حين يتحول الإنكار إلى هلع سياسي ودبلوماسي*العلم الإلكترونية: بوشعيب حمراوي*لم يعد القلق الذي يسكن النظام الجزائري مجرد انزعاج دبلوماسي عابر من انتصار جديد يحققه المغرب في ملف وحدته الترابية، ولم يعد الأمر يتعلق فقط بتصريح صادر عن وزير أوروبي، أو بموقف تتخذه دولة إفريقية، أو بقنصلية جديدة تفتح أبوابها في العيون أو الداخلة.
ما يعيشه النظام الجزائري اليوم أقرب إلى حالة هلع استراتيجي متواصل، بعدما بدأت الأسس التي بنى عليها مشروعه الانفصالي تتهاوى تباعاً، وبعدما أصبحت الدبلوماسية المغربية تحقق مكاسب نوعية داخل المؤسسات الدولية، وفي العواصم المؤثرة، وعلى امتداد القارة الإفريقية.
لقد أنفقت الجزائر طيلة عقود أموالاً ضخمة، وسخرت مؤسساتها وإعلامها وعلاقاتها الخارجية، وربطت جزءاً كبيراً من شرعية نظامها السياسي بإدامة النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
لم يكن الأمر مجرد تعاطف مزعوم مع حق الشعوب في تقرير المصير، كما تحاول الآلة الدعائية الجزائرية تسويقه، بل كان مشروعاً سياسياً وأمنياً يستهدف إضعاف المغرب ومحاصرته ومنعه من استكمال وحدته الترابية وبناء عمقه الإفريقي.
لكن الرياح الدولية لم تجرِ بما اشتهته الجزائرفمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 لم يعد مجرد وثيقة مغربية معروضة على الأمم المتحدة، بل أصبح محور المسار السياسي الأممي، وأساساً للمفاوضات، وخياراً توصف واقعيته وجديته ومصداقيته من طرف عدد متزايد من الدول الكبرى.
وجاء القرار الأممي رقم 2797، الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، ليحدث تحولاً نوعياً في لغة الأمم المتحدة وتعاطيها مع النزاع، إذ دعا إلى إجراء المفاوضات انطلاقاً من مقترح الحكم الذاتي المغربي، وأقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق.
القرار نقل الملف من مرحلة البحث عن حلول نظرية متساوية إلى مرحلة جعل المبادرة المغربية مركز العملية السياسية ومرجعيتها الأساسية.
وهو تحول عميق يصعب على الجزائر إخفاء خطورته خلف ضجيج بياناتها وتصريحاتها المتوترة.
إن الرعب الحقيقي الذي يسكن النظام الجزائري نابع من إدراكه أن ملف الصحراء المغربية لم يعد يتحرك داخل الدائرة التي كان يسيطر عليها في السابق، وأن الأمم المتحدة نفسها بدأت تتجه نحو الواقعية السياسية، وأن الدول المؤثرة لم تعد مستعدة لإبقاء المنطقة رهينة مشروع انفصالي مستحيل التطبيق ومكلف أمنياً وتنموياً.
وما يزيد هذا الهلع حدة هو ما يجري بين المغرب وفرنسا؛ من لقاءات سياسية وحكومية متلاحقة، وتنسيق اقتصادي وأمني واستراتيجي، وتحضير لمعاهدة غير مسبوقة يُنتظر أن يجري توقيعها خلال زيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا.
إن الجزائر لا ترى في هذه التطورات مجرد تقارب بين دولتين، بل ترى فيها اكتمال طوق سياسي ودبلوماسي قد ينهي ما تبقى من أوهام مشروعها الانفصالي.
القرار 2797… الزلزال الذي غيّر قواعد النزاعمثّل القرار رقم 2797 لحظة فارقة في مسار قضية الصحراء المغربية، لأنه لم يكتف بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة «المينورسو»، بل أدخل تحولاً واضحاً في جوهر المقاربة الأممية.
فقد أكد القرار دعم مجلس الأمن للأمين العام ومبعوثه الشخصي من أجل تسهيل المفاوضات، على أن تتخذ هذه المفاوضات من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً لها، بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ودائم ومقبول من الأطراف.
كما دعا القرار إلى الدخول في المناقشات دون شروط مسبقة، واعترف بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق.
وهذه الصياغة ليست مجرد تعديل لغوي أو تفصيل دبلوماسي.
إنها انتقال من الغموض الذي طبع قرارات سابقة إلى تحديد واضح للاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه العملية السياسية.
لقد أصبح مقترح الحكم الذاتي محور التفاوض، بينما تحولت الأطروحات الأخرى إلى مقترحات مطالبة بالتفاعل معه وتقديم إضافات بناءة حوله، لا إلى مسارات متوازية تنافسه.
وقد اعتمد القرار بأحد عشر صوتاً مؤيداً، مقابل امتناع روسيا والصين المفروض أنهما حليفتان للجزائر ويمتلكان حق النقد الفيتو.
كما امتنعت باكستان التي تعيش حدودها وضع مشابها وتخاف أن يفسر تصويتها بالنفي أو الايجاب بشكل خاطئ لذا جيرانها.
فيما امتنعت الجزائر حتى عن المشاركة في التصويت امام استغراب ممثلي كل الدول.
وهو موقف يعكس حجم المأزق الذي وجدت نفسها فيه.
فلم تستطع منع صدور القرار، ولم تستطع حشد أغلبية لمواجهته، ولم تملك حتى القدرة السياسية على المشاركة في التصويت ضده وتحمل نتائج عزلتها.
لقد كانت الجزائر تراهن على إدامة الملف داخل حلقة مغلقة: وقف إطلاق نار هش، بعثة أممية دائمة، حديث متكرر عن استفتاء ثبت استحالة تنظيمه، ومفاوضات متوقفة يمكنها استغلالها لتبرير استمرار دعمها لجبهة البوليساريو.
لكن القرار 2797 ضرب هذه المعادلة في العمق، لأنه دفع الملف نحو حل سياسي واقعي، وربط العملية التفاوضية بمبادرة محددة تضمن للسكان تدبير شؤونهم في إطار السيادة المغربية.
ومن هنا يمكن فهم حالة الارتباك الجزائريفالنظام الذي ظل يردد أن الحكم الذاتي مجرد اقتراح مغربي مرفوض، وجد نفسه أمام مجلس الأمن يدعو إلى التفاوض على أساسه.
والنظام الذي كان يراهن على إعادة عقارب الساعة إلى السبعينيات، اكتشف أن المجتمع الدولي يتقدم نحو حل يقوم على الواقعية والاستقرار ووحدة الدول.
تقتضي الأمانة السياسية والصحفية التوضيح بأن مجلس الأمن لم يصف في نص القرار 2797 الحكم الذاتي بأنه «الحل الوحيد» بصورة حرفية وقاطعة.
لكن القراءة السياسية لمضمون القرار تقود إلى نتيجة لا تقل أهمية، وهي أن الحكم الذاتي أصبح الأساس العملي للمفاوضات، وأن مجلس الأمن وصفه بالحل الأكثر قابلية للتحقق.
وهذا يعني أن المقترحات الانفصالية فقدت كثيراً من وزنها، وأن فرضية إنشاء كيان جديد في المنطقة أصبحت بعيدة عن منطق المجتمع الدولي ومصالحه الأمنية والاستراتيجية.
لقد أدركت الدول الكبرى أن منطقة الساحل وشمال إفريقيا لا تحتاج إلى مزيد من الكيانات الهشة والحدود المتوترة، وأن خلق دولة مصطنعة فوق التراب المغربي لن يؤدي إلى الاستقرار، بل سيفتح الباب أمام الإرهاب والتهريب والتدخلات الأجنبية والصراعات القبلية.
وتكرس هذا الاتجاه عندما أعلنت فرنسا أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الأساس الوحيد للتوصل إلى سلام عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
وقد جددت وزارة الخارجية الفرنسية هذا الموقف رسمياً يوم 9 يوليوز 2026، مؤكدة أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ترسم الطريق نحو السلام، وأنها تشكل بالنسبة إلى فرنسا القاعدة الوحيدة للوصول إليه.
وهنا تتضح خطورة التطورات بالنسبة إلى الجزائرفالقرار الأممي يجعل الحكم الذاتي أساس المفاوضات، بينما فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن تصفه بالأساس الوحيد للحل.
والولايات المتحدة سبقت إلى موقف مشابه، فيما تتسع دائرة الدول المؤيدة للسيادة المغربية أو للمبادرة المغربية.
وبذلك تتحول الرؤية المغربية من اقتراح وطني إلى اتجاه دولي متصاعد، بينما تنكمش الأطروحة الانفصالية داخل دائرة الجزائر والبوليساريو وبعض الأطراف القليلة التي تتحرك بمنطق أيديولوجي قديم.
النظام الجزائري يشاهد مشروعه الاستراتيجي يتفككلا يمكن فهم الهلع الجزائري دون العودة إلى المكانة التي احتلتها قضية الصحراء المغربية داخل العقيدة السياسية والعسكرية للنظام الجزائري.
لقد جرى تحويل النزاع إلى قضية داخلية جزائرية، رغم تكرار النظام أنه ليس طرفاً مباشراً فيه.
فالجزائر تستضيف قيادة البوليساريو، وتحتضن مخيمات تندوف، وتقدم الدعم المالي والعسكري والسياسي والدبلوماسي للجبهة، وتعارض أي حل لا يؤدي إلى فصل الأقاليم الجنوبية عن المغرب.
وكلما حقق المغرب مكسباً، ردت الجزائر بمزيد من التوتر والتصعيد وقطع العلاقات وإغلاق الحدود والمجال الجوي وإطلاق حملات إعلامية ودبلوماسية.
لكن المشكلة التي تواجه النظام الجزائري اليوم أن المغرب لم يعد معزولاً، وأن مواقفه لم تعد تُفهم على أنها مجرد خطاب وطني موجه للاستهلاك الداخلي.
لقد استطاع المغرب تحويل أقاليمه الجنوبية إلى فضاء للتنمية والاستثمار والموانئ والطرق والمشاريع الطاقية، بينما تحولت مخيمات تندوف إلى عنوان للانتظار والحرمان والانغلاق السياسي.
كما استطاع إقناع عدد متزايد من الدول بأن الحكم الذاتي ليس تنازلاً شكلياً، بل صيغة واقعية تحفظ كرامة السكان وخصوصيتهم وتمنحهم مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، داخل الدولة المغربية.
وعندما يقارن المجتمع الدولي بين مشروعين، أحدهما يقوم على التنمية والاستقرار والحكم المحلي، والآخر يقترح إنشاء كيان ضعيف تحيط به الأزمات من كل جانب، يصبح الاختيار السياسي واضحاً.
وهذا ما يرعب النظام الجزائري: أن يخسر المعركة ليس بسبب قوة خصمه وحده، بل بسبب ضعف منطقه وانكشاف تناقضاته.
فرنسا تغادر المنطقة الرمادية وتدخل قلب الشراكة مع المغربكان التحول الفرنسي من أكثر التطورات إيلاماً بالنسبة إلى الجزائر.
ففرنسا ليست دولة أوروبية عادية في الحسابات الجزائرية.
إنها القوة الاستعمارية السابقة، وعضو دائم في مجلس الأمن، وشريك اقتصادي وأمني مؤثر في شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
وكانت الجزائر تراهن لسنوات على استمرار التردد الفرنسي، وعلى حفاظ باريس على صياغات دبلوماسية تسمح لها بالتوازن بين الرباط والجزائر.
لكن فرنسا حسمت موقفها منذ رسالة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس سنة 2024، عندما أكدت أن حاضر الصحراء ومستقبلها يقعان تحت السيادة المغربية، وأن مخطط الحكم الذاتي هو الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يظل الموقف الفرنسي مجرد رسالة سياسية، بل بدأ يترجم إلى إجراءات وزيارات واتفاقات ومشاريع شملت الأقاليم الجنوبية المغربية.
وقد رفعت زيارة الرئيس ماكرون للمغرب في أكتوبر 2024 العلاقات بين البلدين إلى مستوى «الشراكة الاستثنائية المعززة»، وجرى توقيع سلسلة من الاتفاقات في مجالات الطاقة والصناعة والنقل والفلاحة والتعليم والثقافة والبحث العلمي.
لم تعد فرنسا تنظر إلى المغرب بصفته مجرد جار جنوبي للاتحاد الأوروبي أو سوق اقتصادي مهم، بل باعتباره قوة إقليمية مستقرة، وبوابة نحو إفريقيا، وشريكاً في الأمن والطاقة والهجرة والصناعة والاستثمار.
وقد أكدت باريس رسمياً أن المغرب يمثل مركزاً مالياً ولوجستياً يربط فرنسا بجزء واسع من القارة الإفريقية، في وقت توسع فيه الحضور المغربي في غرب إفريقيا والساحل من خلال الأبناك والاتصالات والأسمدة والبنيات التحتية والاستثمارات.
وهذا التحول يصيب النظام الجزائري في نقطة شديدة الحساسية، لأن الجزائر كانت تريد أن تبقى بوابة فرنسا الأساسية نحو الساحل وإفريقيا، وأن تستعمل موقعها وطاقتها وعلاقاتها التاريخية لفرض نفسها على باريس.
لكن فرنسا بدأت تكتشف أن الشريك الحقيقي ليس من يهدد ويبتز ويستحضر الماضي الاستعماري كلما اختلف مع باريس، بل من يقدم رؤية اقتصادية وأمنية مستقرة للمستقبل.
لقاءات حكومية كثيفة… وما وراء الوفد الفرنسي الكبير إلى المغربلا تقف العلاقات المغربية الفرنسية عند حدود التصريحات والرسائل الدبلوماسية.
فباريس أعلنت رسمياً أن وزير أوروبا والشؤون الخارجية سيرافق رئيس الوزراء الفرنسي وعدداً من الوزراء إلى الرباط في لقاء رفيع المستوى، وأن جميع عناصر العلاقة الثنائية ستكون مطروحة للنقاش.
ويعكس حجم الوفد الحكومي الفرنسي واتساع مجالات التعاون أن البلدين يتجهان إلى بناء علاقة مؤسساتية بعيدة المدى، تتجاوز تغير الحكومات والظروف السياسية المؤقتة.
فاللقاءات تشمل ملفات الصناعة الدفاعية والطيران والطاقة والانتقال البيئي والنقل والبحث العلمي والأمن والهجرة والاستثمار والتعاون الإفريقي.
والأهم من ذلك أن قضية الصحراء المغربية أصبحت جزءاً من البنية السياسية لهذه الشراكة، وليست ملفاً هامشياً تسعى باريس إلى تجنب الحديث عنه.
فالموقف الفرنسي بات واضحاً، وكل مسؤول فرنسي يزور المغرب أصبح مطالباً بالتعامل مع الأقاليم الجنوبية على أنها جزء من التراب المغربي، وبالنظر إلى المشاريع المقامة فيها باعتبارها فرصاً اقتصادية مشروعة.
وهذه النقلة هي ما يثير غضب الجزائرفالاعتراف السياسي الفرنسي عندما يقترن بالاستثمار والتنمية والوجود الاقتصادي في الصحراء، يتحول من موقف دبلوماسي إلى واقع مادي يصعب التراجع عنه.
الزيارة الملكية المرتقبة… معاهدة تاريخية ترعب الجزائرتعمل الرباط وباريس على إعداد زيارة دولة مرتقبة يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا، وهي زيارة يُنتظر أن تتوج بتوقيع معاهدة جديدة لتنظيم العلاقات بين البلدين على المدى البعيد.
وقد أكد وزيرا خارجية المغرب وفرنسا في ماي 2026 أن البلدين يحضران لمعاهدة هي الأولى من نوعها.
وأوضح ناصر بوريطة أنها ستكون أول معاهدة من هذا النوع يوقعها المغرب مع دولة أوروبية، بينما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إنها ستكون أول معاهدة من هذا النوع توقعها فرنسا مع دولة من خارج أوروبا.
ولم يُعلن رسمياً بعد عن تاريخ الزيارة الملكية، كما لم تنشر التفاصيل الكاملة للمعاهدة، ولذلك ينبغي عدم تقديم موعد أو مضامين غير معلنة باعتبارها حقائق نهائية.
لكن الإعلان الرسمي عن التحضير للزيارة والمعاهدة يكشف أن العلاقات تجاوزت مرحلة المصالحة بعد الأزمة، ودخلت مرحلة بناء تحالف استراتيجي طويل الأمد.
وهنا يصل القلق الجزائري إلى ذروتهفمعاهدة تاريخية بين المغرب وفرنسا تعني أن دعم باريس للوحدة الترابية المغربية لن يظل موقفاً مرتبطاً برئيس أو حكومة، بل قد يصبح جزءاً من هندسة تعاقدية واستراتيجية تشمل السياسة والأمن والاقتصاد وإفريقيا.
كما تعني أن فرنسا اختارت المغرب شريكاً محورياً خارج الاتحاد الأوروبي، وأنها تراهن على استقراره وقوته الصاعدة وموقعه الأطلسي والإفريقي.
بالنسبة إلى الجزائر، ليست المعاهدة ورقة بروتوكولية، بل إعلان عن تغيير عميق في موازين القوى الإقليمية.
لماذا يخشى النظام الجزائري التحالف المغربي الفرنسي؟يخشى النظام الجزائري هذه الشراكة لعدة أسباب مترابطة.
أولها أن فرنسا عضو دائم في مجلس الأمن، وأن دعمها الواضح للحكم الذاتي يعزز فرص ترسيخ القرار 2797 وتطوير اللغة الأممية في القرارات المقبلة.
وثانيها أن فرنسا قوة مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي، ويمكن أن تدفع عدداً أكبر من الدول الأوروبية إلى تبني موقف أكثر وضوحاً من قضية الصحراء المغربية.
وثالثها أن الشراكة الاقتصادية الفرنسية المغربية يمكن أن تمتد بقوة إلى الأقاليم الجنوبية، بما فيها الطاقة المتجددة والموانئ والصيد البحري والهيدروجين الأخضر والبنيات التحتية.
ورابعها أن التنسيق المغربي الفرنسي في إفريقيا والساحل يهدد ما تبقى من النفوذ الجزائري داخل المنطقة.
لقد تراجع الحضور الفرنسي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بينما حافظ المغرب على علاقاته مع دول الساحل وقدم لها المبادرة الملكية الأطلسية التي تهدف إلى تمكين الدول الحبيسة من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
وتدرك باريس أن العودة إلى الساحل لا يمكن أن تتم بالأساليب القديمة، وأن التعاون مع المغرب قد يمنحها مدخلاً اقتصادياً وتنموياً أكثر قبولاً من الوجود العسكري المباشر.
أما الجزائر، فتشاهد حدود نفوذها تتقلص، وتشاهد مالي وغيرها من دول الساحل تبحث عن شراكات جديدة لا تقوم على الوصاية السياسية.
مالي والساحل… جبهة أخرى تتساقط منها الأوراق الجزائريةلا ينفصل التقارب المغربي الفرنسي عن التحولات التي يشهدها الساحل.
فالجزائر التي اعتادت اعتبار مالي والنيجر ودول الجوار امتداداً لمجالها الحيوي، وجدت نفسها أمام أنظمة جديدة ترفض الوصاية، وتعيد تقييم اتفاقاتها وعلاقاتها الخارجية.
وقد حاولت الجزائر استعمال الحدود والوساطات الأمنية واتفاق الجزائر للسلام من أجل إبقاء مالي داخل دائرة نفوذها.
لكن باماكو انسحبت من الاتفاق، وتوترت علاقاتها مع الجزائر، ثم اتجهت إلى توسيع شراكاتها مع المغرب ودول أخرى.
وعندما أدركت الجزائر أن القطيعة قد تؤدي إلى خسارة مالي نهائياً، تحركت لإعادة العلاقات؛ ليس لأنها تخلت بالضرورة عن رغبتها في التأثير في القرار المالي، بل لأنها خافت من أن يتحول الفراغ الذي تركته إلى مكسب استراتيجي دائم للمغرب.
إن النظام الجزائري يرى المغرب يتقدم من الأطلسي نحو الساحل، ويرى فرنسا تضع الرباط في قلب رؤيتها الإفريقية، ويرى الحكم الذاتي يتحول إلى أساس أممي للمفاوضات.
وهذا التزامن هو الذي يصنع حالة الرعبفالأزمة بالنسبة إليه لم تعد خسارة معركة منفصلة، بل احتمال انهيار منظومة كاملة بُنيت على حصار المغرب وتمويل الانفصال والتحكم في دول الجوار.
إعلام الجزائر يصرخ لأن الدبلوماسية عاجزةكلما حقق المغرب انتصاراً دبلوماسياً، ارتفعت حدة الخطاب الإعلامي الجزائري.
تُستعمل عبارات المؤامرة والخيانة والاستعمار الجديد، وتُهاجم فرنسا والمغرب والدول الإفريقية، وتُقدم كل شراكة مغربية على أنها تهديد للجزائر.
لكن هذا الضجيج لا يستطيع إخفاء الحقيقة: الدبلوماسية الجزائرية عاجزة عن تقديم بديل مقنع.
فالجزائر لا تقدم لدول الساحل مشروعاً اقتصادياً متكاملاً، ولا منفذاً أطلسياً، ولا رؤية استثمارية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
إنها تقدم خطاباً أمنياً ومواقف سياسية وطلباً دائماً بالاصطفاف معها ضد المغرب.
أما الرباط فتقول للدول الإفريقية: لنبنِ الموانئ والطرق والأبناك والمصانع ومشاريع الأسمدة والطاقة والتكوين.
ولهذا يتقدم المغرب، ليس لأن كل الدول تعادي الجزائر، بل لأنها تجد في الشراكة المغربية مصالح ملموسة.
إن النظام الجزائري لا يرعبه فقط تأييد مغربية الصحراء، بل يرعبه أن ينجح المغرب في تقديم نموذج إقليمي أكثر جاذبية وفاعلية.
القرار 2797 ليس نهاية الطريق… لكنه بداية نهاية المشروع الانفصاليينبغي للمغرب ألا يسقط في وهم أن القضية حُسمت نهائياً، فالقرار 2797 لم ينه النزاع قانونياً، ولم يلغِ المسار الأممي، ولم يمنح حلاً نهائياً جاهزاً.
لكن القرار أحدث انقلاباً في اتجاه العملية السياسيةلقد جعل الحكم الذاتي أساس المفاوضات، واعتبره الخيار الأكثر قابلية للتحقق، ودعا الأطراف إلى الانخراط دون شروط مسبقة.
وبذلك لم يعد النقاش يدور حول تنظيم استفتاء بين الاستقلال أو الاندماج، بل حول كيفية بناء حل سياسي واقعي يضمن تدبيراً ذاتياً موسعاً في إطار السيادة المغربية.
إنه انتقال من الدفاع عن السيادة المغربية إلى التفاوض حول شكل الحكم الذاتي داخل هذه السيادة.
ولذلك فإن وصف القرار بأنه بداية نهاية المشروع الانفصالي ليس مبالغة، بشرط أن يواصل المغرب عمله الدبلوماسي والتنموي والقانوني، وأن يحول الدعم السياسي الدولي إلى اعترافات ومشاريع واتفاقات دائمة.
الجزائر ترتعد لأن المغرب لم يعد ينتظر اعترافاً… بل يصنع واقعاً دولياً جديداًلا يرتعد النظام الجزائري لأن المغرب أصدر بياناً قوياً، ولا لأن دولة صغيرة فتحت قنصلية في الصحراء، ولا لأن صحفاً دولية أشادت بمقترح الحكم الذاتي.
إنه يرتعد لأن سلسلة الأحداث باتت تكشف أن العالم يتغير من حوله، بينما بقي هو أسير عقيدة سياسية صيغت في زمن الحرب الباردة.
يرتعد لأن القرار الأممي 2797 جعل المقترح المغربي أساساً للعملية التفاوضية، واعترف بأن الحكم الذاتي الحقيقي هو الخيار الأكثر قابلية للتحقق.
ويرتعد لأن فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن والقوة الأوروبية والإفريقية المؤثرة، أعلنت بوضوح أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد للتوصل إلى حل.
ويرتعد لأن باريس والرباط لا تكتفيان بتبادل التصريحات، بل تحضران لمعاهدة تاريخية تؤسس لشراكة غير مسبوقة بين فرنسا ودولة من خارج أوروبا.
ويرتعد لأن الزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا قد تتحول إلى لحظة سياسية تعلن انتقال العلاقة من المصالحة إلى التحالف الاستراتيجي طويل الأمد.
ويرتعد لأن دول الساحل بدأت ترفض الوصاية الجزائرية وتبحث عن شراكات تفتح لها أبواب التنمية والمحيط الأطلسي.
ويرتعد لأن إفريقيا لم تعد تصدق خطاب الشعارات، بل أصبحت تبحث عن الاستثمار والتعاون واحترام السيادة.
لقد أرادت الجزائر أن تجعل من البوليساريو خنجراً دائماً في خاصرة المغرب، لكنها حولت الملف مع مرور العقود إلى عبء سياسي ومالي وأخلاقي فوق ظهرها.
وأرادت أن تحاصر المغرب في شمال إفريقيا، فاكتشفت أنه توسع داخل إفريقيا وأوروبا والأطلسي.
وأرادت أن تجعل فرنسا مترددة بين الرباط والجزائر، فاكتشفت أن باريس اختارت بناء شراكة استراتيجية واضحة مع المغرب.
وأرادت أن تظل مالي ودول الساحل تدور في فلكها، فاكتشفت أن هذه الدول بدأت تتمرد على الوصاية وتبحث عن مصالحها.
إن الرعب الذي يسكن النظام الجزائري اليوم ليس خوفاً من حرب عسكرية، بل خوف من هزيمة سياسية هادئة يصنعها المغرب بالصبر والاستمرارية والمشاريع والتحالفات.
فالمغرب لم يعد يطلب من العالم أن يصدقه فقط، بل يقدم له واقعاً يراه على الأرض: مدن تنمو، موانئ تُبنى، طرق تمتد، استثمارات تتدفق، ودول كبرى توقع اتفاقات طويلة الأمد.
أما الجزائر، فما تزال تقدم مشروعاً انفصالياً استُهلكت كل شعاراته، وفقد كثيراً من حلفائه، وتحول إلى مصدر توتر في منطقة تحتاج إلى الوحدة والتعاون.
ومع ذلك، فإن على المغرب ألا يركن إلى الاطمئنان.
فالنظام الجزائري، كلما ضاقت أمامه السبل الدبلوماسية، قد يرفع منسوب التصعيد الإعلامي والعسكري غير المباشر، أو يحاول تحريك جبهة البوليساريو، أو ممارسة الضغوط على دول الساحل وإفريقيا.
لذلك يجب أن يكون الرد المغربي أكثر ذكاءً وهدوءاً: تحصين المكاسب، تسريع التنمية في الأقاليم الجنوبية، توسيع التحالفات، إخراج المبادرة الأطلسية إلى أرض الواقع، وتعميق الشراكة مع فرنسا والولايات المتحدة وإفريقيا وأوروبا.
إن القرار 2797 لم يكتب السطر الأخير في قضية الصحراء المغربية، لكنه كتب سطراً لا تستطيع الجزائر محوه: لا مفاوضات جدية خارج المبادرة المغربية، ولا حل قابل للحياة خارج الحكم الذاتي، ولا مستقبل للأقاليم الجنوبية خارج السيادة المغربية.
أما المعاهدة المغربية الفرنسية المرتقبة، فإن تم توقيعها بالمستوى المعلن، فلن تكون مجرد اتفاق بين الرباط وباريس، بل شهادة سياسية على أن المغرب أصبح قوة شريكة، وأن وحدته الترابية باتت جزءاً من التوازنات الجديدة في المنطقة.
عندها سيدرك النظام الجزائري أن ما كان يسميه انتصاراً مؤجلاً للانفصال لم يكن سوى وهم طويل، وأن المغرب لم ينتصر بالصراخ ولا بالتهديد، بل انتصر لأنه عرف كيف يحول حقه التاريخي إلى واقع تنموي، وواقعه الوطني إلى قناعة دولية، وقناعته الدولية إلى تحالفات ومعاهدات لا تستطيع آلة الدعاية الجزائرية إسقاطها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك