مرّ عام على الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء، جنوبي سورية، والتي شكلت واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ المحافظة منذ اندلاع الثورة السورية.
ورغم توقف المواجهات العسكرية الواسعة، فإن تداعياتها السياسية والاجتماعية والأمنية ما تزال حاضرة، فيما تبدو العلاقة بين دمشق والسويداء أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، وسط تراجع الثقة واستمرار الانقسام الداخلي وغياب أي تسوية شاملة تعيد دمج المحافظة في المشهد السوري الجديد.
وشهدت السويداء، في يوليو/تموز الماضي، مواجهات دامية خلّفت عشرات القتلى والجرحى، ورافقتها انتهاكات واسعة واتهامات بارتكاب جرائم بحق المدنيين في السويداء من قبل عناصر أمن في الحكومة السورية، الأمر الذي عمّق الشرخ بين قطاع واسع من أبناء المحافظة والسلطة في دمشق.
كذلك برزت خلال تلك الفترة تدخلات إقليمية ودولية، وتزايد الحديث عن مشاريع سياسية مختلفة لمستقبل المحافظة، في وقت بقيت فيه الملفات الأساسية، مثل المحاسبة والتعويضات وضبط السلاح، معلقة من دون حلول واضحة.
ويرى الكاتب والباحث السياسي أدهم القاق، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن أبرز ما أفرزته أحداث العام الماضي هو اتساع الفجوة بين السويداء والدولة السورية، معتبراً أن المزاج الشعبي في المحافظة تغيّر بصورة كبيرة، نتيجة ما يعتبره الأهالي" مجازر وانتهاكات" لم يُحاسب مرتكبوها حتى اليوم.
ويقول القاق إن استمرار غياب المحاسبة سمح لقوى محلية وخارجية بتعزيز نفوذها داخل المحافظة، مضيفاً أن هذا الواقع خلق حالة من الجفاء المتزايد بين الحكومة وأهالي السويداء، في ظل شعور واسع بأن السلطات لم تُظهر جدية في معالجة أسباب الأزمة أو احتواء تداعياتها.
وأشار إلى أن قوى وشخصيات وطنية داخل السويداء لم تحظَ بأي اهتمام رسمي، رغم طرحها مبادرات للحوار مع دمشق.
وأضاف أن الحكومة حصرت تواصلها بأطراف محددة، الأمر الذي حدّ من فرص بناء شراكة أوسع مع القوى الاجتماعية والسياسية في المحافظة.
وكشف القاق أن مجموعة من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال قدمت مبادرة إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، تضمنت مقترحات لتشكيل لجان مشتركة بين الحكومة وأهالي السويداء، بهدف معالجة آثار الأحداث وفتح قنوات تواصل جديدة، إلا أن المبادرة لم تلقَ استجابة حتى الآن.
وبحسب القاق، فإن مستقبل الأزمة لا يزال غامضاً، إذ لا تبدو في الأفق مؤشرات حقيقية إلى تسوية قريبة، ورجّح استمرار الوضع القائم إلى حين التوصل إلى صيغة مصالحة يقبل بها أهالي المحافظة وتعيد صياغة علاقتهم مع السلطة.
ويؤكد الباحث السوري أن أي معالجة جدية يجب أن تبدأ بخطوات عملية، أبرزها تأمين الطرق، وتعويض المتضررين، ومحاسبة الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات موثقة خلال الأحداث، إضافة إلى حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، مع فتح حوار مع القوى الوطنية المحلية، وعدم الاقتصار على أطراف بعينها.
وعلى المستوى الشعبي، ما تزال آثار الأحداث حاضرةً بقوة في ذاكرة عائلات الضحايا.
ويقول أحمد مسعود، وهو أحد أبناء السويداء، لـ" العربي الجديد"، إن حجم القهر الذي خلّفته المجزرة لا يمكن اختصاره بكلمات، مضيفاً أن الحزن يبقى التعبير الأقرب لوصف مشاعر الأهالي بعد مرور عام.
ويضيف أن مرور الوقت لم يخفف من وطأة الألم، بل إن الوجع يتجدّد مع كل ذكرى، في ظل استمرار انتظار تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
كما أكد أن هذا الملف سيبقى مفتوحاً بالنسبة إلى عائلات الضحايا حتى تُنصف.
ويعرب مسعود عن أمله في أن تحمل السنوات المقبلة السلام لجميع السوريين، وأن يتمكن أبناء المحافظة من العيش بأمان واستقرار، مؤكداً أن مطالب الأهالي لا تتجاوز الحقوق الأساسية التي يطمح إليها أي شعب، وفي مقدمتها الأمن والعدالة والاستقرار.
في المقابل، يرى الصحافي المتحدر من السويداء نورس عزيز أن المحافظة لم تشهد تغيراً جوهرياً في ظروفها المعيشية، مؤكداً أن الأزمات التي تعاني منها اليوم تمتد جذورها إلى سنوات طويلة، بدءاً من سياسات النظام السابق، مروراً بالأحداث الأخيرة.
وقال عزيز لـ" العربي الجديد" إن جزءاً كبيراً من الشارع في السويداء بات يطالب بحق تقرير مصير المحافظة وتحديد شكل إدارتها مستقبلاً، سواء ضمن صيغة إدارة ذاتية أو أي نموذج سياسي آخر، مبرراً ذلك بانعدام الثقة بالسلطة الحالية لدى شريحة واسعة من السكان.
كما يرى أن كثيراً من أبناء المحافظة لا ينظرون إلى السلطة القائمة باعتبارها حكومة تمثل جميع السوريين، وهو ما يجعل استعادة الثقة، وفق رأيه، مرتبطة بإجراء تغييرات سياسية أوسع تضمن مشاركة مختلف المكونات السورية في إدارة البلاد.
وخلال عام كامل، لم تقتصر التحولات في السويداء على الجانب الأمني، بل امتدت إلى طبيعة الخطاب السياسي داخل المحافظة، إذ برزت بشكل أوضح مطالب تتعلق بشكل العلاقة مع دمشق، ومستقبل الإدارة المحلية، وآليات تقاسم السلطة، وهي ملفات كانت تُطرح سابقاً في نطاق أضيق، قبل أن تتحول إلى جزء من النقاش العام داخل المحافظة.
وفي المقابل، لا تزال الحكومة تؤكد تمسكها بوحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تقسيم أو إدارة خارج إطار الدولة، إلا أن غياب خطوات عملية لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية والمحاسبة وإعادة بناء الثقة، يجعل الطريق نحو تسوية مستدامة أكثر تعقيداً.
وبعد عام على أحداث السويداء، تبدو المحافظة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة؛ فلا الحرب انتهت آثارها بالكامل، ولا المصالحة بدأت فعلياً، فيما يبقى مستقبل العلاقة بين دمشق والسويداء مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، بما يفتح الباب أمام استقرار حقيقي يطوي واحدة من أكثر صفحات الصراع السوري حساسية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك