الجزائر- “القدس العربي”: أخذت الأزمة التي أحدثتها إشاعات تسمم البطيخ الأحمر في الجزائر، رابع أكبر منتج عالميًا، أبعاد قضية دولة بعد تدخل وزارتي الداخلية والتجارة لتأكيد سلامة المنتج عبر تحاليل مخبرية معمقة، مع اتخاذ قرار لافت بتجميد إحدى أبرز منظمات حماية المستهلك في البلاد.
وفي بيان لها الاثنين، أعلنت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، أن نتائج التحاليل المخبرية المنجزة تنفي بشكل قاطع ما تم تداوله بشأن عدم صلاحية البطيخ الأحمر للاستهلاك، مؤكدة أن الادعاءات المتداولة لا تعدو أن تكون “أخبارًا مغلوطة” تستهدف المساس بالاقتصاد الوطني والأمن الغذائي للبلاد، في مرحلة تشهد، بحسب البيان، انتعاشًا تصاعديًا لمختلف القطاعات الاقتصادية، ولا سيما رواج المنتجات الفلاحية الوطنية في الأسواق الخارجية.
وأكدت الوزارة أن هذا الموقف جاء بالتنسيق مع وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية ووزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، حيث دعت الوزارات الثلاث المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الإشاعات، مشددة على أن حماية الصحة العمومية وسلامة المستهلك تبقى في صلب اهتمامات السلطات العمومية التي تواصل مراقبة المنتجات الغذائية بشكل يومي.
ولم يقتصر بيان وزارة الداخلية على نفي الإشاعات، بل تضمن انتقادًا مباشرًا لبعض الأشخاص والجمعيات الناشطة في مجال حماية المستهلك، وعلى رأسها المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، معتبرًا أن ما صدر عنها يمثل “خرقًا للمهام المنوطة بها”، وأنه يتعين عليها التقيد بمجال اختصاصها ورفع انشغالاتها إلى الجهات المخولة دون الخوض في مواضيع ليست من صلاحياتها.
وأعلنت الوزارة، في السياق نفسه، احتفاظها بحقها في اتخاذ الإجراءات والتدابير المنصوص عليها في التشريع الساري، بما في ذلك اللجوء إلى تجميد نشاط الجمعية استنادًا إلى أحكام المادة 40 من القانون رقم 12-06 المتعلق بالجمعيات، وهو ما يعد من أبرز القرارات التي رافقت هذه القضية.
وجاء بيان وزارة الداخلية بعد يومين من إعلان وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية نتائج التحاليل المخبرية التي أجرتها على عينات من البطيخ الأحمر عقب انتشار الإشاعات.
وأوضحت الوزارة أنها، وفي إطار مهامها الرامية إلى حماية صحة المستهلك وضمان سلامة المنتجات الغذائية، كلفت مخابر المركز الجزائري لمراقبة النوعية والرزم بإجراء تحاليل مخبرية على عدة عينات من البطيخ الأحمر تم اقتطاعها من مختلف أحواض الإنتاج وأسواق الجملة التابعة لشركة “ماغرو” عبر عدد من ولايات الوطن.
وأضافت أن التحاليل استمرت أسبوعا كاملا باستخدام تقنيات مرجعية دقيقة ووفق المعايير والتنظيمات المعمول بها، وأسفرت عن “الغياب التام لأي بكتيريا ممرضة أو ضارة”، بما يؤكد السلامة الميكروبيولوجية لجميع العينات التي خضعت للفحص.
كما بينت النتائج أن نسب النترات المسجلة في جميع العينات كانت منخفضة جدًا وتقع ضمن المستويات الطبيعية والآمنة، وبعيدة عن أي تركيز يمكن أن يشكل خطرًا على صحة المستهلك أو يتسبب في آثار صحية.
واعتبرت وزارة التجارة أن هذه النتائج العلمية تنفي بشكل قاطع الادعاءات المتداولة عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي بشأن احتواء البطيخ الأحمر على نسب مرتفعة من مادة النترات، مؤكدة أن تلك المزاعم لا تستند إلى أي أساس علمي أو مرجعي.
وجددت الوزارة دعوتها إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة، مؤكدة أن مصالحها تواصل عمليات الرقابة والتحليل بصورة دورية عبر كامل التراب الوطني لضمان سلامة المنتجات المعروضة للاستهلاك.
كما شددت على أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يروج لمعلومات كاذبة أو مضللة من شأنها المساس بالمنتج الوطني والإضرار بمصالح الفلاحين والاقتصاد الوطني.
وفي أول رد فعل على بيان وزارة الداخلية، أصدرت المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه بيانًا توضيحيًا أكدت فيه احترامها الكامل لمؤسسات الدولة وقرارات السلطات العمومية.
وأوضحت المنظمة أن جميع تدخلاتها الأخيرة كانت منطلقة من هدف واحد يتمثل في الدفاع عن المنتوج الفلاحي الوطني وتعزيز ثقة المستهلك فيه والتصدي للإشاعات والمعلومات غير المؤكدة التي قد تلحق ضررًا بالاقتصاد الوطني والفلاح الجزائري، مؤكدة أنها لم تقصد بأي حال من الأحوال تعظيم مهامها أو الحلول محل الهيئات والإدارات المختصة أو تجاوز صلاحياتها القانونية.
وأضافت أنها سعت منذ تأسيسها إلى أن تكون شريكًا للمؤسسات العمومية في ترقية ثقافة الاستهلاك الواعي ونشر المعلومة الصحيحة والمساهمة في حماية المستهلك والمنتج الوطني، في إطار ما يسمح به القانون.
وكان رئيس هذه المنظمة، مصطفى زبدي قد نشر في وقت سابق مقاطع فيديو دعا فيه المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الإشاعات، مؤكدًا أن تقييم سلامة المنتجات الفلاحية لا يتم عبر مقاطع الفيديو أو المنشورات، وإنما بواسطة تحاليل مخبرية تنجز داخل مخابر معتمدة وتحت إشراف الجهات المختصة، مع التحذير من تعميم حالات فردية -إن وجدت- على كامل الإنتاج الوطني لما لذلك من آثار اقتصادية على شعبة تضم آلاف الفلاحين.
لكن السلطات رأت على ما يبدو في هذه التدخلات إذكاء للجدل حول شائعة التسممات، وهو ما أظهرته التحفظات الواردة عمل الجمعية في بيان وزارة الداخلية.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من حالة واسعة من الجدل أثارتها منشورات ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي ربطت بين استهلاك البطيخ الأحمر وحالات تسمم غذائي بمادة النيترات، إلى جانب مزاعم تتعلق باستعمال مياه ملوثة أو مواد كيميائية محظورة في زراعته، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في الإقبال على شراء هذه الفاكهة خلال ذروة موسم الجني.
ولم يجد كثير من الفلاحين وسيلة للرد على تلك الإشاعات سوى النزول إلى حقولهم وبساتينهم، حيث نشروا مقاطع فيديو مباشرة أظهروا فيها كميات كبيرة من البطيخ المتكدس، مؤكدين أن منتوجهم أصبح مهددًا بالكساد بسبب تراجع الطلب.
وعمد عدد منهم إلى شق ثمار البطيخ أمام الكاميرات وتناولها مباشرة لإثبات سلامتها، بينما دعا آخرون المواطنين إلى التوجه نحو الحقول وأخذ البطيخ مجانًا قبل تلفه، تفاديًا لتحمل خسائر إضافية.
وفي مواجهة هذه الإشاعات، سارعت السلطات المحلية في عدد من الولايات، خصوصًا بولاية باتنة التي انتشرت فيها المزاعم بشكل واسع، إلى التأكيد أن المؤسسات الصحية لم تسجل حالات تسمم مرتبطة باستهلاك البطيخ الأحمر، داعية المواطنين إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة.
كما أوضحت مصالح التجارة أن بعض الإجراءات المتخذة، مثل منع بيع البطيخ الأحمر بعد تقطيعه إلى أجزاء، تدخل في إطار الوقاية من التلوث الغذائي ولا تعني وجود مشكلة في الفاكهة نفسها، وإنما تهدف إلى الحد من تعرضها للبكتيريا والجراثيم بعد إزالة القشرة الواقية، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
وتكتسي هذه القضية أهمية اقتصادية خاصة بالنظر إلى مكانة الجزائر في إنتاج البطيخ الأحمر، إذ تتصدر الدول الإفريقية في هذه الشعبة، وتحتل المرتبة الرابعة عالميًا بإنتاج تجاوز 2.
5 مليون طن خلال سنة 2024، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، وهو قطاع يمثل مصدر دخل لآلاف الفلاحين والعمال الموسميين، ما يجعل أي تراجع في الطلب ينعكس مباشرة على نشاطه الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك