حين يترجل الفرسان.
يبقى الأثريرحل العظماء بأجسادهم، لكنهم يتركون في ذاكرة الأوطان ما يجعل الغياب حضورًا دائمًا.
وبرحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية أمس الاول، لا تفقد قطر قائدًا استثنائيًا فحسب، بل تودع مرحلة تاريخية صنعت ملامح الدولة الحديثة، ورسخت مكانتها بين الأمم.
*وعلى المستوى الشخصي، كان لي شرف اللقاء بسموه في أكثر من مناسبة صحفية، فلم يكن ما يلفتني فيه فقط هيبة القائد، بل دفء الإنسان، حيث سجلت مواقفي معه أنه قائد يصغي باهتمام، ويمنح من أمامه شعورًا بأن الرأي يستحق أن يُسمع، وأن الكلمة الصادقة لها مكانتها.
في تلك اللقاءات، رأيت حنان الأب، وحكمة القائد، ورعاية الفارس النبيل، وهي صفات بقيت راسخة في ذاكرتي قبل أن تكون مادة للكتابة.
*ولعل أكثر ما كنت ألمسه في حديثه ومواقفه إيمانه بحرية الصحافة باعتبارها شريكًا في بناء الوطن، لا خصمًا له، كما كان داعمًا حقيقيًا للمرأة القطرية، مؤمنًا بقدرتها على المشاركة في التنمية وصناعة القرار، وقد انعكس ذلك في دعمه لمشاركة المرأة في انتخابات المجلس البلدي، وتشجيعه حضورها في مختلف المجالات، بما فيها الرياضة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن نهضة الوطن لا تكتمل إلا بمشاركة جميع أبنائه وبناته.
*أما على مستوى الإنجاز، فإن التاريخ سيقف طويلًا أمام مرحلة حكمه، التي تعتبر نموذجاً يجب أن يتم تدريسه لجميع الأمم التي تريد أن تنهض، ففي عهده تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر أكثر من أربعٍ وعشرين مرة، وتحولت الدولة إلى واحدة من أبرز الاقتصادات في المنطقة، كما أُسست نهضة تعليمية جعلت قطر تتبوأ مراتب متقدمة في التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي، من خلال الاستثمار في الإنسان والمعرفة باعتبارهما الثروة الحقيقية للمستقبل.
*وفي السياسة، رسخ سموه مكانة قطر لاعبًا مؤثرًا يحظى بالاحترام، وأسّس لدور الوسيط النزيه الذي أسهم في تقريب وجهات النظر وإنهاء العديد من النزاعات والانقسامات والحروب، حتى أصبحت الدبلوماسية القطرية نموذجًا للحوار وبناء السلام.
كما شهد عهده إقرار الدستور الدائم، ووضع الأسس التي قامت عليها رؤية قطر الوطنية والتنمية المستدامة.
اليوم، وبعد أن ترجل هذا الفارس، سيكتب التاريخ اسمه بحروف من نور، وسيظل إرثه حاضرًا في كل مؤسسة، وفي كل إنجاز، وفي كل خطوة تخطوها قطر نحو المستقبل.
إن الدموع لا تكفي، والحزن لا يهدأ، لكن عزاءنا أن الرجال العظام لا يغيبون عن أوطانهم، لأن أعمالهم تبقى شاهدة عليهم، ولأن الوطن الذي أحببته سيظل يردد، جيلاً بعد جيل، أن هنا مرَّ قائدٌ صنع التاريخ، وترك لشعبه وطنًا يفاخر به العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك