عمان - لم يعد الناقل الوطني مشروعا على الورق، فقد اكتمل إغلاقه المالي، وانطلقت أعمال الإنشاء هذا العام، ليبدأ بحلول عام 2030 ضخ نحو 300 مليون م³ سنويا من المياه المحلاة من العقبة إلى عمّان.
اضافة اعلانومع أنه أكبر مشروع مائي في تاريخ المملكة، ويستحق ما يلقاه من احتفاء، فإن هذا الاحتفاء يحجب سؤالا لا يطرحه أحد في النقاش العام: ماذا سيحدث لحصة الزراعة من المياه حين يتوفر للمدن بديل مُحلّى؟يقول خبير الأمن الغذائي د.
فاضل الزعبي: " لنضع السؤال في سياقه الرقمي؛ حصة الفرد الأردني من المياه المتجددة تدور حول 60 م³ في السنة، أي نحو ثُمن عتبة الفقر المائي المطلق.
ومع ذلك، تستهلك الزراعة أكثر من نصف الموارد المائية المتاحة دون أن تؤمّن السلة الغذائية الوطنية، وجزء كبير من هذه الحصة مياه جوفية عذبة تُستنزف بما يقارب ضعف معدل تغذيتها الطبيعية".
وتابع: " كان الدفاع عن هذه الحصة ممكنا ما دامت المدن نفسها عطشى ولا بديل أمامها، أما بعد عام 2030 فتنقلب المعادلة: كل متر مكعب عذب تستهلكه مزرعة سيُقاس بثمن المتر المحلّى الذي يمكن أن يحل محله في التزويد المنزلي.
عندها سيشتد الضغط لإعادة توزيع المياه العذبة بعيدا عن الزراعة، والسؤال الحقيقي ليس: هل سيحدث ذلك؟ بل: هل سيجري بالتفاوض أم بالفرض؟ "وأضاف: " إن المنطق الاقتصادي للمقايضة واضح؛ فزيادة التزويد الحضري تعني زيادة المياه العادمة.
ومحطة الخربة السمرا تعالج اليوم نحو 130 مليون م³ سنويا تصب في سد الملك طلال لتروي الأغوار، وبعد تشغيل الناقل سترتفع هذه الكميات بما قد يتجاوز 100 مليون م³ إضافية".
وزاد: " أثبتت تجربة مزارعي الأغوار مع المياه المعالجة الممزوجة منذ عقود أن هذا الخيار ممكن زراعيا إذا ضُبطت النوعية وضُمنت الموثوقية.
إذن، نظريا، تستطيع الزراعة أن تتنازل عن مياهها العذبة مقابل حصة أكبر وموثوقة من المياه المعالجة، فيكسب الجميع: المدن تشرب، والمزارع يروي، والخزان الجوفي يلتقط أنفاسه".
وتابع: " لكن ذلك يصطدم بحقيقتين لا يجوز القفز عنهما.
الأولى جغرافية؛ فالمياه المعالجة تنساب بالجاذبية نحو الغور، بينما يقع الاستنزاف الجوفي الأشد في زراعات المرتفعات في الأزرق والمفرق والضليل، التي لا يمكن إيصال مياه السمرا إليها إلا بضخ عكسي باهظ الكلفة.
فخطاب" المقايضة" يخفي أن المستهدف الفعلي هو إغلاق آبار المرتفعات دون بديل حقيقي لأصحابها، وهذا يجب أن يُقال بصراحة ويُعالج بأدوات تعويض لا بالإنكار".
" والثانية قانونية؛ فحقوق المزارعين المائية ليست حقوق ملكية، بل رخص إدارية قابلة للإلغاء، ولا يوجد في التشريع الأردني آلية تعويض عن سحب حق مائي، ولا إطار تسعيري يجسر الهوّة بين كلفة المتر المحلّى المنقول -وهي كلفة مرتفعة تتحكم فيها أسعار الطاقة أساسا- وتعرفة الري التي ما تزال تُحسب بالفلسات".
وبيّن أن غياب هذين الإطارين يعني أن أي إعادة توزيع ستجري في فراغ قانوني، وأن المزارع سيقف أمامها بلا حماية ولا ثمن عادل لما يتخلى عنه.
وتابع: " يُضاف إلى ذلك ملف النوعية؛ فملوحة المياه المعالجة ومحدداتها الصحية تقيدان الخيارات المحصولية، وقد تمسان القبول التصديري لمنتجاتنا في أسواق الخليج وأوروبا إن لم تُحكم المواصفات والرقابة.
فالمقايضة إذن ليست مبادلة متر بمتر، بل مبادلة نوعية بنوعية، وهذا فارق يجب أن يُسعّر ويُنظّم، لا أن يُترك للمساومة الظرفية".
وزاد: " إن المطلوب أن تبدأ الدولة من الآن، وليس عام 2030، بصياغة عقد وطني لإعادة توزيع المياه يقوم على خمسة أركان: جدول مقايضة كمي معلن للفترة 2027–2035 يحدد ما ستتخلى عنه الزراعة من مياه عذبة وما ستتسلمه مقابله من مياه معالجة؛ وأداة تشريعية تعرّف الحق المائي الزراعي وتقرر التعويض العادل عند سحبه؛ وسلّم تعرفة يعكس كلفة الندرة ويميز بين مصادر المياه ونوعياتها؛ واستثمار في شبكات نقل وخلط توصل المياه المعالجة إلى حيث يمكن استخدامها فعليا؛ وربط التراخيص المحصولية بمصدر المياه بحيث لا تُروى محاصيل شرهة التصدير بمياه جوفية عذبة بعد اليوم".
وأضاف: " هذا التفاوض لا يجوز أن يُترك لوزارة بعينها، بل يحتاج إلى مظلة وطنية تجمع وزارتي المياه والزراعة وممثلي المزارعين في الأغوار والمرتفعات معا، وبتفويض سياسي رفيع يضمن أن ما يُتفق عليه يُنفذ".
من جهته، قال وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري إن هناك سؤالا مشروعا يجب أن يُطرح بالتزامن مع اقتراب تنفيذ مشروع الناقل الوطني، وهو: كيف ستُعاد هيكلة توزيع الموارد المائية الوطنية بعد دخول نحو 300 مليون م³ سنويا من المياه المحلاة إلى الشبكة؟وأضاف أن الحديث حتى الآن يتركز على إنشاء المشروع نفسه، بينما لم تُعلن بصورة واضحة خطة إعادة توزيع المياه التي سيحررها المشروع بين القطاعات المختلفة.
ويمكن تفسير ذلك بعدة اعتبارات، منها عدم اكتمال الدراسات التشغيلية؛ إذ تعتمد إعادة التوزيع على الجدول الزمني الفعلي للتنفيذ، وكميات الإنتاج، وربط المشروع بالشبكات القائمة، فضلا عن تجنب خلق توقعات مبكرة لدى المزارعين أو المحافظات قبل التأكد من الكميات المتاحة فعليا، حتى لا تتحول الوعود إلى التزامات يصعب الوفاء بها.
وتابع أن حساسية إعادة تخصيص المياه تمثل عاملا آخر، لأن أي تغيير في حصص المحافظات أو القطاعات قد يثير نقاشات وضغوطا محلية، ولذلك يُرجح أن يُعلن عن التوزيع النهائي عند اقتراب بدء التشغيل.
وقال إن السيناريوهات الأكثر ترجيحا لإعادة توزيع المياه تتمثل في ثلاثة خيارات؛ السيناريو الأول (الأكثر احتمالا) هو توجيه المياه المحلاة للاستخدامات المنزلية، مع تحويل جزء من المياه العذبة الحالية إلى القطاع الزراعي، بما يعزز الأمن الغذائي دون زيادة الضغط على الأحواض الجوفية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استغلال جزء من المياه المتحررة لخفض الضخ الجائر من الأحواض الجوفية، وبدء برنامج لاستعادة توازنها المائي.
في حين يتمثل" السيناريو الثالث" في تخصيص جزء من الوفورات لرفع المخزون الإستراتيجي في السدود والخزانات، وزيادة قدرة المملكة على مواجهة سنوات الجفاف.
وزاد أنه من المفيد أن تصدر وزارة المياه، بالتزامن مع بدء تشغيل الناقل الوطني، خطة وطنية لإعادة تخصيص الموارد المائية تُبيّن بصورة شفافة آليات توزيع المياه بين القطاعات المختلفة.
بدوره، بيّن الباحث والخبير بالشؤون الزراعية والتنموية م.
سمير سليمان أن مشروع الناقل الوطني يمثل أحد أهم المشاريع الإستراتيجية التي ينفذها الأردن لمواجهة تحديات شح المياه، إذ يهدف إلى توفير مصدر مستدام لمياه الشرب عبر تحلية مياه البحر، بما يعزز الأمن المائي ويحد من الاعتماد على المصادر التقليدية.
ومع اقتراب دخول المشروع حيز التنفيذ، يبرز تساؤل مهم: هل سيؤدي توفير بديل حضري للمياه إلى تعزيز قدرة القطاع الزراعي على الوصول إلى الموارد المائية التقليدية؟وأضاف أن القطاع الزراعي شهد خلال العقود الماضية تراجعا في كميات المياه المتاحة له، نتيجة إعطاء الأولوية لتوفير مياه الشرب في ظل النمو السكاني، والتوسع العمراني، واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، إلى جانب آثار التغير المناخي وتراجع معدلات الهطول المطري.
وانعكس ذلك على المساحات المزروعة، والإنتاج الزراعي، واستدامة العديد من المشاريع الزراعية، رغم أن الزراعة تشكل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغذائي.
وقال إن من المتوقع أن يسهم الناقل الوطني في تخفيف الضغط على المياه الجوفية والسطحية التي كانت تُستخدم لتزويد المدن بمياه الشرب، ما يتيح فرصة لإعادة النظر في توزيع الموارد المائية بين القطاعات المختلفة، الأمر الذي قد ينعكس إيجابا على القطاع الزراعي عبر توفير كميات إضافية من المياه تدعم الإنتاج المحلي وتعزز الأمن الغذائي.
وزاد: " غير أن هذه النتيجة لن تتحقق تلقائيا؛ فالمشروع بحد ذاته لا يضمن زيادة المياه المخصصة للزراعة، وإنما يعتمد ذلك على السياسات التي سترافق تشغيله.
والمطلوب هو رؤية وطنية واضحة لإدارة الموارد المائية تحقق التوازن بين الاحتياجات البلدية ومتطلبات التنمية الزراعية، مع الحفاظ على استدامة الموارد الطبيعية".
وأشار إلى أنه في حال توجيه كميات إضافية من المياه إلى القطاع الزراعي، فإن ذلك يجب أن يترافق مع رفع كفاءة استخدامها، عبر التوسع في أنظمة الري الحديثة، والزراعة الذكية، وتحسين إدارة المياه على مستوى المزرعة، وتشجيع المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية والأقل استهلاكا للمياه، إلى جانب التوسع في استخدام المياه المعالجة وفق المعايير الفنية والبيئية المعتمدة.
وأشار إلى أن الناقل الوطني ليس مجرد مشروع لتوفير مياه الشرب، بل يمثل فرصة لإعادة رسم السياسة المائية في الأردن، والانطلاق نحو مرحلة جديدة تقوم على الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحقيق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي.
وسيُقاس نجاح المشروع ليس فقط بكميات المياه التي سيضيفها إلى الشبكات، بل بقدرته على دعم التنمية الزراعية، وتعزيز استدامة الموارد، وتحقيق أفضل قيمة اقتصادية واجتماعية لكل متر مكعب من المياه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك