اصيلة ـ “القدس العربي”: تحولت تجربة جداريات أصيلة إلى محور نقاش خلال ندوة “جداريات أصيلة: نحو هوية بصرية للمدينة”، التي احتضنتها اخيرا فعاليات الدورة الصيفية السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، حيث استعاد المشاركون مسار هذا المشروع الذي رافق المدينة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وناقشوا الأدوار التي اضطلع بها في ترسيخ هوية أصيلة البصرية والثقافية، إلى جانب استشراف السبل الكفيلة بالحفاظ على هذا المنجز واستمرار إشعاعه.
وأجمع الفنانون والباحثون والمهتمون بالشأن الثقافي على أن الجداريات لم تعد مجرد أعمال تشكيلية تنتشر على جدران المدينة، بل أصبحت أحد أبرز رموزها، وعلامة فارقة في مشروعها الثقافي، بعدما أسهمت في صناعة ذاكرة جماعية، وربطت بين الفن والحياة اليومية، وحولت الفضاء العمومي إلى مساحة مفتوحة للحوار والإبداع.
وأكد المتدخلون أن المحافظة على هذا الإرث تفرض احترام المبادئ التي قامت عليها التجربة منذ انطلاقتها، وفي مقدمتها جودة الاختيار، والانسجام مع المعمار المحلي، واحترام خصوصية المدينة، محذرين من أن أي خروج عن هذه الضوابط قد ينعكس سلباً على الصورة التي راكمتها أصيلة عبر عقود، ويحول الجدران من فضاءات للإبداع إلى مشاهد للفوضى البصرية.
وفي افتتاح الندوة، أبرز حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن المدينة ارتبط اسمها بالجداريات منذ انطلاق موسم أصيلة الثقافي الدولي سنة 1978، موضحاً أن هذه التجربة لم تكن مبادرة ظرفية لتجميل الأزقة والساحات، وإنما جاءت في إطار مشروع ثقافي متكامل جعل من الفن العمومي أحد أعمدة التنمية الثقافية بالمدينة.
وأوضح البطيوي أن الجداريات أعادت صياغة العلاقة بين الفنان والمجتمع، بعدما خرجت بالأعمال الفنية من فضاءات العرض التقليدية إلى الشارع، حيث أصبحت متاحة أمام الجميع، وأضحت جزءاً من المشهد اليومي الذي يتقاسمه السكان والزوار على حد سواء.
وأضاف أن المدينة استطاعت، بفضل هذا المشروع، أن تبني لغة بصرية خاصة بها، تقوم على التنوع والانفتاح، إذ استقبلت عبر سنوات طويلة فنانين من مدارس تشكيلية مختلفة ومن بلدان متعددة، أسهموا في إثراء التجربة، مع الحفاظ على روح المكان وخصوصيته.
وأشار إلى أن كل موسم كان يضيف صفحة جديدة إلى الذاكرة البصرية للمدينة، حتى أصبحت الجدران شاهدة على تاريخ طويل من الإبداع والحوار الثقافي، الأمر الذي منح أصيلة شخصية متميزة، وجعلها تحظى بمكانة خاصة بين المدن التي جعلت الثقافة جزءاً من هويتها.
وأكد البطيوي أن وصف أصيلة بمدينة الفنون لم يأت من فراغ، بل يستند إلى تجربة متواصلة نجحت في جعل الإبداع حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، ورسخت قناعة بأن الثقافة يمكن أن تكون أداة للتنمية، ولتحسين صورة المدينة وتعزيز جاذبيتها.
من الفن إلى التربية والمواطنةولم يقتصر أثر الجداريات، بحسب البطيوي، على الجانب الجمالي، بل امتد إلى ترسيخ قيم احترام الفضاء العمومي، إذ ساعدت هذه الأعمال على نشر ثقافة المحافظة على الجدران والأزقة والساحات، باعتبارها فضاءات تحمل قيمة ثقافية مشتركة.
وأوضح أن الأجيال التي نشأت في أصيلة اعتادت رؤية الفنانين وهم ينجزون أعمالهم في الهواء الطلق، الأمر الذي أسهم في تكوين ذائقة بصرية لدى الأطفال والشباب، ورسخ لديهم الإحساس بأن الجمال مسؤولية جماعية، وأن نظافة المدينة والعناية بمرافقها جزء من احترام الإنسان لبيئته.
وأضاف أن هذه التجربة انعكست كذلك على مكانة أصيلة الثقافية والسياحية، حيث أصبحت المدينة تستقطب المهتمين بالفنون من داخل المغرب وخارجه، مقدمة نموذجاً يؤكد أن الاستثمار في الثقافة يمكن أن يكون مدخلاً للتنمية المستدامة.
وختم مداخلته بالتأكيد على أن الاحتفاء بالجداريات هو احتفاء بمشروع ثقافي آمن منذ بدايته بأن الفن ليس ترفاً، وإنما وسيلة لبناء الوعي، وتعزيز قيم الانفتاح، وصناعة مستقبل المدينة.
من جانبه، تحدث الفنان التشكيلي عبد الكريم الوزاني عن علاقته بموسم أصيلة، مشيراً إلى أن مشاركاته في إنجاز الجداريات ساعدته على تطوير رؤيته الفنية، وجعلته يدرك خصوصية الاشتغال على الجدار مقارنة باللوحة التقليدية.
وأوضح أن الجدارية تفرض على الفنان التفكير في طبيعة المكان والجمهور المحيط به، وهو ما يمنحها أبعاداً مختلفة، مؤكداً أن أصيلة قدمت نموذجاً فريداً من خلال الجمع بين الإبداع الفني والتربية الجمالية، خاصة عبر الورشات المخصصة للأطفال.
وأضاف أن العمل الفني الناجح لا يحتاج إلى تفسير مطول، لأن رسالته تصل إلى المتلقي عبر عناصره البصرية، وهو ما يجعل الحوار بين العمل والجمهور أكثر تلقائية.
أما الفنان التشكيلي بوزيد بوعبيد، فأكد أن أصيلة كانت دائماً مصدر إلهام له، معتبراً أن الفنان لا يأتي إليها ليضيف إليها الجمال، وإنما ليستلهم من جمالها الطبيعي والمعماري ما ينعكس على أعماله الفنية.
كما استحضر الراحل محمد بن عيسى، مشيراً إلى أن المشروع الذي أسسه لا يزال يواصل مساره، وأن استمراريته تمثل أفضل تكريم للرؤية التي جعلت الثقافة في قلب التنمية المحلية.
مدينة تصنع الذائقة الفنيةبدوره، أوضح الفنان السوري خالد الساعي أن علاقته بأصيلة تعززت عبر مشاركاته المتكررة في الموسم، مؤكداً أن المدينة كانت في كل مرة تمنحه تجربة جديدة، وتفتح أمامه آفاقاً مختلفة للإبداع.
وأشار إلى أن ما يميز جداريات أصيلة هو أنها تسمح لكل فنان بالحفاظ على بصمته الخاصة، مع احترام الانسجام العام الذي يطبع المدينة، وهو ما منح التجربة ثراءً بصرياً دون أن تفقد وحدتها.
وأضاف أن تراكم هذه الأعمال عبر السنوات ساعد على تكوين ذائقة فنية لدى أبناء أصيلة، الذين أصبحوا أكثر قرباً من الفنون التشكيلية وأكثر قدرة على التفاعل معها.
من جهته، اعتبر الفنان محمد مرابطي أن أصيلة تمثل مدرسة حقيقية للفن، موضحاً أن نجاح تجربة الجداريات ارتبط أيضاً بما تتميز به المدينة من نظافة وعناية بالمجال العام، لأن البيئة الجميلة تشكل أساساً لازدهار الإبداع.
وأكد مرابطي أن الجداريات لم تقتصر على تزيين الجدران، بل ساهمت في فتح حوار مستمر بين الفنان والمتلقي، وفي نشر الثقافة البصرية داخل المجتمع.
الحفاظ على الفكرة قبل الجداريةفي نهاية الندوة، شددت الباحثة في الجماليات شروق المليحي على أن القيمة الحقيقية لجداريات أصيلة لا تكمن فقط في الأعمال المنجزة، بل في الفلسفة التي قامت عليها التجربة منذ بدايتها.
واستحضرت المليحي ذكريات طفولتها في المدينة، عندما كانت تتابع الفنانين وهم يرسمون الجداريات، معتبرة أن تلك المشاهد شكلت مدرسة مفتوحة تعلم فيها أطفال أصيلة معنى الفن والإبداع، من خلال الاحتكاك المباشر بالفنانين ومراقبة مراحل إنجاز الأعمال.
وأضافت المليحي أن الأطفال لم يكونوا مجرد متفرجين، بل شاركوا الفنانين تفاصيل العمل، وطرحوا الأسئلة، واكتسبوا معرفة فنية ساهمت في تكوين وعيهم الجمالي.
وأكدت أن نجاح التجربة يعود إلى اعتمادها على رؤية ثقافية واضحة، تقوم على اختيار الفنانين بعناية، واحترام الفضاء المعماري، والتنسيق بين الأعمال، بما يضمن الحفاظ على هوية المدينة.
وفي ختام مداخلتها، دعت المليحي إلى مواصلة تجربة الجداريات بروحها الأصلية، معتبرة أن حماية هذا الإرث لا تتحقق بإضافة أعمال جديدة فقط، وإنما بالحفاظ على الفكرة التي صنعت نجاحه، والعمل على احترام ذاكرة المكان، حتى تبقى جدران أصيلة شاهدة على الفن والثقافة والجمال، لا على الفوضى أو الارتجال، ويظل هذا المشروع نموذجاً عربياً وإفريقياً في توظيف الإبداع لبناء هوية المدن وتعزيز حضورها الثقافي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك