عمان - لم تعد معادلة القوة في المنطقة، تقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية أو عدد التحالفات الأمنية، إذ تشير قراءات خبراء في الشأن السياسي والعسكري، إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف النفوذ، مع صعود متزايد لدور الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمارات كعناصر رئيسة في بناء العلاقات الإقليمية.
اضافة اعلانويؤكد الخبراء في تصريحات لـ" الغد" أن المنطقة، لا يبدو أنها ستنتقل من مرحلة السلاح إلى مرحلة الاقتصاد، بل يتجه نحو معادلة جديدة تتكامل فيها القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية، فالجيوش تحتاج لاقتصاد قادر على تمويلها وتطوير أدواتها، والاقتصادات تحتاج لبيئة أمنية تحمي مصالحها، ما يجعل النفوذ في المرحلة المقبلة رهنا بقدرة الدول على الجمع بين الردع والتنمية، والأمن وصناعة القيمة، بحسبهم.
وفي قراءة لمستقبل التوازنات الإقليمية، يؤكد الخبير د.
نضال أبو زيد، أن المنطقة تقف أمام تحول تدريجي في طبيعة التحالفات، إذ بدأت الاعتبارات الاقتصادية تتقدم على حساب الصيغ العسكرية التقليدية، وإن كانت الهواجس الأمنية ما تزال تحول دون اكتمال هذا التحول.
ويقول أبو زيد، إن المنطقة تتجه بالفعل نحو إعادة بناء تحالفات اقتصادية، مضيفا أن الحرب وما رافقها من اضطرابات، ولا سيما منذ المواجهة الإيرانية، ألحقت أضرارا واسعة بالاقتصادات الإقليمية، وأربكت سلاسل التوريد، وانعكست على موازنات الدول وخططها التنموية، بخاصة الدول النفطية.
ويوضح بأن" هناك هاجسا كبيرا لدى الكتل الجغرافية في المنطقة لتشكيل تحالفات اقتصادية، يمكنها ترميم الاقتصاد الذي تهشم، لكن الهاجس الأمني والعسكري ما يزال يعيق تشكيل مثل هذه التحالفات في حاليا"، معتبرا أن المصالح الاقتصادية أصبحت أحد أبرز المحركات التي تعيد رسم العلاقات الإقليمية.
وفي تفسيره لتغير أولويات المنطقة، يشير أبو زيد لمساهمة التطورات العسكرية المتلاحقة بفرض مراجعة شاملة لمفاهيم التحالفات، بحيث لم تعد الدول تنظر للقوة العسكرية بالمنظور التقليدي، بل باتت توازن بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا باعتبارها عناصر متداخلة في صناعة النفوذ الإقليمي.
كما يؤكد أن فكرة التحالفات العسكرية التقليدية تراجعت، موضحا أن مفاهيم" عمليات التحالف" و" العمليات المشتركة" التي سادت لعقود" سقطت مع الحروب الحديثة"، بدءا من الحرب الأوكرانية، مرورا بأحداث 7 أكتوبر، وصولا إلى التطورات الأخيرة المرتبطة بإيران.
ويتابع أن" التحالفات العسكرية الجديدة، لم تعد تقوم على حشد الجيوش الكبيرة والدبابات والطائرات، وإنما على حروب خفيفة وسريعة، تعتمد على التكنولوجيا والاستخبارات والاستطلاع والطائرات المسيرة والقوات الجيوفضائية"، ما يجعل هذا التحول يعكس الانتقال إلى ما يعرف بـ" حروب الجيل السادس" التي تعتمد على قوة بشرية أقل، مقابل توظيف أكبر للتكنولوجيا المتقدمة.
ويلفت إلى أن هذا التحول، لم يعد يقتصر على الدول، بل طال أيضا العقائد العسكرية للتحالفات الدولية، مشيرا إلى أن اجتماعات حلف شمال الأطلسي الأخيرة، عكست تغيرا في فلسفة العمل العسكري، عبر التركيز على القدرات التقنية والتعاون الاستخباري بدلا من الحشود العسكرية التقليدية.
ويبين أبو زيد، أن هذا الواقع يفرض معادلة جديدة للانضمام إلى أي تحالف مستقبلي، فامتلاك أدوات حروب الجيل السادس أصبح شرطا أساسيا للمشاركة، موضحا بأن" من أراد الانخراط في هذا النوع من التحالفات عليه امتلاك أدواتها، وإلا سيبقى خارجها أو يتحول لوقود لها".
مرجحا أن تشهد المنطقة في المرحلة المقبلة، تبلور تحالفات جديدة تستند إلى هذه الرؤية، مشيرا إلى وجود مؤشرات على تقارب تركي سعودي باكستاني، وإن كان ما يزال في إطار الرؤية السياسية ولم يتحول لتحالف قائم على الأرض.
ويضيف أن هذا التقارب، قد يدفع دولا أخرى لتسريع تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، لافتا إلى أن مصر اتجهت لإنشاء مراكز قيادة وسيطرة حديثة وتبني مفاهيم حروب الجيل السادس، فيما يمضي الأردن، في ضوء التوجيهات الملكية لإعادة بناء العقيدة القتالية، نحو تعزيز قدراته في الاتجاه ذاته.
ويشدد أبو زيد على أن ملامح هذه التحولات ستكون من أبرز نتائج الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، وأن المشهد سيبقى محكوما بعوامل سياسية وأمنية معقدة، معتبرا أن وجود الكيان الصهيوني سيظل" عاملا رئيسا في التشويش على تشكل مثل هذه التحالفات"، ما يجعل الانتقال إلى مرحلة" الاقتصاد أولا" تدريجية، ترتبط بمآلات التوترات الأمنية في المنطقة.
أهمية التحالفات الاقتصاديةويؤكد الخبير د.
بدر الماضي، أن المنطقة مقبله على إعادة تشكيل واسعة للعلاقات الإقليمية، لن تقتصر على الاقتصاد حسب، بل ستمتد إلى الجوانب السياسية والتجارية والعسكرية، مع تصاعد أهمية التحالفات الاقتصادية بوصفها ركيزة لتعزيز الاستقرار، دون أن يعني ذلك انتهاء دور التحالفات العسكرية.
ويقول الماضي إن المنطقة" ستشهد تحولات كبيرة جدا، ليس على المستوى الاقتصادي فقط، ولكن أيضا على المستويات السياسية والتجارية والعسكرية"، موضحا بأن التحالفات الاقتصادية ليست بديلا مباشرا للعسكرية، لكنها قادرة على" تشكيل حالة من الاستقرار والانتقال إلى مرحلة من التعاون والالتزام في العلاقات البينية بين الدول"، ما يجعلها أكثر قدرة على بناء شراكات طويلة الأمد.
ويرى أن أولويات المنطقة بدأت بالفعل تتغير، معتبرا أن المرحلة المقبلة تستدعي إعادة بناء منظومة العلاقات الإقليمية، بعيدا عن صراعات النفوذ التقليدية، فـ" أولويات المنطقة، تحتاج لإعادة بناء بعيدا عن محاولات النفوذ"، لافتا إلى أن استمرار حالة الاستقطاب الإقليمي يحد من فرص بناء منظومة تعاون أكثر استقرارا.
ويرجح الماضي أن تتجه دول المنطقة لمنح الأولوية للتحالفات الاقتصادية والتجارية قبل العسكرية، موضحا أن" الأمور ستذهب باتجاه تحالفات تجارية اقتصادية ومن ثم عسكرية"، في مؤشر على تغير ترتيب الأولويات الإقليمية، مقارنة بالمراحل السابقة التي طغت فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
ويتابع أن المصالح الاقتصادية أصبحت محركا رئيسا للعلاقات بين الدول، لأنها باتت ترتبط مباشرة بتحقيق التعافي والاستقرار، موضحا أن" التلويح بالعمل والقوة العسكريين لم يعد النافذة الوحيدة للاستقرار، وإنما أصبحت التحالفات الاقتصادية، بديلا لأي عامل يمكن أن يسهم بتحقيق الاستقرار".
ويرى الماضي أن المنطقة تتجه نحو مرحلة يمكن وصفها بـ" الاقتصاد أولا"، مشددا على أن نجاح هذا التحول يبقى مشروطا بتراجع حدة التوترات السياسية والعسكرية، مشيرا إلى أن المنطقة" ستدخل مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، لكن ذلك يتطلب برودا في الجبهات السياسية والعسكرية، بعيدا عن التشنجات والتلويح بالقوة".
ويلفت لاستمرارية تعرض أي مشروع للتحالفات الاقتصادية نحو التعثر إذا استمرت بؤر التوتر الإقليمي، مؤكدا أنه" لا يمكن للتحالفات الاقتصادية النجاح في ظل توترات سياسية وتلويح بالاستخدام العسكري"، مضيفا أن أي نجاح في هذه الظروف" سيكون جزئيا، ولن ينعكس على مصالح دول المنطقة".
ويشدد الماضي على أن التحالفات الاقتصادية، مرشحة لأن تصبح الإطار الأكثر حضورا في المرحلة المقبلة، لكنها ستظل مرتبطة بتهيئة بيئة سياسية وأمنية أكثر استقرارا، معتبرا أن تبريد الساحات السياسية والعسكرية، شرط أساسي لإنجاح أي مسار اقتصادي إقليمي قادر على تحقيق مصالح مشتركة ومستدامة.
صياغة مفهوم القوة والنفوذالخبير د.
بشير الدعجة، يؤكد أن المنطقة تمر بمرحلة تحول إستراتيجي، تعيد صياغة مفهوم القوة والنفوذ، إذ لم تعد القدرات العسكرية وحدها معيار التأثير، بل أصبحت القوة الاقتصادية والتكنولوجية شريكا أساسيا في رسم مكانة الدول وتحالفاتها.
ويقول إن" السؤال لم يعد من يملك الجيش الأقوى، بل من يملك الاقتصاد الأكثر قدرة على صناعة النفوذ"، معتبرا أن القدرة على جذب الاستثمارات، والسيطرة على مسارات التجارة والطاقة، وامتلاك التكنولوجيا، أصبحت أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية.
ويضيف الدعجة أن المنطقة، تتجه نحو إعادة تشكيل التحالفات، لكن ليس عبر استبدال التحالفات العسكرية بأخرى اقتصادية، وإنما عبر بناء نموذج جديد تصبح فيه المصالح الاقتصادية محورا رئيسا للعلاقات الإقليمية، مؤكدا أن" القوة العسكرية تحمي المصالح، لكن الاقتصاد يصنعها ويوسعها ويمنحها الاستدامة".
ويوضح أن التحالفات الاقتصادية، تتمتع بقدرة أكبر على الاستمرار لأنها تقوم على مصالح طويلة الأمد، في حين ترتبط التحالفات العسكرية غالبا بوجود تهديدات أو ظروف أمنية محددة.
مشيرا إلى أن أولويات المنطقة شهدت تغيرا واضحا في السنوات الأخيرة، إذ انتقلت من التركيز على الصراعات العسكرية إلى الاهتمام بالتنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والسيبراني.
ويلفت إلى أن مفهوم الأمن أصبح أكثر شمولا، ولم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل بات يشمل حماية الاقتصاد وسلاسل الإمداد والبنية التحتية، والقدرة على تحقيق التنمية والاستقرار الداخلي.
ويؤكد الدعجة أن التحالفات العسكرية التقليدية لم تتراجع بقدر ما تغيرت طبيعتها، موضحا أن الحروب والأزمات الحديثة، أظهرت أن الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والعقوبات وسلاسل الإمداد، عناصر حاسمة في إدارة الصراعات، وأن النفوذ بات يعتمد على مزيج متكامل من القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، وليس على القوة الصلبة وحدها.
ويشدد على أن المنطقة دخلت مرحلة" الاقتصاد أولا"، لكن دون أن يكون ذلك على حساب الأمن والدفاع، موضحا بأن المرحلة المقبلة ستقوم على التكامل بين الاقتصاد والأمن ضمن مفهوم القوة الشاملة للدولة.
ويقول" إن القوة العسكرية، قد تحمي الحدود، لكنها لا تصنع وحدها المكانة، أما القوة الاقتصادية فتمنح الدولة القدرة على التأثير والاستمرار وصناعة المستقبل"، مؤكدا أن الدول الأكثر قدرة على الجمع بين الردع العسكري والتنمية الاقتصادية، ستكون الأقدر على قيادة المشهد الإقليمي في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك