" هل ثمة عدالة بالفعل على أرض الواقع بالنسبة لكرة القدم؟ هل يمكن أن يتعامل الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" مع ريال مدريد، برشلونة، بايرن ميونخ.
إلخ، كما يعامل الأندية الأخرى الصغيرة في بلدان العالم المختلفة؟ " هذا السؤال لم يطرحه مقال نقدي يعلق على النسخة الأكثر إثارة للجدل من كأس العالم، والتي تواجه اتهامات عديدة بالتحيز والمحاباة الأقرب إلى" البلطجة" خلال مباريات عدة، سبقت وتلت مباراة مصر والأرجنتين.
ليس احتجاجًا ساخطًا أثير في استديو تحليلي على هامش مونديال 2026، وإنما سؤالاً فلسفيًا عميقًا طرحه أستاذ الفلسفة الراحل الدكتور ياسر قنصوة في كتابه الاستثنائي" عالم مو.
عندما يركل الفلاسفة الكرة" الصادر في 2024 وترجم إلى الإنجليزية عام 2025.
في الفصل الأول من الكتاب قال إن" الاستدارة الكروية ليست مصادفة، بل حدث يثير أسئلة فلسفية وإنسانية تدعونا لإجابات مدهشة وعميقة، فقد جاء التصميم كالكرة الأرضية بعالمها الرحب، حيث الصراع والانتصار والهزيمة، والانكسار والإحباط.
والعودة من جديد أو روح" الريمونتادا".
وقد تلخص الاستدارة الكروية مفهوم العدالة! قد يبدو مفهوم العدالة منطبعًا في شكل الكرة ذاته.
إذ أن كل نقطة على سطح الكرة تبعد بنفس المقدار الذي تبعده كل نقطة أخرى عن مركز الكرة، وربما تكون الصورة تصورًا كرويًا أمثل للعدالة، بأن الكل متساوٍ في حظوظ الفوز باللعب.
لكن هل ثمة عدالة بالفعل على أرض الواقع بالنسبة لكرة القدم؟ هل يمكن أن يتعامل الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" مع ريال مدريد، برشلونة، بايرن ميونخ.
إلخ، كما يعامل الأندية الأخرى الصغيرة في بلدان العالم المختلفة؟ ".
من هذا المدخل ناقش مفهوم العدالة بين عالمي كرة القدم والفلسفة، ثم ينتقل من نقد المؤسسة الكروية إلى تشريح" الفرد الاستثنائي".
ويضعنا أمام جدلية فلسفية تقارن بين نموذجين للتفرد: الأول هو" مارادونا"، الذي يراه الكاتب امتداداً لشخصية" سقراط".
كلاهما فرد متمرد، استثنائي، أعاد تشكيل الوعي الجمعي؛ وكلاهما سار نحو نهايته التراجيدية بشجاعة التدمير الذاتي.
في المقابل، يقدم" مو صلاح" تفرداً من نوع آخر، تفرداً يتماس مع الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر، فلا يقدم تمرداً فوضوياً، بل يجسد" الاختيار العقلاني" الحر.
رحلته في قطارات الدرجة الثالثة للوصول إلى النادي لم تكن مجرد رحلة مكانية، بل كانت هروباً واعياً من" العدم" نحو إثبات" الوجود".
موضحًا أن نجاح صلاح لم يكن وليد صدفة، بل نتاج وعي حاد بإيقاع" التسارع الاجتماعي"، مستلهمًا نظرية الفيلسوف الألماني هارتموت روزا.
لقد أدرك صلاح كيف يروض الزمن الكروي، ليتحول من لاعب موهوب إلى" مينتاليتي" حقيقية قادرة على الاستمرارية، وهو ما يفسر قدرته اليوم على احتواء الضغوط وإدارة إيقاع فريقه في أصعب اللحظات.
ومن زاوية مختلفة، يعقد مقارنة فلسفية مدهشة بين إدراك" الزمن" لدى بطل محلي، وبطل عالمي.
فعقد مقارنة سردية بين" فارس"، بطل فيلم" الحريف" الذي يركض بعبثية خلف قطار متحرك، وبين" محمد صلاح" الذي يخضع حركته لحسابات دقيقة، فكتب" المسافة بين فارس ومو، بين حريف الشوارع والحواري الذي لم يدرك بعد طبيعة وجوده.
وبين ناشئ يطارد الهدف بوعي وإرادة ومسؤوليته، بين ماضٍ أصدر حكمه بالعدم أو حاضر يؤكد مستقبلاً واعدًا بالوجود المدبر الحر".
ومن عالم مؤسسات كرة القدم ولاعبيها وأساطيرها، ينتقل الكاتب إلى الجماهير، أولئك الذين يمنحون اللعبة روحها ومعناها.
يتساءل الكتاب: " هل تعد كرة القدم عزاءً للفقراء والضعفاء في مواجهة إحباطاتهم؟ ".
ويجيب بمشهد إنساني بالغ الرقة، حين يصف انفعال رجل خمسيني مبتور الساق أثناء مشاهدته إحدى مباريات صلاح: " الرجل الخمسيني ذو الساق الواحدة كان يقفز مشدودًا على عكازه.
لم يكن يقاوم العجز فحسب، بل كان يشارك في اللعب، كي يعيش متعة اللعب وبهجة الفرحة".
عن الجماهير أيضًا قال إنه" في عالم كرة القدم، لا يغادر المتفرج على المباراة مكانه بعد انتهائها ليغلق باب ذاكرته وينعم براحة النسيان، لكن تستمر الفرجة بدبيب خطوات الذاكرة، فيلحق الليل بالنهار في حديث متصل عما جرى في سير المباراة ونتيجتها، وهنا يتم تناقل الكلام على الألسنة بديلاً عن توقف حركة الأرجل بنهاية المباراة".
والمفارقة أن هذا بالضبط ما يحدث حين تنتهي من كتاب" عالم مو"، فلن تغادر هذا العالم بسهولة، إذ تتدفق الأفكار في ذهنك حول عشرات المفاهيم الفلسفية التي تكتشف أنها أقرب لتفاصيل حياتك اليومية مما كنت تظن.
وهو في رأيي أهم حالة يخلقها الكتاب الذي ينقل الحالة الفلسفية من البرج العاجي الذي يتخيله (وأحيانًا يتعمده) الكثيرون، إلى الشارع وحياتنا اليومية، وهو بالضبط الهدف الأهم لدى الكاتب الراحل الذي كان يرى في الكتابة ـ كما في عقلية محمد صلاح ـ فعل مقاومة، وإصرارًا على مراوغة الحياة حتى لو غابت العدالة!


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك