صناعة الحرب هي مهنة إسرائيل الأولى.
هي محرك النمو والتوسع، وهي مفتاح فهم الهوية الصهيونية العدوانية التي تحاول إعادة إنتاج صورة «اليهودي الضحية» لتبرير الحرب على الآخرين.
في هذه الهوية تكون الحرب هي الطريق الوحيد للبقاء.
ومن ثم فقد كانت الحرب ولا تزال هي أداة صهر وتشكيل هوية الدولة، منذ نشأت على الاغتصاب، واستمرت بالعدوان على الشعب الفلسطيني وشعوب الدول العربية المجاورة.
ورغم أنها المعتدي الأقوى تسليحا، فإن إسرائيل، التي لم تخسر حربا من حروبها، لا تزال تروج لنفسها حول العالم على اعتبار أنها الضحية وسط بحر من الأعداء.
إسرائيل التي تأسست بوعد من لا يملك لمن لا يستحق بعد الحرب العالمية الأولى أمضت (78 عاما) من عمرها في حروب عدوانية سافرة، منها ما يقرب من 15 عاما من الحروب النظامية، و55 عاما من الحروب غير النظامية مع قوى المقاومة.
وعلى التوازي مع الحرب تمارس إسرائيل دبلوماسية تستهدف نسف أي فرصة لتحقيق سلام في المنطقة، بدفع مسار تلك الفرص إلى حائط مسدود.
من هذا المنظور، فإنها استطاعت نسف اتفاقيات أوسلو بواسطة سياسة الاستيطان، وهي تسعى الآن لنسف اتفاق السلام في غزة المعروف باسم «اتفاق النقاط العشرين» بتقديم مسألة نزع سلاح حماس على ما عداها، ونسف اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة المعروف باسم «مذكرة التفاهم» المبنية على 14 نقطة بتقديم مسألة مضيق هرمز على ما عداها من خلال الضغط على البيت الأبيض من داخل الولايات المتحدة، كما تسعى لنسف اتفاق وقف اطلاق النار في لبنان بتقديم مسألة نزع سلاح حزب الله.
في كل حالة من الحالات السابقة لم تتوقف إسرائيل عن تحقيق أهدافها والاستمرار في ممارسة عدوانها، وفي كل تاريخها لم تقدم مبادرة حقيقية لأن سياستها الإقليمية تقوم على الهيمنة ومصادرة إرادة الآخرين.
السلام الإسرائيلي يعني التفوق المطلق على الدول والشعوب المجاورة، واستخدام القوة لتحقيق غاياتها السياسية.
في هذا السياق تسعى إسرائيل لتحويل الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية تتورط فيها دول الخليج، وربما تنزلق إليها دول أخرى من خارج الإقليم.
ما يحدث الآن في مضيق هرمز من انهيار درامي لتنفيذ أحكام مذكرة تفاهم إسلام آباد، هو صناعة إسرائيلية متكاملة المكونات.
ومع أن واشنطن لا تزال تعمل رسميا داخل حيز الضربات العسكرية المتقطعة المتبادلة، فإن إسرائيل تراهن على أن تتحول تلك الضربات إلى حرب شاملة، وهي تقود حملة شرسة منظمة لنسف الاتفاق الأمريكي – الإيراني الذي تم توقيعه في الشهر الماضي، وتبدي علنا استعدادها لاستئناف الحرب على إيران مع الولايات المتحدة.
تسعى إسرائيل لتحويل الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية تتورط فيها دول الخليج، وربما تنزلق إليها دول أخرى من خارج الإقليمفي مقالي المنشور على هذه الصفحة في 24 من الشهر الماضي، عن خيارات إسرائيل في مواجهة إيران بعد الاتفاق كتبت: «ببساطة لن تتوقف إسرائيل عن محاولة نسف الاتفاق بكل الطرق، بدءا من استمرار الحرب في الجبهة اللبنانية، إلى تشجيع تأييد الموقف الإسرائيلي علنا في الولايات المتحدة، تحت مبرر «حق الدفاع عن النفس».
وستلجأ إلى تحويل إجراءات مسار تنفيذ الاتفاق إلى مصادر يومية للصداع الإعلامي والسياسي، بحيث يتحول التفاهم مع إيران إلى قضية محورية في انتخابات نوفمبر.
لكنها مع ذلك ستلتزم عدم الدخول في مواجهة مكشوفة مع الرئيس الأمريكي.
هذا لا يمنع مؤيدي إسرائيل من صب جام غضبهم على نائب الرئيس جى دي فانس الذي تصدّر المشهد في الهجوم على الموقف الإسرائيلي من المفاوضات.
ونتوقع أن تعمل أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية على تحريك جماعات متطرفة داخل إيران لزعزعة النظام على أرضية رفض الاتفاق، وكذلك تشجيع المنظمات والحركات الانفصالية المتطرفة».
كذلك يشارك في الحملة الإسرائيلية لنسف الاتفاق قيادات في الكونغرس الأمريكي، وفي مراكز التفكير الاستراتيجي وكذلك في أجهزة الإعلام.
وتهدف الحملة إلى محاصرة الرئيس الأمريكي وتوجيه اتهامات سياسية ضد نائبه، وتشجيع شخصيات كبيرة داخل الإدارة نفسها على إبداء انتقادات علنية للاتفاق، منهم وزير الخارجية ماركو روبيو وقائد القيادة العسكرية المركزية في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر.
وقد وصلت تكتيكات الحملة إلى حد تخويف الرئيس الأمريكي من مؤامرة إيرانية لاغتياله! علق عليها أحد مسؤولي وزارة الأمن الداخلي السابقين قائلا، «يجب أخذها مأخد الجد لأن لدى إيران وسائط كثيرة تستطيع استخدامها لاغتيال الرئيس منها «احتمال إرسال طائرة مسيرة أو صاروخا باليستيا، أو حتى طائرة مقاتلة إيرانية لمحاولة إسقاط طائرة الرئاسة الأمريكية».
ترامب نفسه علق على المعلومات التي قدمتها المخابرات الإسرائيلية قائلا لصحيفة «نيويورك بوست» إنه أصدر تعليمات للقوات الأمريكية بالردّ الساحق إذا نجحت إيران في اغتياله.
ونقلت الصحيفة عن ترامب قوله: «لقد أصدرت تعليمات، في حال حدوث أي شيء، بقصفهم بمستويات لم يشهدوها من قبل».
كما تعمل إسرائيل على تسخين وقف إطلاق النار الهش في مضيق هرمز وزيادة وتيرة التصعيد من خلال التنسيق مع قيادة المنطقة العسكرية الوسطى وقيادة الأسطول الخامس في البحرين، وهو ما نشهد أعراضه منذ أسبوع تقريبا.
ومن خلال الضغوط الإسرائيلية داخل الكونغرس تجري محاولات لاتهام فريق المفاوضات الأمريكي بالفشل في حماية المصالح الأمريكية.
كما يجري العمل بواسطة منظمات الضغط الصهيونية والجمهوريين والديمقراطيين الموالين لإسرائيل على تجهيز المسرح للعودة إلى ترويج الأهداف المعلنة للحرب على إيران في 28 فبراير، وعلى رأسها تغيير النظام وتشديد العقوبات إلى الحد الأقصى وإنهاء البرنامجين الصاروخي والنووي.
في هذا السياق أوقفت الإدارة الأمريكية تنفيذ التزامات تتضمنها المرحلة الأولى من الاتفاق، وأعادت العمل ببعض العقوبات.
في الوقت نفسه يجري حاليا تجهيز تشريعات جديدة لتقديم مساعدات للشعب الإيراني، من خلال توفير نظام اتصالات بديل عبر الإنترنت في إيران، يسمح بسهولة التواصل داخليا والاتصال بالخارج، باعتبار أن تلك هي «أفضل وسيلة «لتعزيز المعارضة المناوئة لنظام الحكم في إيران، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان»، طبقا لتقرير نشره موقع «ذا هيل».
وطبقا لرسالة موجهة من ذلك التحالف إلى لجان الكونغرس: «أصبح قطع الإنترنت أحد أقوى أدوات القمع التي يستخدمها النظام، حيث يُسهّل العنف والاعتقالات الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بينما يمنع الإيرانيين من التواصل فيما بينهم ومع العالم الخارجي».
وتتضمن دبلوماسية العمل على نسف الاتفاق الأمريكي – الإيراني ترتيبات إعادة الدفء إلى خط العلاقات المباشر بين نتنياهو وترامب، والعمل على إقناع الرئيس الأمريكي بأن إسرائيل ستقف مع الولايات المتحدة في الهجوم على إيران، وأن الحرب هذه المرة ستكون مثمرة باستخدام أسلحة جديدة طورتها إسرائيل واختبرتها خلال الأشهر الماضية.
كذلك تتضمن تلك الدبلوماسية ترويج خطط لاقامة طرق بديلة لتصدير النفط والغاز من الخليج إلى الخارج، بهدف تجريد إيران من استخدام المزايا الإستراتيجية لمضيق هرمز.
ومع أن المحاولات الإسرائيلية المتعددة الوسائل والاتجاهات، لم تنجح تماما في نسف مذكرة التفاهم حتى الآن إلا أنها نجحت على الأقل في زيادة هشاشة وقف إطلاق النار، وزيادة معدل الضربات العسكرية المتبادلة بين الطرفن (إيران وأمريكا) ووقف تنفيذ الالتزامات الأمريكية بمقتضى المذكرة، بل والعودة إلى فرض العقوبات.
في الوقت نفسه تواصل إسرائيل مع حلفائها في الولايات المتحدة شن هجوم إعلامي وسياسي منظم على نائب الرئيس جي دي فانس في سياق التقليل من أهمية المسار التفاوضي مع إيران، والترويج بأن الاتفاق يمثل هزيمة كبرى للولايات المتحدة، تسبب فيها فانس في غياب وزير الخارجية ماركو روبيو عن المفاوضات.
وتشارك في هذا الهجوم صحف ذات نفوذ واسع مثل «نيويورك تايمز» ومحطات تلفزيونية رئيسية مثل فوكس نيوز.
إسرائيل لا تريد سلاما في الخليج ولا في باب المندب، ولا في لبنان، ولا في غزة، ولا في الضفة الغربية ولا في أي مكان في منطقة الشرق الأوسط، لأن السلام يتعارض مع هويتها العدوانية.
ولن يتغير الموقف ما لم تتعرض إسرائيل لهزائم سياسية، ما يفتح الباب لتغيير العقيدة السياسية العدوانية والقبول بمبادئ التعايش والسلام على أسس الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات، واحترام حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقوق الشعوب الأخرى في الأمن والرفاهية، وحل الخلافات بالطرق السلمية.
وتبدأ هزيمة إسرائيل سياسيا بحرمانها من تحويل قوتها العسكرية إلى انتصار سياسي، كما تكتمل بوجود محور للمقاومة يعزز بناء القدرة على التحمل والرد بكفاءة عالية، وتطوير خطاب سياسي إقليمي وعالمي يستفيد من موجة الكراهية المتزايدة للسياسات العدوانية الإسرائيلية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك