اعتبر تاج الدين الحسيني، خبير العلاقات الدولية، أن مشاركة المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم في نهائيات كأس العالم 2026 شكلت محطة استثنائية عززت مكانة المغرب قاريا ودوليا، مؤكدا أن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على النتائج الرياضية؛ بل يتجاوزها إلى توظيف كرة القدم كأداة للدبلوماسية الموازية وتعزيز صورة المملكة، استعدادا للاستحقاقات الكبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030.
وأوضح الحسيني، ضمن برنامج “أبعاد استراتيجية”، أن المغاربة والعرب والأفارقة كانوا يفخرون ببلوغ “أسود الأطلس” مصاف أفضل ثمانية منتخبات في العالم، معتبرا أن هذا الإنجاز يظل غير مسبوق على المستويين العربي والإفريقي؛ لما يعكسه من تطور لافت لكرة القدم المغربية وقدرتها على منافسة كبار المنتخبات العالمية.
وتوقف الخبير في العلاقات الدولية عند مواجهة المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي، مشيرا إلى أن المباراة اتسمت بتفوق واضح للمنتخب الفرنسي، خلافا للمباريات السابقة التي قدم خلالها المنتخب الوطني مستويات كبيرة أمام منتخبات عالمية.
وأبرز المتحدث عينه أن الحارس ياسين بونو كان الاستثناء الأبرز في اللقاء، بعدما أظهر “براعة واستماتة لا مثيل لهما” وساهم في الحد من خطورة الهجوم الفرنسي، حسب تعبيره.
وفي معرض تحليله لأسباب تراجع الأداء، تساءل الحسيني عن الأسباب التي حالت دون تقديم المنتخب المغربي للمستوى الذي ظهر به في مباريات سابقة، متوقفا أيضا عند الجدل الذي رافق المباراة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت روايات تستند إلى نظرية المؤامرة.
وشدد ضيف برنامج “أبعاد استراتيجية” على أن الأداء الفرنسي في هذه المواجهة كان واضحا ولا يثير، في نظره، أي شكوك أو ارتياب؛ بالنظر إلى القوة الهجومية التي يمتلكها المنتخب الفرنسي بقيادة كيليان مبابي، والذي ظل مرشحا فوق العادة للمنافسة على اللقب.
وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى أن البعض استحضر سيناريو نصف نهائي مونديال قطر 2022، حين انتصر المنتخب الفرنسي على المغرب بالنتيجة ذاتها (2-0)؛ غير أنه اعتبر أن المقارنة بين المباراتين ليست دقيقة.
وأوضح أن مواجهة 2022 شهدت جدلا تحكيميا واسعا بسبب مطالبة المغاربة بركلتي جزاء لم تحتسب رغم الأداء القوي لـ”الأسود”؛ بينما اختلفت الظروف في المواجهة الأخيرة، حيث فرض المنتخب الفرنسي أفضليته بشكل واضح.
ورغم الإقصاء، أكد الحسيني أن المغرب لا يزال يحمل مسؤولية أخلاقية ورمزية، ليس فقط تجاه جماهيره؛ بل أيضا تجاه الشعوب العربية والإفريقية والإسلامية التي أصبحت ترى فيه ممثلها داخل النخبة العالمية لكرة القدم.
وأضاف أن هذه المسؤولية تتضاعف مع اقتراب موعد تنظيم كأس العالم 2030، الذي سيحتضنه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال؛ ما يفرض الحفاظ على المستوى التنافسي الذي بلغته الكرة الوطنية.
واعتبر خبير العلاقات الدولية أن الرياضة، رغم أهميتها، تبقى جزءا من استراتيجية شمولية للدولة ترتبط بقضايا أوسع، مثل ترسيخ الديمقراطية والحكامة الجيدة وتحقيق التنمية المستدامة؛ غير أنه شدد في المقابل على أن كرة القدم أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تعتمدها الدول لتعزيز حضورها الدولي.
وفي هذا السياق، دعا إلى اعتماد استراتيجية أكثر عمقا خلال السنوات الأربع المقبلة، ترتكز على تحديد أهداف واضحة، وضبط مراحل تنفيذها، مع التركيز على الانتقاء الجيد للمواهب، والتكوين المستمر، وتكثيف الاحتكاك بالمدارس والمنتخبات العالمية، معتبرا أن الفترة الفاصلة عن مونديال 2030 كافية لبناء منتخب أكثر جاهزية إذا تم استثمارها وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وختم الحسيني بالتأكيد على أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة رياضية؛ بل تحولت إلى رافعة أساسية للدبلوماسية الموازية، ووسيلة فعالة لتعزيز سياسة المكانة، والترويج لصورة المغرب في الخارج، وتشجيع السياحة، واستقطاب الاستثمارات؛ وهو ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع جزءا من الرؤية الاستراتيجية الشاملة للمملكة في أفق سنة 2030.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك