قرَّر مؤرّخ أن يتجاوز صخب البيانات العسكرية وقاعات الأمم المتحدة، وينزل مباشرة إلى الأرض، ليتلصّص على ما كتبه الجنود العاديون والمواطنون في لحظات الصدق النادرة تحت قصف المدافع وفي خيام اللجوء.
في كتابه" عزيزتي فلسطين: التاريخ الاجتماعي لحرب 1948" (ترجمة ميسرة صلاح الدين، دار صفصافة، القاهرة، 2026)، يصحبنا أستاذ التاريخ والدراسات اليهودية في جامعة ميريلاند الأميركية شاي حزقاني، المعروف بنقده للصهيونية، في رحلة لاستكشاف تاريخ آخر مخبأ في الرسائل البريدية واليوميات الحميمة، رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في" جيش الإنقاذ".
العسكرة المستوردة وتمثلات الوعي الأوروبيفي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الإمبراطورية العثمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة، حين شهد العالم صعوداً مخيفاً للهيمنة الأوروبية وتصوراتها العنصرية.
في هذا المناخ المتوتر، نشأ جيل شاب من اليهود الأوروبيين والعرب وتجرعوا معاً، بقصدٍ أو من دون قصد، النظرة الاستعمارية ذاتها.
يروي حزْقاني كيف تبنَّت الحركة الصهيونية ملامح هذا الخطاب الغربي؛ فمن شدة تأثر اليهود الأوروبيين بالمنظور المعادي للسامية الذي وصفهم بـ" اليهود المنحطين"، اندفعوا نحو تأسيس ثقافة عسكرية ذكورية صارمة، ظناً منهم أن القوة والبذلة العسكرية هما السبيل الوحيد لـ" تجديد العرق اليهودي" ومحو صورة الضعف القديمة.
الكتاب ليس ببعيدٍ عن أطروحات مدرسة المؤرخين الجدد لفلسطينوعلى ضفة ثانية للحكاية ذاتها، كان الاستعمار الأوروبي يمد ظلاله فوق الدول العربية، مصحوباً بنظراته الاستشراقية المهينة التي تنظر إلى العربي بوصفه متأخراً.
ولَّدت هذه الصورة ردة فعل موازية لدى شباب العرب، الذين التقطوا الفكرة الأوروبية العرقية نفسها؛ فوجدوا في العسكرة والنشاط المسلح سبيلاً وحيداً للتحرر وإثبات الوجود.
هكذا تحولت العسكرة إلى فخ وصياغة ذهنية مشتركة دفعت آلاف الأشخاص لخوض غمار حرب القدوم إلى فلسطين عام 1948.
غير أن هذا التشابه في السلوك، كما يؤكد حزقاني، لا يعني تقاسم الذنب؛ فالمسؤولية الكبرى عن مأساة المنطقة تعود أساساً إلى الاختلال الهائل في موازين القوى العالمية التي انحازت للمشروع الصهيوني ووفّرت له التفوق البنيوي.
أرشيف الجنود وتفكيك لغة الدعايةاللافت في كتابة هذا التاريخ أن حزقاني اعتمد على وثائق خاصة سرية؛ ومنها منشورات التعبئة والتوجيه المعنوي للجنود، ورسائل شخصية صادرها الرقيب العسكري.
وتظهر في خلفية الأرشيف مفارقة درامية؛ فالقسم الأكبر من رسائل ومذكرات جنود جيش التحرير العربي، الذين قاتل في صفوفهم متطوعون من المغرب ومصر والأردن والعراق وسورية والجزائر وغيرها، استقر في صناديق أرشيف جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن استولت عليها الهاغاناه من المعسكرات والقرى المهجورة عام 1948 وصنفتها تحت بند" مواد غير محددة".
نفتح هذه الرسائل، فنكتشف أن قلوب الجنود كانت تشق مسارات مختلفة عن خطابات قادتهم، فالمتطوعون العراقيون، مثلاً، لم يروا المعركة حدثاً معزولاً، واعتبروا الذهاب إلى فلسطين امتداداً مباشراً لثورتهم في بغداد ضد النخبة والتحالف مع بريطانيا في انتفاضة" الوثبة" الشهيرة عام 1948.
كان هؤلاء المقاتلون يكتبون لأصدقائهم عن أملهم في العودة بعد إنقاذ فلسطين لإطاحة الأنظمة الفاسدة في أوطانهم، ما يثبت وعياً سياسياً ناضجاً تجاوز الأطر القومية الضيقة التي حاولت النشرات الرسمية حصرهم داخلها.
يأخذنا الكتاب إلى زاوية معتمة ونادرة، تروي قصة آلاف اليهود العرب الذين جرى حشد بعضهم من شمال أفريقيا والمغرب تحديداً، ليكونوا جزءاً مما عُرف بـ" الجيش الخارجي" (جاهال).
جاء هؤلاء المهاجرون محملين بأحلام الخلاص، فاستقبلتهم النخبة الأشكنازية (اليهود الأوروبيون) المهيمنة على مفاصل الدولة والجيش بنظرات استعلائية وتمييز عنصري قاسٍ.
رسائل عديدة لجنود جيش التحرير العربي استقرّت في أرشيف الاحتلالتُسجّل الرسائل المكتوبة بخط اليد صدمة هؤلاء المجندين؛ فهذا الجندي" حنانيا" يكتب لعائلته بمرارة عن شجار عنيف شبَّ في نادٍ عسكري، تعالت فيه هتافات الجنود الأوروبيين المهينة المطالبة بسقوط المغاربة وموتهم.
تنهمر دموع حنانيا في الرسالة وهو يعبر عن عجز أفكاره وشللها أمام هذه اللغة المستوردة التي توجَّه إليه من بني جلدته اليهود، ومع ذلك يواسي نفسه بأن هذا التمييز اللفظي يظل في ذهنه أخف وطأة من الاضطهاد المادي المهدِّد لحياته والذي اختبره في بيئته الأولى.
وفي المقابل، تكشف رسائل أخرى عن مقاتلين مغاربة قرروا الهرب العكسي والعودة إلى المغرب، بعد أن تهاوت أوهام المساواة وأدركوا أن هوياتهم الثقافية جرى سحقها لتوضع في أسفل السلم الاجتماعي للمجتمع الصهيوني الناشئ.
كتاب حزقاني ليس ببعيد عن أطروحات مدرسة المؤرخين الجدد التي بدأت منذ عقود في تفكيك السردية الصهيونية الرسمية لعام 1948، حيث يتقاطع هذا العمل مع أبحاث المؤرخ إيلان بابيه، وتحديداً في كتابه" التطهير العرقي لفلسطين"، إذ يشتركان في الاعتماد على الأرشيف العسكري لإثبات وجود سياسة ممنهجة لطرد العرب وتدمير قراهم، غير أن حزقاني يهتمّ بدراسة وعي الجنود المُنفِّذين لتلك الأوامر على الأرض، مفارقاً بذلك المنهج السائد.
ويتوازى هدم حزقاني لأسطورة" انصهار القوميات" مع كتابات علماء الاجتماع النقديين الذين عاينوا بنية العنصرية الطائفية داخل إسرائيل، ليقدم" عزيزتي فلسطين" الدليل الأرشيفي القاطع على أن تراتبية التمييز ولدت مبكراً في خنادق عام 1948، ولم تكن نتاج موجات الهجرة اللاحقة في الخمسينيات.
التعبئة الدينية وصياغة عقيدة القتليكشف حزقاني عن الجانب الأخطر في وثائق ضباط التعليم في الجيش الصهيوني، الذين أنيطت بهم مهمة مسح المشاعر الإنسانية وصياغة عقيدة قتالية متطرفة.
ركَّزت نشرات التثقيف العسكري على فكرة محورية تقول إن" أخلاق زمن الحرب تختلف تماماً عن أخلاق زمن السلام"، واستدعت المرويات التوراتية القديمة لشرعنة العنف الشامل عبر تقسيم الحروب إلى مستويين؛ الأول هو" حرب الإبادة الكاملة" (ميلحقت حريم) الموجهة ضد أعداء مثل" العماليق"، والتي تقضي بالانتقام بلا رحمة وقتل الرجال والنساء والأطفال وتدمير الممتلكات وحظر الغنائم، والمستوى الثاني هو" حرب الحائل أو المفروضة" (ميلحقت كيبوش)، وتقوم على التوسع وسحق شعوب كنعان السبعة المقيمة على الأرض، مع إباحة الاستيلاء على النساء والأطفال كعبيد وأسرى وتصفية الأسرى من الذكور.
صنعت هذه الشروح الدينية المكثفة عقيدة" لا بديل" (بريريت) التي أدار بها رئيس الأركان الإسرائيلي يغائيل يادين تلك المرحلة، إذ أبلغ الجنود بأن محادثات الهدنة في جزيرة رودس عام 1949 مجرد غطاء دبلوماسي مؤقت لحفظ المكاسب الميدانية، وأن السلام مفهوم مرحلي، وأن الجولة الثانية قادمة حتماً لتصفية الحساب.
وواجهت هذه العقيدة الدموية اعتراضات خجولة من متطوعين غربيين أثرياء (قوات ماحال)، فضلوا الرحيل والعودة إلى بلدانهم بسبب الفظائع الميدانية التي عاينوها، وصنفتهم التقارير العسكرية عناصر غير قابلة للإصلاح تثير القلق وتزعزع قناعات الآخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك