لم تنجح الحكومة بعد في تحويل مشروع الحماية الاجتماعية إلى سياسة عمومية متكاملة وقادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، ذلك أن النتائج المحققة لم تبلغ رهانات تعميم الحماية الاجتماعية بالرغم من اتساع وعاء منظومة التأمين الأساسي عن المرض مقارنة بالمراحل السابقة، لذلك تظل الحصيلة بعيدة عن تنفيذ أجندة القانون الإطار رقم 09.
21 الذي حدد نهاية 2025 كمدى زمني نهائي لشمل الجميع بالتغطية الصحية، حيث تستثني نسبة التغطية الصحية التي اعتمدتها الحكومة كأساس مرجعي، الأشخاص المسجلين برسم نظام المساعدة الطبية.
وأكد تقرير حول تقييم مشروع الحماية الاجتماعية، أن من بين الإشكالات المطروحة، أن هناك بعض الفئات خارج مساعي الإدماج، خصوصا غير الأجراء، إذ يظل معدل أداء الاشتراك يتأرجح بين الثلث و40 %، كما أن العديد من المشمولين بنظام “أمو الشامل” يتلكؤون في تسديد الاشتراكات، وأن 92 % من غير الأجراء الملزمين بأداء واجبات الاشتراك بالكاد يتجاوز معدل تنقيطهم عتبة التغطية الصحية التضامنية، حيث يتراوح المعدل بين 9.
32 و9.
51، ما يعني أنهم ينتمون لفئات هشة لا تسعفها قدراتها المالية على المساهمة في نظام التأمين الصحي، لكن المعالجة الرقمية الموجهة بمعطيات السجل الاجتماعي الموحد، أزاحتهم من آلية التضامن إلى آلية الاشتراك.
وحسب التقرير، فإن طريقة احتساب العتبة ومبالغ الاشتراك تشكل عقبة أمام انخراط الفئات الجديدة بالنطاق المساهماتي للتأمين الصحي، حيث لا تزال قطاعات واسعة من المعنيين بنظامي “أمو الأجراء”، و”أمو الشامل”، غير مدرجة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وما يشكل ذلك من معاكسة لخيار التعميم، ومن حرمان من الحق في الصحة، نتاج فرص أقساط اشتراك لا تراعي دخولها الضعيفة أو غير المستقرة.
وأوضح التقرير، أن الفجوة الجندرية تحرم فئات من النساء من الحق في التغطية الصحية نتاج ظروف اقتصادية، مثل العاملات في وظائف غير رسمية لا تتوفر لديهن أي تغطية اجتماعية، كالمجال الزراعي، أو جراء تغييرات أسرية، كالمطلقات ربات الأسر اللواتي يجدن أنفسهن في وضعية حقوق مغلقة بعد مرور سنة من طلاقهن، وكذلك الحال بالنسبة للأرامل غير المستفيدات من معاش الزوج، المتوفى بعد سنتين على الوفاة، حيث غالبا ما يتم إدراجهن ضمن التأمين المساهماتي مع عجزهن عن تسديد واجبات الاشتراك، وفي بعض الأحيان يأخذ الأمر بعدا دراماتيكيا، كإقصاء نساء فقيرات يقطن لوحدهن، من نظام “أمو تضامن” لتجاوزهن المؤشر الموجه، بعامل العدد، الأمر الذي يسائل عدالة المتغيرات المعتمدة، ويطرح على المحك تحدي أنسنة منهجية الاستهداف، وإعادة تضمينها وفق نهج قائم على الحقوق.
وسجل التقرير وجود فئات اجتماعية أخرى خارج دائرة الاستفادة، تعاني من الإقصاء المنهجي من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، من ضمنها حوالي مليوني مساعد عائلي، إضافة إلى أكثر من مليون شخص يرتبطون بعقود تأمين مع شركات خاصة، وتعاضديات وصناديق داخلية، كما لا يزال 8.
5 ملايين شخص غير مشمولين بنظام التغطية الصحية الإجبارية بالرغم من انتمائهم لأسر هشة لا تملك القدرة على أداء الاشتراكات بالصندوق، كما أن هناك أعدادا كبيرة من المسجلين غير قادرين من الناحية العملية على الاستفادة من سلة الخدمات المتاحة، حيث أن حوالي 3.
5 ملايين شخص مسجلين بمختلف أنظمة التأمين الإجباري، يوجدون في وضعية الحقوق المغلقة بسبب عدم كفاءة مدة التصريح، أو عدم أداء الاشتراكات نتاج عوامل مختلفة، وتنسحب هذه الوضعية على حوالي 43 % من منتسبي نظام “أمو الشامل”، و65 % من المسجلين في نظام “أمو غير الأجراء”، وهي نسبة تتجاوز بكثير أجراء القطاع الخاص، وموظفي القطاع العام.
ويؤكد التقرير وجود فجوة واضحة بين العدالة المجالية والعدالة الصحية، والتي تؤثر على الحق في الاستفادة الفعلية من خدمات التأمين الإجباري عن المرض، خاصة على مستوى التفاوت الكبير بين الجهات في التوطين الترابي للعرض الصحي والجسم الطبي، إذ تشير الإحصائيات والأرقام تسجيل مستويات قياسية في جهتي الدار البيضاء والرباط على التوالي بـ 11.
6 و9.
8 طبيب لكل 10 آلاف شخص، بينما تعاني جهات أخرى من خصاص كبير في الأطر الطبية مثل جهتي بني ملال خنيفرة 4.
2، ودرعة تافيلالت 3.
1، ونفس الأمر بالنسبة للسعة السريرية التي تشهد فجوة تفوق عشرة نقاط.
وسجل التقرير وجود نقص واضح في التواصل الرسمي مع المواطنين بشأن ملفات حساسة ترتبط مباشرة بالاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، من بين أبرز هذه الملفات، غياب توضيحات حول معايير مراجعة ملفات المستفيدين السابقين من نظام المساعدة الطبية، وآليات إدماجهم ضمن نظام “أمو تضامن”، واستمرار الغموض بشأن الأسباب التي تقف وراء رفض عدد من طلبات الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، وهو ما اعتبره التقرير عاملا يضعف الثقة في المنظومة الجديدة.
كما رصد التقرير عددا من الاختلالات المرتبطة بتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات المشرفة على الورش، مشيرا إلى أن الوكالة الوطنية للسجلات تواجه غموضا في اختصاصاتها نتيجة تداخل أدوارها مع مؤسسات أخرى، إلى جانب عدم وضوح آليات تعيين مسؤوليها ومراقبة أدائها، وغياب تصور واضح بشأن كيفية التحقق من صحة المعطيات الاجتماعية التي تعتمد عليها عمليات الاستهداف، كما أن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لم تتمكن بعد من الاضطلاع الكامل بمهامها، خصوصا ما يتعلق بإعداد المؤشرات الإحصائية، وتتبع أثر الدعم المباشر، وإنجاز عمليات التقييم الدوري، لا سيما وأن استمرار إسناد عدد من المهام التنفيذية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يزيد من الأعباء الإدارية الملقاة على عاتقه، وقد يؤثر على فعالية أدائه في تدبير مختلف برامج الحماية الاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك