لم تعد الهواتف الذكية مجرد أدوات اتصال في الحروب الحديثة، بل أصبحت مصدرًا للمعلومات الاستخباراتية وأحد المسارات التي يُمكن أن تكشف مواقع القوات وتحرّكاتها.
وكانت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أحدث فصول هذا النوع من الصراع، بعدما كشفت صحيفة" فاينانشال تايمز" عن محاولات لتعقّب هواتف أفراد عسكريين ومتعاقدين أميركيين في دول مجاورة، عبر بيانات اتصالات أظهرت محاولات متكررة لتحديد مواقع هواتف كانت تستخدم شبكات" تجوال" خارج شبكاتها الأصلية.
وبحسب الصحيفة، اعتمدت المحاولات المرتبطة بإيران على طريقتين مختلفتين لتعقب الأجهزة.
الأولى عبر شبكات الاتصالات من خلال استغلال طلبات تُعرف باسم" SS7 pings"، وهي رسائل تتبادلها شركات الاتصالات للسماح للهاتف بالاتصال بشبكات أخرى عند استخدام خدمة التجوال خارج البلد.
أما الطريقة الثانية، فاعتمدت على بيانات الإعلانات التجارية، إذ تحمل الهواتف معرّفات إعلانية فريدة تستخدمها التطبيقات وشركات التسويق لتحديد المستخدمين وعرض إعلانات موجهة وفق اهتماماتهم، ويمكن لهذه البيانات أن تكشف موقع جهاز معين أو مجموعة من الأجهزة عند تحليلها.
وتعتمد تقنية" SS7" على بروتوكول قديم يشكل جزءًا أساسيًا من بنية شبكات الهاتف المحمول منذ عقود.
وعندما ينتقل المستخدم إلى شبكة أخرى خارج بلده، تتبادل شركات الاتصالات هذه الرسائل للتعرف على الهاتف والسماح له بإجراء المكالمات واستخدام الخدمات.
لكن الجهات التي تمتلك وصولًا إلى هذه الشبكات يمكنها إساءة استخدام هذه الآلية للحصول على موقع تقريبي للهاتف، وأحيانًا اعتراض الرسائل أو الاتصالات.
ونقلت الصحيفة عن خبراء قولهم إن بعض محاولات التعقب التي رُصدت ارتبطت بمشغل اتصالات إيراني، وهو ما يشير إلى استهداف أجهزة محددة وليس جمع بيانات عشوائية.
ولا تحتاج هذه الأساليب إلى اختراق الهاتف نفسه، إذ تترك الأجهزة الحديثة وراءها ما يشبه بصمة رقمية يمكن جمعها وتحليلها، وتشمل هذه البصمة بيانات الاتصال بالشبكات، ومعلومات التطبيقات، ومعرّفات الإعلانات.
ومع تجميع هذه البيانات، يصبح من الممكن رسم أنماط حركة الأشخاص وتحديد أماكن وجود أجهزة معينة أو مجموعات من الأجهزة.
وأثارت هذه القدرات مخاوف في واشنطن، إذ حذر مشرعون أميركيون من مخاطر شراء جهات خارجية بيانات مواقع الهواتف التي تجمعها شركات الإعلانات والوسطاء التجاريون، معتبرين أن هذه المعلومات قد تكشف أماكن وجود العسكريين والموظفين الحكوميين وأنماط تحركهم.
" إطلاق برنامج لأمن البيانات"وقال السناتور رون وايدن والنائب بات هاريغان إن هذه البيانات يمكن أن تكشف أماكن تجمع القوات وأنماط تحركها، وطالبا وزارة الدفاع الأميركية باتخاذ إجراءات لمنع استغلالها.
ودفعت هذه المخاوف وزارة العدل الأميركية إلى إطلاق برنامج لأمن البيانات يهدف إلى الحد من وصول خصوم الولايات المتحدة إلى المعلومات الحساسة التي تجمعها الأنشطة التجارية، عبر منع أو تقييد بعض المعاملات التي قد تمنح دولًا تعتبرها واشنطن مصدر تهديد إمكانية الوصول إلى بيانات حكومية أو بيانات شخصية واسعة تشمل معلومات المواقع الجغرافية.
وفي الحرب الروسية الأوكرانية، ظهرت الاستخدامات العسكرية لهذه البيانات بشكل واضح، إذ وثّق تحليل نشره الجيش الأميركي اعتماد روسيا وأوكرانيا على إشارات الهواتف المحمولة لتحديد مواقع قوات الخصوم.
ويمكن لرصد تجمع عدد من الأجهزة في مكان واحد أن يكشف موقع وحدة عسكرية أو مركز عمليات، كما استُخدمت تطبيقات تجارية وأدوات رقمية لتحديد مواقع المعدات والتحركات العسكرية.
كما أشار تقييم بريطاني حديث لقدرات الاستخبارات العسكرية الروسية إلى استخدام وحدات سيبرانية تابعة للجيش الروسي أدوات رقمية لجمع معلومات جغرافية عن أهداف عسكرية أوكرانية، في إطار دمج القدرات السيبرانية مع العمليات الميدانية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك