خليفة بن عبدالله آل محمودسمو الشيخ حمد بن خليفة.
ثلاث محطات في ذاكرة متفرجارتبط اسم سمو الشيخ حمد بن خليفة بذاكرة جيل كامل من أبناء قطر والمنطقة، وأعتقد أن الحديث عن تجربته يحتاج إلى ما هو أكثر من مقال، لما حفلت به سنوات حكمه من أحداث وتحولات تركت أثرها في الداخل والخارج، وما سأكتبه هنا ليس محاولة لتأريخ تلك المرحلة ولا لإحصاء منجزاتها، وإنما هو انطباعات متفرج لم يكن ضمن فريق العمل، بل راقب المشهد من بعيد، وربما كان البعد أحيانًا أوسع أفقًا وأوضح صورة، جالت في ذهني محطات كثيرة، وسأكتفي بثلاث منها.
المحطة الأولى: بين الدولة الحديثة وقيم الدخيلكان سمو الشيخ حمد أمير دولة عصرية تقوم على مؤسسات دستورية، وأجهزة تشريعية وقضائية وتنفيذية، وترتبط بمنظومة واسعة من الاتفاقيات والالتزامات الدولية، ومع ذلك، كانت هناك مواقف شعرت فيها أن قيم المجتمع العربي الأصيلة لم تغادر صناعة القرار، وفي مقدمتها حماية الدخيل وإغاثة من ضاقت به السبل.
خلال سنوات مضت، أصبحت قطر ملاذًا لشخصيات وجماعات اضطرتها ظروف بلدانها إلى البحث عن مأوى آمن، جاء إليها عراقيون وسوريون وفلسطينيون وموريتانيون وأفغان وغيرهم، وكانت الدولة تتحمل تبعات هذا الخيار، السياسية والدبلوماسية، إيمانًا منها بأن حماية الإنسان قيمة لا ينبغي التفريط بها.
ومن يلتقي بكثير ممن احتضنتهم قطر في تلك الظروف يسمع منهم كلمات الامتنان والدعاء لهذا البلد الذي فتح أبوابه لهم في أصعب مراحل حياتهم، وقد أثبتت السنوات أن كثيرًا من تلك الملفات لم يقتصر على الاستضافة المؤقتة، بل تجاوزها إلى المساهمة في معالجة جذور الأزمات، حين أسهمت الوساطة القطرية في إنهائها بصورة أعادت أصحابها إلى أوطانهم، أو مكنتهم من المشاركة في رسم مستقبلها.
ولعل هذا اللون من العمل الإنساني والسياسي يبقى من الأعمال التي يُرجى ثوابها عند الله قبل أن تُسجل في صفحات التاريخ، ومن أهم آثاره تراكم خبرة قطرية كبيرة في مجال الوساطات وتقريب وجهات النظر، حتى أصبحت قطر وسيطًا نزيهًا يتطلع إليه الفرقاء عند البحث عن تسويات لأزماتهم.
المحطة الثانية: الجزيرة… مشروع سبق زمنهقيل الكثير عن قناة الجزيرة، ولا تزال الآراء حولها متباينة، ولدي شخصيًا ملاحظات عديدة عليها، لكن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ في سياق الزمن الذي وُلدت فيه، والظروف التي أحاطت بنشأتها.
ففي تسعينيات القرن الماضي شهد العالم العربي طفرة في البث الفضائي، وبرزت قنوات جعلت الإثارة والابتذال وسيلتها للوصول إلى المشاهد، وفي خضم ذلك المشهد ظهر مشروع مختلف، يقوم على مخاطبة العقل، وإعطاء مساحة أوسع للرأي والخبر والنقاش العام.
كان إطلاق الجزيرة مغامرة سياسية وإعلامية في منطقة لم تكن تنظر بعين الارتياح إلى الإعلام المستقل أو إلى تعدد الآراء، ومع مرور الوقت تحولت القناة إلى ظاهرة إعلامية، وإلى حجر أُلقي بقوة في الماء الراكد، فأسهمت في تغيير المشهد العربي، وفتحت الباب أمام ظهور مدارس إعلامية جديدة، وفرضت معايير مختلفة في التغطية الإخبارية والحوار السياسي، حتى انتقل كثير من معارضيها من محاولة محاربتها إلى إنشاء منظومات إعلامية منافسة لها.
وربما كان سر نجاحها أنها خاطبت حاجة كانت قائمة في المجتمعات العربية، فجاءت في توقيت مناسب، وقدمت نموذجًا مغايرًا لما كان سائدًا آنذاك، وأسهمت في نقل الإعلام العربي إلى مرحلة جديدة، اختلفت فيها قواعد المنافسة واتسعت مساحة النقاش العام، وتختزل تلك التجربة بمقولة رجل من خارج قطر: ان الجزيرة الصدقة التي ارسلتها قطر للعالم العربي.
المحطة الثالثة: الإنسان قبل المنصبحين تتصفح الصور المتداولة للشيخ حمد، والتي أُعيد نشر كثير منها بعد وفاته رحمه الله، تلاحظ أنها لا تقتصر على اللقاءات الرسمية أو على طيف واحد من الوجهاء والأعيان، بل تضم جمهورًا كبيرًا من مختلف فئات المجتمع، مواطنين ومقيمين، وتعكس شخصية استثنائية في تمسكها بالعلاقات الاجتماعية، وحبها للقاء الناس، سواء في الأماكن العامة أو المجالس الخاصة أو المناسبات الاجتماعية.
وكان التواضع والبساطة من أبرز سماته، حتى إن تنقلاته كانت بعيدة عن المظاهر التي كثيرًا ما ترافق من هم في مثل منصبه، كما كان حضوره للمجالس يتم دون ترتيبات معقدة أو بروتوكولات مرهقة.
ولعل ما عزز مكانته في نفوس الناس أيضًا قوة ذاكرته وفراسته، وقدرته على تذكر الأشخاص، واهتمامه بالعلاقات الإنسانية، ولم يقتصر ذلك على الداخل، بل امتد إلى الخارج، فكانت له مواقف إنسانية لافتة، منها حضوره لتقديم واجب العزاء في شخصيات كانت تربطه بهم علاقات وفاء أو تقدير، في مشاهد تعكس جانبًا إنسانيًا لا تصنعه البروتوكولات.
واجتماع التواضع والكرم مع علو المنصب من الصفات النادرة، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحظى بمكانة خاصة في قلوب كثير ممن عرفوه أو اقتربوا منه، ويبقى ثمة قاسم مشترك ميّز حكام قطر عبر عقود، وهو أن المنصب لم يصنع بينهم وبين الناس حواجز يصعب تجاوزها، بل ظل البعد الاجتماعي أقوى من البعد الرسمي، فقلّص المسافات، ورسّخ القرب.
هذه ليست سيرة رجل، فالسير لا تُختزل في صفحة، وإنما هي وقفات أمام ثلاث صور بقيت عالقة في الذاكرة: صورة الحاكم الذي رأى في إغاثة الإنسان مسؤولية، وصورة القائد الذي راهن على مشروع إعلامي غيّر وجه الإعلام العربي، وصورة الإنسان الذي لم يحل المنصب بينه وبين الناس.
وقد يختلف الناس في تقييم السياسات والقرارات، فهذا شأن كل تجربة سياسية، لكن ما يبقى بعد انقضاء السلطة ليس عدد السنوات التي قضاها الحاكم في منصبه، ولا حجم ما دوّنته الوثائق الرسمية، وإنما الأثر الذي يتركه في وطنه وفي ذاكرة الناس، فالمناصب ترحل مع أصحابها، أما الأثر الصادق فيبقى شاهدًا لهم، وتبقى ذاكرة الشعوب هي الصفحة التي يصعب على الزمن أن يمحو ما كُتب فيها، نسأل الله أن يوفق سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يديم على هذا الوطن نعمة الألفة والمحبة.
يقول والدنا الشاعر الدكتور حسن النعمة في رثائه:بو مشعل باقٍ، وباقٍ ذكرُهُبالحمد يُلهم موطنًا ورعيلًاباقٍ لنا حمدٌ، وفي تذكارهنهجٌ يطيبُ للسالكين سبيلً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك