يكتب الشاعر اليمني فخر العزب بقسوة مُفرطة تجاه نفسه وتجاه العالم، مقدماً في مجموعته" سيرة متعفنة لشاعر لا يخصه شيء" (مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2026) نصاً نثرياً متماشياً مع واقع يمني وعربي مُثقل بالحروب والانهيارات النفسية والاقتصادية.
ومنذ عتبة الإهداء الموجه إلى" ميادة"، باعتبارها الركن الوحيد الذي لم يطله العفن، يضعنا الشاعر أمام مرآة مهشّمة للذات وللوطن.
في الباب الأول من المجموعة الذي يحمل عنوان" تشريح الكائن"، يمارس الشاعر عملية تشريح مجهرية لجسده وروحه المصابة بالاكتئاب.
لا يتردد في وصف عقله بأنه" يتعفن كالخبز البائت"، وأن أفكاره الطازجة غير صالحة للاستخدام الآدمي.
يتحول هذا التشريح الفردي سريعاً إلى تشريح جماعي يعبّر عن مأساة جيل بأكمله، وهو ما يتجلى بوضوح في قصيدة" هوية الحزن"، حيث يستعرض مأساة الإنسان اليمني تحت وطأة الحرب: " نحن العظام المحترقة/ في حفلة شواء دائمة/ ندور حول النار بأجسادنا العارية/ تحترق جلودنا.
لحومنا.
عظامنا/ ولأنَّ الموت راحة لنا/ فنحن لا نموت/ نحن تراب الطرقات/ يدوسنا العابرون.
ولا ننزاح من مكاننا/ لا نستلذ الأمر/ لكنه العجز الذي يلازمنا كالظل".
رغبة في الانفصال عن ثقل الوعي ومواجهة الموت بمراوغة فنيةكذلك ينتقل الشاعر في الباب الثاني" قانون السوق" إلى رصد تقاطعات الرأسمالية والواقع المادي مع الوجع الإنساني.
تظهر السخرية السوداء بأبهى صورها في قصيدة" بورصة القبور"، حيث يتفاجأ الشاعر بارتفاع أسعار القبور، خضوعاً لنظرية العرض والطلب.
وتبرز تراجيديا الاغتراب اليمني في أقصى صورها المأساوية عبر قصيدة" مسموح بحمل الهموم"، التي يصور فيها الشاعر عبور المسافر اليمني في المطارات محملاً بأثقاله النفسية.
أما في" هندمة المعنى"، وهو عنوان الباب الثالث، فيضعنا أمام وقفة ميتا-شعرية يتأمل فيها الشاعر أدواته الإبداعية وعلاقته باللغة.
يعيش الشاعر حيرة بين رغبة البوح وصمت يسد فمه بكلتا يديه، محاولاً توضيب الكلمات المبعثرة كشخبطة طفل ليمنحها مظهراً أنيقاً.
تصبح اللغة كائناً مادياً يُعامل فيزيائياً، فالشاعر يعلق قصائده كل صباح على حبل الغسيل بعد شطفها بالماء، ويسوق الكلمات إلى المرعى كفلاح يقلم أظافر اللغة.
تبلغ النزعة الوجودية ذروتها في الباب الرابع" مختبر العدم"، حيث يبتكر حيلاً طريفة وصادمة للتعايش مع الفراغ.
تبرز في هذا الباب قصيدة" حيل وجودية" التي تعكس رغبة الشاعر في الانفصال عن وعيه الثقيل ومواجهة الموت بذكاء فني: " حين آوي إلى السرير/ أخلع رأسي وأعلقه على حامل الملابس/ هكذا أنام عارياً من الأفكار والأحلام والهموم/ حين أشعر بالجوع/أفتح أبواب الذاكرة بحثاً عن ذكرى مدورة كقرص خبز/ هكذا أُدرك أني بارع في الانتقاء/ حين أكتب الشعر/ أحلقُ ذقن الكلام بالموس وأقول له: نعيماً! هكذا يبدو بليغاً على غير عادته".
تمتد المجموعة لتختتم بـ" وعد الجذور" و" خارج من النص" في وثبة سريعة ومثيرة نحو الأمل والانعتاق المكتمل.
ففي الباب الخامس، يكسر الشاعر سوداوية الفصول الأولى، فنرى النبتة التي داسوها بالأرض تتحول إلى شجرة شاهقة تدافع عن نفسها، مؤكداً للحطاب أن فأس الحطام وإن احتطب الغصون فإنه" لا يقتلع الجذور".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك