحتوى الوافر من العملات الصعبة الأجنبية عند التصدير.

ونذكر، بهذا الصدد، بأن ميثاقنا الوطني لسنة 1976، كان يرفع هذا الشعار، عاليا، من بين الشعارات التوجيهية لهذه العقيدة.

فهو مكرس على أشده من بين التوجهات الاقتصادية التي كان التخطيط الجزائري قد ترجمها في المخطط الثلاثي التمهيدي للفترة 1967 -1969.

كان هذا مكرسا في إعلان المبادئ، أما في الواقع:أ – فما هي المآلات المجسدة منذ عهد التخطيط الإجباري (1970-1977)، ومنذ عهد ” التصرف حسب الظروف”(1979-1999)، ومنذ عهد التخطيط الإسترشادي(2000-2019)، وأخيرا، منذ اللجوء، ابتداء من سنة 2000، إلى التخطيط الإجباري (في القطاع العام) والتخطيط الاسترشادي في القطاع الخاص الوطتي والقطاع الأجنبي اللذين ترعاهما الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمارات والمنظمة الوطنية الكبرى ”التجديد الاقتصادي الجزائري، المنشأتان كلاهما قي سنة 2022.

ب – ولماذا اتخذ رئيس الجمهورية، خلال مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 17 ماي 2026، قراراته الصارمةبغرض تثمين أكبر للمحروقات، وبالخصوص في ميدان الصناعات الكمياوية، وحصرا في ميدان إنتاج المواد الأولى اللدائنية (البلاستيكية) الخام أو ما يسمى بالكريات البلاستيكية الصناعية حيث لا تزال الجزائر، أسفا، تلجأ، كلية، إلى الواردات، إلا ما ندر؟سأكتفي، في هذه المساهمة، بمحاولة معالجة هذه النقطة الأخيرة (ب) لأنها تشكل، في الراهن، إحدى الانشغالات الكبرى في مسار تحقيق الهدف الاستراتيجي الطموح للاندماج الصناعي ولاقتصادي، اليوم في الجزائر، من خلال بذل مجهود عنيد لاستدراك الرؤية التصنيعية للبلاد لسنوات 1970-1978 والتي، تحصرا، كانت قد أجهضت، لكن، بعزيمة أقوى، هذه المرة، من أجل انفتاح أوسع على الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي، تفعيلا جريئا للتشريع الصادر سنة 2022.

وللتذكير، فإذا كانت صناعة الأسمدة الهامة الأولى ( الأسمدة الآزوتية والفوسفاتية) التي أنجزتها الجزائر أصلا، تعود إلى نهاية سنوات 1960 وبداية سنوات 1970 مع تجميع في سنة 1984 في المؤسسة العمومية (فرتيال كفرع للمجمع العمومي أسميدال)، فقد تم، بالتوازي، تشييد أول مركب بتروكمياوي (CP1/K) في سكيكدة في سنوات 1976 /1978 بغرض إنتاج ”الإيتيلين والبولييتيلين” من الكثافة العالية و”بوليكلوريد الفينيل” (المادة البلاستيكية الصناعية متعددة الاستخدامات والأكثر شيوعا في البناء)، … وغيرها.

وكلها مواد أولية خام لأنتاج الكريات البلاستيكية الصناعية التي تفتقر إايها الجزائر.

لكن طاقات هذا المركب الكمياوي الذي دشنه الرئيس هواري بومدين في 24 فبراير1978، قد تم تحديدها، آنذاك، على قياس حاجيات متواضعة لصناعة وطنية كانت لا تزال جنينية في بداية سنوات 1970.

لكن، بعد توالي العقود، أصبح هذا المركب، بنيويا، هامشي القيمة هزيل العطاء، بالنظر إلى الواقع الجديد اليوم: فرق كبير في الحجم وفي التكنولوجيا في مقابل انفجار الطلب على الصناعة اللدائنية (البلاستيكية) العصرية وفي حاجيات الجزائر لمختلف مخرجات هذه الصناعة.

فالتقادم التقني واهتراء تجهيزات الإنتاج في هذا المركب الكمياوي لم تمنع، بالفعل، من مآل حتمية الاهتراء بفعل الأعطاب الجسيمة، إلى جانب استحالة موضوعية للتجديد التكنولوجي العميق للمركب مع رفع طاقاته في نفس الوقت، بغرض تلبية حاجيات السوق الجزائرية سريعة التوسع.

فالمخطط ”التوجيهي 1976-2005” لتثمين المحروقات الذي تم تحضيره مع الشركة الأمريكية ”بيكتيل-Bechtell” في سنة 1976 رغم التضاربات بشأن اعتماده رسميا من عدمه (علما أن إجراءات اتخاذ القرارات، آنذاك، كانت تختلف جذريا عن تلك التي ستتلوها لاحقا)، ورغم التضاربات بشأن الاستغناء عن هذا المخطط من عدمه، بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في نهاية سنة 1978، فقد شكل ( المخطط) بالنسبة لشركة ”سوناتراك” وللجزائر بطبيعة الحال، الاستراتيجية التاريخية لتحويل المواد الأولى من المحروقات إلى محرك قوي للتنمية الصناعية للبلاد.

وكدليل على الطابع الرسمي لهذا المخطط، فقد سن قانون يكرس توجهاته في سنة 1986، تعاطيا إيجابيا مع الانهيار الذي ضرب الاقتصاد الجزائري.

وهو ما أكدته التعديلات المتدرجة العميقة التي أدخلت عليه، حتى خارج مدة سيران مفعوله (2005)، تساوقا مع تطور الأسواق العالمية.

وكان ذلك بموجب قانون المحروقات 91-21 المؤرخ في 4 دسمبر 1991 المعدل والمتمم للقانون 86-14 المؤرخ في 19 أوت 1986 (إفادة أن كاتب هذه المساهمة كان، حينها، رئيسا للجنة الاقتصادية للبرلمان الجزائري الذي صادق على هذا القانون بعد تجاذبات سياسة وسياسوية كبيرة)، والقانون 05–07 المؤرخ في 28 أفريل 2005 المتعلق بالمحروقات، وكذا القانون 19-13 المؤرخ في 11 دسمبر 2019 الذي ينظم نشاطات المحروقات.

فهذا المسار يشكل الدليل القطعي على الطابع الرسمي لمخطط تثمين المحروقات لسنة 1976، فصلا قطعيا في التضاربات المخنلف بشأنه.

وبالفعل، فإذا كان قانون 1991 قد كرس احتكار ”سوناتراك” على القطاع، مع السماح للشركات الأجنبية بالتدخل بصفة أوسع في الاستغلال والإنتاج من خلال عقود شراكة مع إدخال آليات تحكيم دولي بين سوناتراك والمستثمرين الأجانب، فإن قانون 2005 قد ألغى الاحتكار التاريخي لسوناتراك على نشاطات البحث والإنتاج، وحرر السوق بمنح استغلال المناجم عبر مناقصات مفتوحة للشركات العالمية، وفصل بين دور الضبط ودور التسويق وذلك بإنشاء سلطتين للضبط متخصصتين حسب كل مجال من هذين المجالين.

أما قانون 2019، حتى خارج مدى صلاحية مخطط تثمين المحروقات، فيندرج ضمن استمرارية ديناميكية رسمية للتكيف مع المنافسة العالمية.

فقد عصرن(هذا القانون) في العمق، قطاع الطاقة الجزائري بغرض استقطاب الاستثمارات الأجنبية، مع تقوية دور سوناتراك من خلال ثلاثة محاور كبرى: تنويع الإطار التعاقدي، والتحفيز الجبائي، والحكامة والمحيط.

وهو ما نشهد مفعوله اليوم، من تهافت على التشارك مع الجزائر في قطاع المحروقات الذي يهمنا، حصرا، في هذه المساهمة.

يترجم هذا التطور التشريعي، في تناسق مع ذهنية مخطط تثمين المحروقات وخارج كل اعتبار آخر، التشبث الصارم للجزائر باستمرارية تشييدها نحو شموخ أعلى، يستقي منبعه من مخطط تثمين المحروقات المعتمد في سنة 1976، وخصوصا فيما يتعلق بالمحاور الكبرى المتجددة لسياستها الشاملة في ميدان المحروقات،وهكذا، عموما وبالرغم من كل التحفظات الافتراضية، فإن مخطط تثمين المحروقات قد شكل نجاحا استراتيجيا كبيرا، من خلال نسج شبكة تمتد عبر التراب الوطني، من مصانع الغاز والمصافي البترولية العملاقة وحفر آبار البترول ووضع قنوات لنقل الغاز والبترول، تغطية للسوق الداخلية، … وغيرها.

وتذكيرا بالأهداف الكبرى للمخطط، يمكن تلخيصها في الركائز التالية:– تثمين واسترجاع الغاز الطبيعي، وبالخصوص في ”حاسي الرمل” مع رفع مستوى استرجاع الغازات الممزوجة مع البترول بقصد إعادة الضخ وإنتاج غاز البترول المسال والمكثفات.

– ”الاستبدال” وذلك بتعويض صادرات تقتصر على البترول الخام، بمنتجات نهائية عالية القيمة المضافة،– تلبية حاجيات السوق الداخلية من المنتجات المكررة (البتروكيمياء، الأسمدة، المواد الأولية البلاستيكية)،– استعمال الريوع الطاقوية لتمويل تشييد قاعدة صناعية واسعة ومندمجة، في صالح الاقتصاد الوطني،فحصيلة تطبيق مخطط تثمين المحروقات، وإلى غاية تاريخ قريب والذي سنربطه لاحقا، أسفله، بالقرارات التي اتخذها مجلس الوزراء بتاريخ 17 ماي 2026، (فالحصيلة) تسائلنا، بكثير من الإلحاح، حسب المحاور التالية:أ – النجاح الصناعي والصادراتلقد مكن مخطط تثمين المحروقات من رفع الجزائر إلى مرتبة عملاق غازي في العالم.

وقاد إلى تشييد مركب ‘’GL 1Z’’ العملاق لتسييل الغاز في أرزيو-وهران، وإلى توسيع منجم ”حاسي الرمل، ” وإلى إقامة أنبوبين استراتيجيين لنقل الغاز عبر البحر الأبيض المتوسط نحو إيطاليا ونحو إسبانيا،ب – تنمية المخرجات الصناعيةفالمصافي والمركبات البتروكيماوية قد مكنت من تلبية جزء هام من الحاجيات المحلية (في الجزائر) من البنزين والمشتقات،ج – المحدوديات على المدى البعيدالهدف الأول من تحويل كمية كبيرة من الموارد الأولية، محليا، إلى منتجات نهائية عند انتهاء مدة حياة مخطط تثمين المحروقات (2005)، لم يتحقق حتى خارج هذا الأجل.

ولن يتحقق، أيضا، حتى مع انتهاء العشرية 2010 (أي حتى، كذلك، في 2019).

والتحجج كان، منذ سنة 1979 وإلى غاية وقت قريب، يتشبث بتراجع أسعار البترول أو بأزمة أسواق البترول، لمحاولة تبرير الإبقاء على جزء كبير من صادرات البترول والغاز على شكلهما الخام، عوض التصدير على شكل منتجات بتروكيماوية بليغة التحويل، كما نص على ذلك مخطط تثمين المحروقات.

وتحتمي هذه المحاولة التبريرية خلف التكلفة العالية للاستثمارات الصناعية في الصناعات الكيماوية، وخلف الآجال الطويلة التي يتطلبها المسار الصناعي للإنتاج، وخلف الافتقار إلى التكنولوجيا العالية وإلى الكفاءات في التسويق في الأسواق العالمية، وخلف الحاجة إلى عديد الموارد البشرية المتمرسة في كل المستويات.

وهو ما لم يكن يسمح للجزائر، حسب هذه التحججات الواهية، بتصدير منتجات نهائية، مقارنة بسهولة تصدير الغاز والبترول في شكلهما الخام لملاقاة النفقات الموازناتية الملحة لتسيير البلاد.

فيبطل، بالتالي، السبب المتحجج به أصلا، والمتمثل في التقلبات السلبية لأسعار البترول.

ولا تثبت، سياقا، بصفة مكتملة، الحجية ذات الصلة.

ويمكن التدليل على ذلك، بعدم الاتساقات التالية التي تعتري هذا المنطق الذي تدعي قدرته االإقناعية:– فأسعار ابترول قد ارتفعت من 2,34 إلى11,65 دولار للبرميل من نهاية سنة 1972 إلى بداية سنة 1974، وذلك تحت مفعول طفرة أسعار البترول الأول.

وأمام مجهود التنمية الصناعية التاريخي لجزائر سنوات 1970-1978، وأمام الأحقاد الدفينة لمستعمر الأمس المهزوم والتي كانت، آنذاك، لا تزال في قمة توهجها، تغديها، على الخصوص، تأميمات الثروات الوطنية ومنها الثروات المعدنية ( في 1966) والمحروقات ( في 1971 )، كانت الجزائر مكرهة على اللجوء، في مستوى 50 % من حاجياتها التمويلية، إلى استدانات خارجية قصيرة ومتوسطة الأجل في تناقض صارخ مع كل ”أورتودوكسية” مالية معقولة توصي بحتمية التوفيق بين آجال اهتلاك الاستثمارات وآجال القروض الممولة لها.

إلا أن وضع الجزائر الاقتصادي، آنذاك، والذي كان يعقده نوع من المقاطعة الاقتصادية بتحريض من المسستعمر القديم، لا سيما بعد التأميمات السابقة الذكر، قد فرض، وبالتوازي نسبيا، التضحية ”اللاشعبوية” بالاستهلاك، خلال الفترة 1970-1978، في مقاربة مقبولة، باقتناع شعبي لكن على مضض، والتي كانت، مؤقتا، تستسيغ تفضل الإنتاج المحلي رغم قلته، على الاستهلاك المستورد.

وهكذا، فالمنطق الذي يكون قد اعتمد منذ 1979 لتبرير اتهام نموذج الرئيس بومدين التنموي ومن ذلك اتهام مخطط تثمين المحروقات، يفقد أية مصداقية.

وخلال الطفرة البترولية الثانية بين 1979 و 1985، فرغم ارتفاع سعر البترول إلى غاية 42 دولارا للبرميل، فقد تم، عكس الفترة السابقة رغم الخصاص الذي عرفته، قد تم تفضيل الاستهلاك المفرط للسلع المستوردة بكثافة، في تجاوز مفضوح للعادات الاستهلاكية الجزائرية وتجاوزا صارخا للحاجيات الاجتماعية المعقولة لأغلب الجزائريين، آنذاك، وذلك على حساب الاستثمارات إلى حد انهيار الاقتصاد الوطني من سنة 1986 إلى بداية عشرية 2000 على وجه الخصوص.

وهو ما يكذب، هنا أيضا، منطق التحجج بتدهور أسواق البترول لتبرير التحفظات على مخطط تثمين المحروقات وعلى نموذج التصنيع الكثيف الذي اختارته الجزائر خلال سنوات 1970-1978.

أما الطفرة الثالثة لأسعار البترول التي عرفت ارتفاعا بطيئا في بدايتها، ثم متسارعا من بدا ية سنوات 2000 إلى غاية منتصف جوان 2014، فقد عرفت أسعار البترول، خلالها، استقرارا حول مستوى متوسط يدور حول 100 دولار للبرميل، مع بلوغه قمة منعزلة غير مرجعية في مستوى 147 دولارا، لكن، أيضا، مع انهيارات للسعر نزل فيها إلى مستوى 37 دولارا للبرميل بين أواخر سنة 2007 وبداية سنة 2009، تحت مفعول أزمة البنوك الأمريكية الشهيرة.

وهنا، أيضا، قد توسع استهلاك السلع المستوردة على حساب الاستثمارات، رغم اعتماد مخططين خصوصين للتنمية.

اعتمد أحدهما في جويلية 2000 تحت تسميته بالمخطط الوطني للتنمية الفلاحية.

واعتمد الثاني في سنة 2004 تحت تسمية ”المخطط الصناعي الاستدراكي 2004-2015” بتقديمه كمخطط يرمي إلى استكمال النسيج الصناعي العمومي الثقيل مع تحديد أهداف دقيقة له، لا سيما في نسبة التنمية الاقتصادية وفي استحداث مناصب للشغل.

لكن، تم أيضا، بتضمينه مشاريع خصخصة ثقيلة تتساوق مع الخطاب السياسي السائد في رئاسيات 1999.

وفي نهاية الآجال، فإن الاستثمارات المبرمجة لن تتحقق إلا جزئيا، مكتفية بتجسيد مراحلها الأولى، بعيدا عن الأهداف التي كانت قد حددت لها.

وهذا على خلاف أهداف الخصخصة التي، هي، عرفت تسارعا انضاف إلى خصخصة المؤسات العمومية المحلية لسنوات التسعينات (1990).

لكن هذا المد السريع قد تم توقيفه ابتداء من سنة 2020، وتم التراجع عنه واسترجاع العديد من الوحدات الصناعية والاستثمارات الجارية، لفائدة القطاع العام الوطني.

وهنا، أيضا (بين 2000 و 2014 أو خلال الطفرة البترولية الثالثة)، فإن منطق صعوبات السوق البترولية لا يصمد لتبرير الإفراط في الاستهلاك المستورد والتضحية بالقطاع العام وبالروح الاستثمارية.

لكن مخطط تثمين المحروقات، في مقابل حسناته وإلى غاية تاريخ قريب وهو ما سنعود إليه أسفله، قد كرس، خلال مدة تطبيقه، تبعية الاقتصاد الجزائري إلى البترول والغاز (بترلة وتغييز الاقتصاد الوطني)، رابطا بالتالي وإلى تاريخ قريب كذلك، مداخيل البلاد ربطا وثيقا بتقلبات أسواق البترول العالمية.

كما لم تسمح نواقص تطبيق هذا المخطط، في مجال الصناعات البتروكيماوية، بتغطية حاجيات الجزائر من الكريات البلاستيكية (اللدائنية) الصناعية، رغم مرور ما يناهز ال 50 سنة عن اعتماده ”كمخطط توجيهي لتثمين المحروقات.

”فذهنية المخطط، حتى بعد انتهاء آجاله التعاقدية في سنة 2005، قد استمرت، بالرغم من النتائج المتضارب بشأنها أحيانا، كمصدر استلهام متطورة قابلة للتحسين لدى أصحاب القرار المعنيين في الجزائر، على طريق تجسيد العزم على تدارك الفجوات الكبرى في ميدان التنويع والاندماج والاستقلالية عن الأجنبي وبعث البحث والتنقيب والاستغلال والتصنيع، عبر التشارك مع المستثمر الأجنبي، بخصوص ثروات البلاد.

وهذا بالرغم من تقلبات المقاربات، العميقة جدا، في بعض الأحيان، زمانيا ومكانيا.

وعلى سبيل الإيضاح، بخصوص هذه الإشكالية المتعددة الأوجه، فإن الاستثمارات في فرع البتروكمياويات لإنتاج الكريات البلاستيكية الصناعية، قد غابت خلال كامل الفترة الطويلة الممتدة من دخول أول مركب بتروكيماوي مرحلة الإنتاج في سكيكدة CP1/K)) عام 1978، إلى غاية بداية سنوات 2020.

فلم يسجل، بالفعل، أي استثمار خلال كل هذه المدة، بغرض التكفل بهذه الفجوة الكمية والتكنولوجية بمفهوم التساوي بين الطلب والعرض في السوق الجزائرية لمادة الإيتيلين والبولييتيلين والبروبيلين والبوليبروبيلين وفي البوليمير التي تدخل، كلها، في انتاج تشكيلة المنتجات البلاستيكية (اللدائنية) الصناعية، من أضعف مقاومة إلى أعلاها، مثل الأواني المنزلية ومختلف أصناف التغليف وممتص الصدمات عند السيارات ولوحات قيادة السيارات والتلبيس الداخلي للسيارات، وكذا مختلف قنوات نقل السوائل والغازات المختلفة الاستعمالات، مثل قنوات نقل البترول والغاز والماء بكل مقاييسها.

ودعما بلغ الوصف، فالمركب البتروكيماوي التاريخي لمدينة سكيكة (CP1/k) المشار إليه سابقا، بالإضافة إلى المعيقات السابقة الذكر، لا ينتج المواد الأولية الألح حاجة إليها اليوم في الجزائر بغرض إنتاج التغليف وخدمة صناعة السيارات عالية الطموح، وصناعة العتاد الإلكترو-منزلي المزدهرة حاليا، والتي تعرف، مجتمعة، تقدما استثنائيا يستدعي، في غياب صناعة بلاستيكية في مستوى النهضةالصناعية الواعدة، واردات من الكريات البلاستيكية الصناعية في مستوى طموح الجزائر الصناعي والاقتصادي الذي يتطلب مجهودا ماليا استثنائيا.

وللتذكير، نستحضر الوعد الذي كان قد قطع في دسمبر 2008 بمناسبة إطلاق أشغال إنجاز المركب البتروكيماوي لإنتاج النشادر (الأمونيا) واليوريا في أرزيو-وهران، الوعد بإنجاز مركب بتروكيماوي آخر بنفس المقاييس في سكيكدة لكن دون تحديد تخصصاته، حسب ما نقله أعضاء من الوفد الرئاسي الذي كان، آنذاك، في زيارة أرزيو ومنهم كاتب هذه المساهمة.

ولم يتم، في نهاية الأمر، تدارك هذه الفجوة الكبيرة المعيقة، إلا مع بداية العشرية الحالية (2020) ببرمجة ثلاثة مركبات بتروكيماوية من أعلاها استراتيجية: اثنان في سكيكدة وواحد في أرزيو.

وهي تدخل، منطقيا، في إطار المجهود الاستثماري الاستراتيجي الضخم لشركة سوناتراك بحجم 60 مليار دولار لآفاق 2030 والذي نال، إلى اليوم، قدرا مهما من الإشهار النفيد.

ويراد من هذه المشاريع تغطية كلية للعجز الذي لا زالت تغطيه الجزائر، في الوقت الحالي، باللجوء، مكرهة، إلى الواردات بفاتورة ثقيلة تبلغ حوالي ثلاثة (3) ملايير دولار سنويا.

فبالنسبة لمشروعي سكيكدة، فأحدهما يوجه لإنتاج المواد المنظفة والذي توجد أشغال إنجازه، اليوم، في مرحلة متقدمة.

وبرمج موعد استلامه لمرحلة الإنتاج خلال السنة المقبلة (2027).

أما المشروع البتروكيماوي الثاني (لسكيكدة) فهو موجه، كذلك، لإنتاج البولييتيلين بغرض إنتاج مواد أولية بلاستيكية.

لكن هذا المشروع لا يزال في مرحلة دراسات الجدوى بموجب اتفاق تفاهم تم إبرامه في يناير 2023 مع العملاق الصيني (CC7)، بغرض إنجاز مفكاك مختلط )مصنع مؤهل لتفكيك الاجسام السائلة والبخارية على حد سواء(.

وحددت طاقاته لإنتاج 850000 طن سنويا من العائلة الكبيرة الأخرى للكريات البلاستيكية الصناعية التي لا تزال، كلها، هي أيضا، إلى اليوم، تستورد من الخارج.

ويستوجب هذا المشروع تجاوزا مستعجلا لوضعية ”مشروع تحت دراسة الجدوى” الموجود عليها اليوم تعاقديا.

وذلك بهدف الإسراع في الإغلاق النهائي لباب استيراد المواد الأولية الخام الضرورية للصناعة البلاستيكية الوطنية الواعدة.

أما بخصوص مشروع المركب البتروكيماوي لأرزيو، فقد انطلقت أشغال إنجازه، كمركب كيماوي ضخم، ابتداء من شهر سبتمبر 2024، بآجال استلام مقدرة، كذلك، في سنة 2027.

وسينتج البوليبروبيلين.

ويتعلق الأمر بمشروع تابع لفرع سوناتراك (STEP Polymers)، بطاقة انتاجية تبلغ سنويا 550000 طن من البوليبروبيلين.

وسيغطي كل الحاجيات الوطنية من كريات البوليبروبيلين بمختلف درجاتها.

وسينتج، كذلك، البروبيلين بكميات ستغطي كل احتياجات صناعة البلاستيك المبرمجة من قبل الجزائر، مما يمكن من جعل حد لوارداتها من المواد الأولية الخام الضرورية لصناعتها البلاستيكية الجاري بناؤها حاليا اعتمادا، انتقاليا، على المواد الأولية المستوردة.

وهذا ما سيسمح بإنتاج كل حاجياتها من التغليف، ومكونات صناعة السيارات، والأواني المنزلية، مع الطموح، في الآفاق المتوسطة، إلى تصدير الفائض المنتظر.

ولن يلبث، في هذا السياق، ال 675 مشروع استثمار خاص وطني تعتمد على مواد أولية بلاستيكية مسترجعة من داخل البلاد والتي تعمل على ترقيتها الوكالة الجزائؤية لترقية الاستثمارات، لن تلبث، آجلا، قطاعيا وبصفة شاملة، أن تحدث الآثار الإيجابية على ميزان الواردات الجزائرية.

وقد بدأت، عشرة مشاريع منها، تؤتي أكلها بإظهارها أولى المؤشرات الإيجابية الملموسة، ولو متواضعة كانت، مساهمة في تجسيد الهدف العام لترقية الصناعة البلاستيكية الوطنية التي هي، اليوم، قيد البناء، وإلى تقليص فاتورة الاستيراد الإجمالية كهجف استراتيجي.

وتكون، هكذا، هذه الاستثمارات في القطاع الخاص، قد قدمت خدمات جليلة، في العمق، لهدف الجزائر الساعي، دوما، إلى تقليص فاتورة الواردات عبر ”تصفير” فاتورة استيراد المواد الأولية البلاستيكية الخام ونصف المصنعة، ”تصفيرا” نسبيا بآثار ولو مهملة آنيا، على ميزان المدفوعات.

وهو من الأهداف الاستراتيجية الأسمى التي تسعى الجزائر، بلا هوادة، إلى تحقيقها منذ 2020، على وجه الخصوص.

وهو، أيضا، الإقرار بصوابه من قبل المؤسسات المالية الدولية، على غرار آخر تقرير لصندوق النقد الدولي الصادر بتاريخ 6 جويلية 2026 والذي سأعود إلى تناوله في قراءة تتجاوز ”التلخيصية” التي جاء عليها البيان المقتضب المنشور للصندوق، المتداول واسعا، على وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تستنبط منها قراءات مشوهة، تضلل القارئ العفوي النزيه المؤمن بمستقبل الجزائر الواعد.

تأتي هذه المنجزات ضمن الهدف الاستراتيجي لتثمين أوسع للمحروقات التي صدرت في حقه أوامر مجلس الوزاء المنعقد بتاريخ 17 ماي 2026، وفي امتداد النهاية الفعلية لاستيراد البنزين المكرر وكيروزين الطائرات والمازوت، تباعا منذ عام 2022 ويناير 2026، مع تسجيل الشروع في تصدير أولى الفوائض من هذه المنتجات.

فكل الآمال تبقى، موضوعيا، مفتوحة على استقلالية أكبر للجزائر تجاه التأثيرات الأجنبية عبر التبعية لاستيرادات استراتيجية، إلا تحت شروط الندية وتوازن المصالح المتبادلة.

وبهذا، يكون العنوان الذي اخترته لهذه المساهمة، قد توفرت لديه كل الصفات للتوفيق التكاملي بين اختيارات الرد المطروحة فيه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك