مثل كل عام منذ 80 سنة، ولمدة ثلاثة أسابيع، يرفرف مهرجان أفينيون للمسرح فوق المشهد الثقافي الفرنسي والعالمي معا، كونه أكبر حدثٍ ثقافي سنوي عالمي (حوالي 100 عرضٍ دولي in، وأكثر من 1500 عرضٍ محلي of من أنحاء العالم، وسلسلة من فعاليات ورشات الفكر، والندوات الثقافية والفنية المتنوعة).
مطمئن ومدهش فعلا صموده هذا العام، بل تمدد إشعاعه، في ظل تصاعد الأزمة المالية، وتقليص دعم النشاطات الفنية، وغزو اليمين المتطرف وقوى المال لمنصات الحياة الثقافية ودور نشرها، وهجومهما الشرس على كل ما لا يخضع لقيمها التي تكتسح المجتمع.
أحضر المهرجان شخصيا منذ عقود، باعتباره موعدا لتجديد نظاراتٍ أرى بها الحياة على نحوٍ أوسع وأعمق وأدق.
أكتب عن بعض فعالياته، وأدرك خلاله بأسى متصاعد، كم حياتنا الثقافية العربية سطحية في الغالب.
قشور في قشور.
لأبدأ تفنيد ذلك من البدء: اللغة-الضيف للمهرجان.
قد يبدو اختيار اللغة الكورية ضيف هذا العام غرائبيا، لمن توقع دعوة اللغة الصينية مثلا، بعد عام اللغة العربية الذي تلا عامي الإنكليزية والإسبانية (كتبت عن مهرجان العام الماضي مقالا في «القدس العربي» بعنوان: «اللغة العربية وفلسطين: جذوتا مهرجان أفينيون»).
لكنه اختيار حميد وصائب جدا.
لأشير أولا: اختيار اللغة – الضيف للمهرجان لا يشبه من قريبٍ أو بعيد ما اعتدنا عليه في معارض الكتب والمهرجانات العربية.
كنت في معرض كتابٍ عربي قبل أشهر كانت ضيفته إندونيسيا.
كل ما رأيته: صالة واسعة مطرزة بكتبٍ دينية عتيقة أو سياحية إندونيسية.
دعايات ومحاضرات للسفر إلى جزيرة بالي لقضاء شهر العسل.
في معرضٍ عربي سابقٍ له، كانت الصين هي الضيف.
كتب معروضة تعكس سياسة الدولة الصينية وأيديولوجيتها، إلى جانب فعاليات تسمح بكتابة اسم الزائر بالصينية، وتفاصيل صغيرة أخرى.
هذا كل ما بقي في ذاكرتي عن صين ذلك المعرض.
قبل هذا اليوم الثالث من حضوري مهرجان أفينيون، كنت أجهل كل شيءٍ عن كوريا ولغتها تقريبا، عدا ملاحظة التعلق الشديد بها من قبل طلابي الذين ذهبوا هناك لدوراتٍ تدريبية أو مهام بحث.
إذا كانت اللغة الكورية، رغم عراقتها، تبدو «معزولة»، وإن تشابهت أحيانا مع اليابانية، وعجت باستعارات صينية عديدة، فالقرن الخامس عشر كان قرن ولادةٍ جديدةٍ لها، بفضل الملك الكوري سيجونغ الذي أمر، بغية محو أمية شعبه، بابتكار أبجديةٍ جديدةٍ سهلةٍ لها (من دون اللجوء للكتابة الصينية، شديدة التعقيد).
عرفتْ هذه اللغة القمع والمنع أثناء الاستعمار الياباني حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم واكبت التمزق بين شطري كوريا بعد غزوهما من أمريكا من ناحية، والاتحاد السوفييتي من ناحية أخرى، قبل أن تصير اليوم، وهي تواكب طفرات وتحولات كوريا الجنوبية، لغة شديدة الإشعاع عالميا، زاخرة بأعمالٍ أدبية وفنية وسينمائيةٍ رائدة، وأدبيةٍ اكتسحت جوائز البوكر الدولية ونوبل للآداب.
حال وصولي ساحة «ورشة الفكر» في المهرجان، رأيت مكتبة أدبية كورية مترجمة، زاخرة ومعروضة للجميع.
وبرنامجا من عشرات المسرحيات والعروض الكورية، تشكل 20% من مجموع عروض الـ in لهذا العام!لم أستطع، منذ يومي الثاني في المهرجان، مقاومة رغبة الغوص في ثقافة هذه اللغة، إيمانا بأهم مبدأين في حياتي: «اعرف الآخر، تعرف نفسك! » و«أنا الآخر! » (الأول ابن الفلسفة الصينية، والثاني ابن مهرجان أفينيون).
ثلاثة عروض كورية أثْرتْ اليوم الثاني من حضوري، وفتحت لي آفاقا جديدة.
1) «سوكو» من إخراج جاها كوو، أولى ثلاثيةٍ مسرحيةٍ نقدية عن كوريا المعاصرة.
مسرحية ممتعة، تقود إلى تساؤلات كثيرة.
أبطالها: بجانب جاها كوو نفسه، الذي يعبر في المسرحية عن أوجاع كوريا الجنوبية المعاصرة، عن كل تداعيات أزماتها الاقتصادية التي تقود الشباب أحيانا إلى الانتحار بأرقامٍ مرموقة (في بلدٍ يستقبل اللاجئين من أنحاء العالم، بمن فيهم معذبو اليمن)، هناك ثلاثة أجهزةٍ صغيرة لطهي الأرز تتحدث وتدخل في جدلٍ وصراعات في ما بينها، كما تجيد حبك ذلك، على نحوٍ ممتع، بعض ثقافات شرق آسيا.
2) «قصة جزيرة» من إخراج كوينج-سونج لي، تدور حول تراجيديا عاشتها جزيرة جيجو في «جمهورية كوريا»، عقب الاحتلال الياباني، عندما أطلق بوليس النظام الديكتاتوري النار على المتظاهرين، وما تلاها من سلسلة تصفيات دموية لثلاثة مليون ضحية، ما زالت ذكرياتها هوس الأدب الكوري حتى اليوم.
انطلق العرض من شهادات أقارب ضحايا اكتشفت عظامهم أسفل المطار، بعد تحليل أحماضها النووية.
مسرحية شديدة التأثير، رغم بطئها وميلها للتوثيق أحيانا.
3) المسرحية الثالثة «مولجيل» غير اعتيادية، من إخراج جينيوب لي، ومن وحي تقاليد جزيرة جيجو نفسها.
أبطالها رجلان وامرأتان يغوصان بحثا عن الأصداف، في أعماق البحر، بين الحياة والموت (داخل أربعة صناديق «أكواريوم» في المسرحية)!تعبر المسرحية عن تراجيديا أوضاع اللاجئين عبر البحار، وعن الحاجة الإنسانية للصمود والتضامن.
تجعلنا ندرك «أننا جميعا، وإن كنا جزرا منفصلة، نسكن البحر نفسه»!عديدة الإبداعات الكورية التي انتظرها في المهرجان، لاسيما فعالية «منتصف يوليو» للكورية الشهيرة، صاحبة نوبل للآداب والبوكر العالمية: هان كانج، برفقة أهم ممثلتين، فرنسية وكورية، لقراءة بعض نصوصها، في ليل قصر البابوات المهيب.
بعد سؤال اللغة – الضيف، يهم عاشق مهرجان أفينيون معرفة ما هو العرض المسرحي الذي سيفتتح به المهرجان، في قصر البابوات (الذي لعب دور الفاتيكان للكاثوليكية، في قرونٍ عتيقة)؟ يهمه لأنه عادة عرض جديد وتجديدي، يتم التحضير له منذ فترة طويلة.
مسرحية فاتحة مهرجان هذا العام اسمها «مالدورور»، من وحي ملحمة الخوف والظلمات والشر: ديوان «أغاني مالدورور»، لشاعر القرن 19: لوتريامون الذي أعادته الثورة السريالية في النصف الثاني من القرن العشرين إلى واجهة الواجهة.
لعل مالدورور اشتقاق من كلمتين فرنسيتين: الشر والفجر، Mal, Aurore.
أي: فجر الشر، أو الشر الجذري.
احتاجت المسرحية التي يدوم عرضها 5 ساعات إلى عامين من التدريب والتجهيز.
أخرجها مدير مسرح أوديون أوروبا: جوليان غوسلين، الذي كان حاضرا في المهرجان، قبل 10 أعوام، بعرضٍ دام 12 ساعة، لمسرحية: «2666»، انطلاقا من الرواية – النهر لأديب غوسلين الأثير: التشيلي روبرتو بولانو الذي يكتسح قرننا الحادي والعشرين اليوم، كما اكتسح بورخيس القرن العشرين.
روايتان لبولانو في عمق مسرحية غوسلين: «الأدب النازي في أمريكا» و«المحققون المتوحشون».
دمجهما المخرج معا على إيقاع «أغاني مالدورور»، في إطارٍ مبتكرٍ وضع في مركزه شخصيات محورية جديدة، ليغوص في موضوع عصرنا الراهن الذي تكتسحه الحروب والإبادة الجماعية وانتصارات اليمين المتطرف وقانون الغاب؛ موضوع الساعة بامتياز: أصل الشر!الكاميرات المختفية أو المتجولة في كل أرجاء المسرح، والموسيقى الإلكترونية والشاشات المتداخلة، والاستخدام الأمثل لصالة عرض قصر البابوات، والتداخل الفذ لأربع لغاتٍ أوروبية في الحوارات، يرغم الـ 1900 مشاهد للمسرحية على الالتصاق بمقاعدهم حتى الثالثة فجرا، من شدة دهشات فن الإخراج، ومفاجآت العرض، وحول هوية موضوع المسرحية معا.
بعد الاستراحة الأولى، تمتلئ صالة العرض بالغرف المنفصلة، والممرات التي يمكن للمشاهدين، إذا أحبوا، ترك مقاعدهم لعبورها، وسط الممثلين وحولهم.
حينها، لا يعود ثمة فرق بين المشاهدين والممثلين، بين صالة العرض وقاعة المشاهدة.
الحياة هي المسرح، والمسرح هو الحياة.
يرفع غوسلين بهذه المسرحية فنه المتميز إلى «أس 1000»، حسب تعبير صحيفة «اللوموند».
خمس ساعات تسمح بعيش الحياة أعمق وأقوى مما تسمح به الحياة نفسها فعلا!على أمل أن يسمح لي ماراثون المسرحية البرتغالية بعد أيام: «ثلاثية الكلبة القوية»، التي سيدوم عرضها عشر ساعات، بعيش هذا النمط الأسمى من الحياة الأقوى من الحياة، خلال تلك الساعات العشر أيضا.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك