في 14 يوليو/ تموز 1944، سقطت سيارة كانت تقل أسمهان وصديقتها ماري قلادة في قناة مائية قرب مدينة المنصورة، خلال توجههما إلى مصيف رأس البر.
رحلت المغنية السورية وهي في الحادية والثلاثين، تاركة عددًا محدودًا من التسجيلات وفيلمين فقط، وسيرة اختلط فيها الفن بالسياسة والشائعات والحياة الشخصية المضطربة.
لم تكن مسيرة أسهمان طويلة أو منتظمة.
بدأت الغناء مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، ثم ابتعدت عنه فترات بسبب الزواج والانتقال بين مصر وسوريا، قبل أن تعود إلى القاهرة وتستعيد حضورها في الإذاعة والسينما.
ومع ذلك، بقي صوتها قادرًا على عبور الأجيال، كأن قصر التجربة جعل كل تسجيل منها أكثر حضورًا في الذاكرة.
من آمال الأطرش إلى أسمهانوُلدت آمال الأطرش عام 1912 لأسرة سورية تنتمي إلى آل الأطرش في جبل العرب.
انتقلت مع والدتها وإخوتها إلى مصر في طفولتها، ونشأت في بيت حضرت فيه الموسيقى إلى جانب شقيقها فريد الأطرش، الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الملحنين والمغنين العرب.
لفت صوتها انتباه الملحن داود حسني وهي لا تزال صغيرة.
وتروي المصادر الفنية أنه سمعها تردد أغنية لأم كلثوم، فأعجب بقدرتها على التقاط اللحن والأداء، وشجع أسرتها على السماح لها بالغناء، كما اختار لها اسم" أسمهان".
بدأت بعد ذلك تسجيل أغنيات وضع ألحانها داود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وفريد غصن وغيرهم.
ومنذ تسجيلاتها المبكرة، أظهرت قدرة واضحة على التحكم في اللحن والتنقل بين الطبقات والتعامل مع جمل موسيقية معقدة.
لم يستمر مسارها على وتيرة واحدة؛ إذ تزوجت الأمير حسن الأطرش وانتقلت إلى سوريا، قبل أن تنفصل عنه وتعود إلى القاهرة لاستئناف حياتها الفنية.
تركت هذه الانقطاعات أثرها في حجم إنتاجها، لكنها لم تمنع صوتها من بناء شخصية مستقلة خلال فترة قصيرة.
صوت لم يطمئن إلى قالب واحدلم تستمد أسمهان مكانتها من جمال الصوت وحده.
فقد جاءت فرادتها من قدرتها على الانتقال بين القوالب والأساليب من دون أن تفقد شخصيتها.
غنّت القصيدة والمونولوج والطقطوقة والأغنية السينمائية، وتعاملت مع الموسيقى الشرقية التقليدية، كما دخلت تجارب تأثرت بالأوركسترا والإيقاعات الغربية.
تميز صوتها باتساع مداه وقدرته على الانتقال بين القوة والنعومة، وبين التطريب والتعبير الدرامي.
كانت تستطيع الصعود إلى الطبقات المرتفعة من دون أن يتحول الأداء إلى استعراض منفصل عن معنى الكلمات، ثم العودة إلى جملة هادئة تحتفظ بوضوحها وإحساسها.
يتطلب اللحن مرونة كبيرة في الانتقال بين النغمات، وتحكمًا في النفس والزخارف الصوتية، وقدرة على التعامل مع الجملة الموسيقية بوصفها جزءًا من حالة درامية.
لم تبدُ أسمهان في هذا النوع من الألحان مجرد مؤدية لصوت قوي.
كانت تدخل في بناء العمل، وتمنح الجملة الموسيقية توترها أو حزنها أو خفتها بحسب طبيعة الكلمات واللحن.
أتاحت لها هذه المرونة العمل مع ملحنين من مدارس مختلفة، بينهم القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.
لم يحصرها اختلاف الأساليب في لون واحد، وإنما كشف في كل مرة مساحة جديدة من صوتها.
القصبجي وجد الصوت القادر على المغامرةشكّل محمد القصبجي محطة أساسية في تجربة أسمهان.
كان يعمل على توسيع بنية الأغنية العربية، مستخدمًا الأوركسترا والهارمونيا والتكوين الدرامي، مع الحفاظ على المقامات والزخارف الشرقية.
ووجد في صوت أسمهان مساحة قادرة على استيعاب هذه التجارب.
لهذا لا تبدو أغنيات أسمهان مع القصبجي تسجيلات قديمة محفوظة بسبب الحنين وحده.
ما زالت تحمل أثر لحظة كانت فيها الأغنية العربية تختبر أشكالًا جديدة، وكان صوتها واحدًا من الأصوات القليلة القادرة على دفع تلك التجربة إلى حدودها.
فريد الأطرش والسينما.
صوت اكتسب صورةكان فريد الأطرش الأكثر معرفة بمساحات صوت شقيقته.
نشأ الاثنان في البيت نفسه، وتشاركا البدايات والظروف العائلية الصعبة، قبل أن يلتقيا فنيًا في أعمال جعلت صوتيهما يتحاوران داخل بناء موسيقي واحد.
ظهرا معًا في فيلم" انتصار الشباب" عام 1941، أول أفلام أسمهان.
أتاح الفيلم لهما تقديم استعراضات غنائية طويلة جمعت بين الغناء والتمثيل والفرقة الموسيقية، ومنح الجمهور فرصة رؤية أسمهان بعدما كان يعرفها أساسًا من الأسطوانات والإذاعة.
جاء فيلمها الثاني" غرام وانتقام" عام 1944، وعُرض بعد وفاتها.
من خلاله قدمت" ليالي الأنس في فيينا"، من كلمات أحمد رامي وألحان فريد الأطرش، وهي الأغنية التي أصبحت لاحقًا من أكثر أعمالها شهرة.
قام اللحن على إيقاع قريب من الفالس، فيما احتفظ الأداء بالزخارف والمرونة الشرقية.
اختصرت الأغنية قدرة أسمهان على التحرك بين بيئتين موسيقيتين، من دون أن تبدو غريبة عن أي منهما.
مثّلت أسمهان في فيلمين فقط، لكن السينما منحتها ما لم تستطع التسجيلات الصوتية منحه وحدها: صورة نجمة تتحرك وتغني وتمثل أمام الجمهور.
ظهرت بأزياء عصرية وضمن مشاهد صُممت الأغنية لتكون جزءًا من عالمها، فارتبط الصوت بوجه وحضور ما زالا قابلين للاستعادة.
أحاطت بأسمهان، خلال حياتها وبعد وفاتها، روايات عن زيجاتها وعلاقاتها السياسية وأدوار أدتها خلال الحرب العالمية الثانية.
وثقت دراسات اتصالاتها بالبريطانيين والفرنسيين الأحرار وزعماء جبل العرب، فيما اختلفت الروايات حول حدود مهمتها ودوافعها ونتائجها.
بعد وفاتها، تحول حادث السيارة إلى مصدر دائم لنظريات الاغتيال.
وُجهت الاتهامات إلى جهات وشخصيات متعددة، من أجهزة الاستخبارات إلى القصر وخصومها الشخصيين، من دون ظهور دليل حاسم يثبت أن الحادث كان مدبرًا.
الثابت أن السيارة سقطت في قناة مائية يوم 14 يوليو/ تموز 1944، وأن أسمهان ومرافقتها ماري قلادة غرقتا، بينما نجا السائق.
أما ما عدا ذلك، فبقي مجالًا للروايات المتعارضة.
أسهم هذا الغموض في صناعة أسطورة أسمهان، لكنه حجب تجربتها الفنية أحيانًا.
أصبح سؤال" من قتل أسمهان؟ " مدخلًا متكررًا إلى سيرتها، كأن طريقة موتها أكثر أهمية من الطريقة التي غنت بها.
لا يكفي الرحيل المبكر وحده لتفسير استمرارها.
فما أبقاها هو اختلاف أدائها، ونوعية الألحان التي قدمتها، وقدرتها على مواكبة مرحلة كانت فيها الأغنية العربية تنتقل بين التخت والأوركسترا، وبين الطرب والسينما والإيقاعات الغربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك