الأمير الوالد ومسيرة الوفاء لذوي الإعاقةلم يكن خبر وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، خبرًا عاديًا بالنسبة لي، بل كان لحظةً اختلط فيها الحزن بالامتنان، والدموع بالفخر.
بكيت كما بكى كل محب لهذا الوطن، لكن دموعي كانت تحمل أيضًا ذاكرة سنوات طويلة عشتها بين الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، ورأيت خلالها كيف تغيّرت حياتهم بفضل رؤية قائد آمن بأن الإنسان هو أعظم ثروة، وأن التنمية لا تكتمل إلا إذا شملت الجميع.
في تلك اللحظة، مرّ أمام عيني شريط طويل من الذكريات؛ أطفال وجدوا فرصة للتعليم بعد أن كانت أبواب المدارس مغلقة أمامهم، وأسر شعرت لأول مرة أن أبناءها لهم مكان في هذا الوطن، ومراكز متخصصة أُنشئت لتقدم خدمات علمية وتأهيلية، ومتخصصون وجدوا الدعم ليواصلوا رسالتهم الإنسانية.
لم تكن تلك مجرد مشاريع أو مبانٍ، بل كانت قصصًا حقيقية غيّرت حياة آلاف الأسر.
لقد كرّست أكثر من أربعة وعشرين عامًا من حياتي للعمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وكنت شاهدة على مرحلة مفصلية في تاريخ قطر، مرحلة انتقل فيها ملف الإعاقة من مفهوم الرعاية إلى مفهوم الحقوق والتمكين والدمج.
لذلك، عندما رحل الأمير الوالد، شعرت أن من واجبي، وفاءً وعرفانًا، أن أكتب عن بعض ما قدمه لهذه الفئة التي كانت تحظى باهتمامه ودعمه.
لم ينظر الأمير الوالد إلى الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم فئة تحتاج إلى العطف، بل رأى فيهم مواطنين لهم حقوق كاملة، وقدرات تستحق أن تُكتشف، وطاقة يمكن أن تسهم في بناء الوطن متى ما أُتيحت لها الفرصة.
ومن أبرز الإنجازات التي تحققت في عهده:أولًا: ترسيخ مفهوم الحقوق والدمج حيث شهدت قطر تحولًا حقيقيًا في النظرة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث انتقل الاهتمام من تقديم الرعاية التقليدية إلى ترسيخ مفهوم الحقوق، والمشاركة الفاعلة، والدمج في المجتمع والتعليم والعمل، بما يعكس احترام كرامة الإنسان وحقه في المشاركة الكاملة.
ثانيًا: دعم التشريعات الوطنية فقد حظي ملف الإعاقة بدعم واضح في تطوير التشريعات والسياسات الوطنية، بما يكفل حماية الحقوق، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص، وعدم التمييز، وتوفير الخدمات التي تضمن الحياة الكريمة للأشخاص ذوي الإعاقة.
ثالثًا: الانضمام إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة فمع اعتماد الأمم المتحدة لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006، كانت دولة قطر، في عهد الأمير الوالد، من الدول التي سارعت إلى المصادقة عليها عام 2008، في خطوة جسدت التزام الدولة بالمعايير الدولية، وحرصها على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المجالات.
رابعًا: دعم المؤسسات الوطنية حيث شهدت تلك المرحلة توسعًا كبيرًا في إنشاء وتطوير المؤسسات والمراكز المتخصصة، وتوفير الإمكانات اللازمة للتأهيل والتعليم والتدخل المبكر والعلاج، بما أسهم في الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة.
خامسًا: تمكين القيادات الوطنية فمن المواقف التي ستظل راسخة في الذاكرة، ثقته في الكفاءات الوطنية، ومنحها الفرصة لقيادة هذا الملف الإنساني المهم.
فقد حظيت الشيخة حصة بنت خليفة آل ثاني، رحمها الله، بثقته، وتولت مسؤوليات قيادية كان لها أثر كبير في متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حضور دولة قطر في المحافل الدولية، والمساهمة في تطوير السياسات الوطنية الخاصة بهذه الفئة.
سادسًا: دعم التعليم الدامج حيث شهد قطاع التعليم تطورًا كبيرًا في برامج التربية الخاصة، والتوسع في دمج الطلبة ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية، إلى جانب الاهتمام ببرامج التدخل المبكر التي أثبتت أهميتها في تحسين جودة حياة الأطفال.
سابعًا: تطوير الخدمات الصحية والتأهيلية فقد حظيت الخدمات الصحية والتأهيلية باهتمام كبير، من خلال تطوير مراكز العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق واللغة، وإدخال أحدث وسائل التشخيص والتأهيل وفق المعايير العالمية.
ثامنًا: دعم المجتمع المدني حيث فتح المجال أمام الجمعيات والمراكز الخاصة للعمل في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتشجيع المبادرات الوطنية، بما عزز الشراكة بين الدولة والمجتمع في تقديم الخدمات.
تاسعًا: دعم الأسرة فلم يقتصر الاهتمام على الشخص ذي الإعاقة، بل امتد ليشمل الأسرة، من خلال برامج الإرشاد والتوعية، والخدمات المساندة التي ساعدت الأسر على أداء دورها في الرعاية والتأهيل.
عاشرًا: الرياضة والثقافة حيث شهدت الرياضة البارالمبية والأنشطة الثقافية تطورًا ملحوظًا، وأصبح للأشخاص ذوي الإعاقة حضور مشرّف في المنافسات المحلية والدولية، في رسالة تؤكد أن الإعاقة لا تحد من الإبداع والتميز.
الحادي عشر: تهيئة البيئة العمرانية فقد أولت الدولة اهتمامًا بتوفير بيئة أكثر سهولة للوصول، وتطوير المرافق العامة بما يراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، تعزيزًا لاستقلاليتهم ومشاركتهم المجتمعية.
الثاني عشر: تعزيز الحضور الدولي حيث أصبحت قطر، خلال تلك المرحلة، نموذجًا يُحتذى به في دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال مشاركتها الفاعلة في المؤتمرات الدولية، والتزامها بتطبيق الاتفاقيات والمواثيق ذات الصلة.
لقد كان الأمير الوالد يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، ولذلك لم تكن إنجازاته في مجال الإعاقة مجرد قرارات إدارية، بل كانت جزءًا من مشروع وطني متكامل، جعل من الكرامة الإنسانية أساسًا للتنمية، ومن العدالة الاجتماعية ركيزة لبناء الدولة الحديثة.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها من موقع الباحثة أو المتخصصة فقط، بل من موقع الإنسان الذي عاش هذه المرحلة، وشهد أثرها في وجوه الأطفال، وفي ابتسامات الأمهات، وفي قصص النجاح التي خرجت من رحم التحديات.
لذلك، فإن الحديث عن الأمير الوالد هو حديث عن مرحلة صنعت الأمل لآلاف الأسر، ورسخت ثقافة جديدة تؤمن بأن الأشخاص ذوي الإعاقة جزء أصيل من المجتمع، وشركاء في نهضته.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد كان قائدًا آمن بأن نهضة الأوطان تُقاس بكرامة الإنسان، وأن المجتمع الحقيقي هو الذي يحتضن جميع أبنائه دون استثناء.
وفي عهده وُضعت اللبنات الأساسية لمسيرة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حقوقهم، وفتح الأبواب أمامهم ليكونوا شركاء في بناء الوطن.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل ما قدمه لوطنه وللإنسانية في ميزان حسناته، واجزه خير الجزاء عن كل يدٍ امتدت بالعطاء، وكل حق أُعيد لأصحابه، وكل إنسان وجد في رؤيته فرصة لحياة أكثر كرامة وعدلًا.
ونحن، أبناء هذا الوطن، والعاملون في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، نعاهد الله ثم نعاهد وطننا أن نواصل هذه المسيرة بإخلاص وأمانة، وأن نحمل الرسالة التي آمن بها، فنستمر في الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير الخدمات المقدمة لهم، والعمل على تمكينهم وإبراز قدراتهم، حتى تبقى قطر كما أرادها وطنًا يحتضن الجميع.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يوفقنا جميعًا لأن نكون أوفياء للمسيرة التي بدأها، وأن نكملها بإخلاص، حتى يبقى الإنسان دائمًا هو أغلى ثروات هذا الوطن.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك