روسيا اليوم - فرنسا.. السيطرة على حريقين دمرا غابة خارج باريس (صور + فيديوهات) سكاي نيوز عربية - هيغسيث: توطيد الشراكة مع العراق يتطلب نزع سلاح الميليشيات القدس العربي - بعد ديشامب.. نجم إسبانيا يشكو تساهل الحكم السلفادوري قناة الجزيرة مباشر - Drones ignite the scene.. mutual attacks strike deep within Russia and Ukraine CNN بالعربية - "إيران استعدت لعودة الحصار البحري الأمريكي".. بيانات ترصد ما فعلته طهران قناة الشرق للأخبار - إعلان من الجيش الكويتي حول هجوم إيران.. ألوان الشرق مع هديل عليان 14-7-2026 روسيا اليوم - دراسة تكشف دورا حاسما لصحة العضلات في الحد من خطر السكري روسيا اليوم - ترامب يكشف عن اتصال أمريكي إيراني قبل ساعة من تصريحه ويدعو طهران لإبرام صفقة إيلاف - حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مصر؟ قناة الغد - ترمب: الضربات ستستمر.. وإيران تعلن استهداف قاعدة أردنية
عامة

حمد بن خليفة والتعاون الثقافي مع السودان

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

ترجع بدايات الصلة الإدارية بين قطر والسودان إلى مطلع الخمسينيّات، عندما اختارت الحكومة البريطانية السير جورج م. هانكوك (George M. Hancock) مستشاراً للشيخ علي بن عبد الله آل ثاني (1948– 1960)، حاكم قطر...

ترجع بدايات الصلة الإدارية بين قطر والسودان إلى مطلع الخمسينيّات، عندما اختارت الحكومة البريطانية السير جورج م.

هانكوك (George M.

Hancock) مستشاراً للشيخ علي بن عبد الله آل ثاني (1948– 1960)، حاكم قطر آنذاك، مستندةً إلى الخبرة الإدارية الواسعة التي اكتسبها في السودان الإنكليزي– المصري (1898– 1956).

فقد التحق هانكوك بخدمة السودان السياسية عام 1925، وعمل في مديريات النيل الأبيض، والنيل الأزرق، وأعالي النيل، ثم في مكتب السكرتير الإداري، قبل أن يُعيَّن حاكماً لمديرية كسلا (1946- 1950).

وتقديراً لهذه الخبرة المتراكمة، وافق الشيخ علي بن عبد الله على تعيين هانكوك مستشاراً لحكومة قطر (1952– 1960)، للإشراف على تطوير الجهاز الإداري للدولة.

وقد أسهم هانكوك في إعادة تنظيم الدوائر الحكومية، وإرساء نظم أكثر انتظاماً للإدارة المالية والإدارية، وتطوير أجهزة الشرطة والقضاء، وتعزيز الهياكل المؤسّسية اللازمة لإدارة الموارد النفطية المتنامية، كما اضطلع بدور استشاري في مجالات التنمية الاقتصادية، والأشغال العامة، والعلاقات بين حكومة قطر وشركات النفط العاملة في البلاد، وعمل بالتنسيق مع الوكالة السياسية البريطانية في الدوحة، جامعاً بين خدمة حكومة قطر ومراعاة المصالح الاستراتيجية البريطانية في منطقة الخليج.

وتزامنت فترة عمله مع اتساع نطاق الإصلاح الإداري وبروز اللبنات الأولى لمؤسّسات الدولة الحديثة في قطر.

ومع نهاية الخمسينيّات، أدّى تزايد الخبرة الإدارية الوطنية، وارتفاع الإيرادات النفطية، وبروز دور الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في إدارة الشؤون الداخلية، إلى تراجع الحاجة إلى المستشار البريطاني.

فتقاعد هانكوك في يونيو/ حزيران 1960، وأُلغي المنصب لاحقاً بعد انتقال مسؤوليات التخطيط والإدارة إلى الكوادر القطرية، في خطوة عكست تنامي الاستقلال الإداري للدولة قبل استقلالها في 3 سبتمبر/ أيلول 1971، عقب إنهاء معاهدة الحماية البريطانية (1916- 1971).

وبعد عام من استقلال قطر، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين قطر والسودان، فافتتحت جمهورية السودان سفارة لها في الدوحة، كما افتتحت دولة قطر سفارتها في الخرطوم.

وفي مطلع عهد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (1972– 1995)، استعانت دولة قطر بنخبة من الكفاءات السودانية للإسهام في بناء مؤسّساتها الحديثة، فعمل السفير محجوب المكاوي في رئاسة وزارة الخارجية بالدوحة، والسفير جمال محمد أحمد في سفارة دولة قطر في واشنطن، والسفير خليفة عباس العبيد في سفارة قطر في لندن، والسفير يعقوب عثمان في سفارة قطر في إسلام أباد في باكستان، كما أُعير رجال قضاء وقانون وشرطة وجيش، منهم القاضي الفاتح عوضة، والقاضي صلاح حسن، والقاضي محمد أحمد عبد الرحمن، والضابط عبد الرحمن سوار الذهب (أصبح لاحقاً مشيراً ورئيساً للمجلس العسكري الانتقالي في السودان)، إلى جانب كفاءات سودانية كثيرة عملت في السلك الإداري والمالي والكتابي، وفي أجهزة الشرطة والقوات المسلحة.

أدرك الشيخ حمد بن خليفة أنّ الاستثمار في الإنسان وتراثه الحضاري لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتيةومنذ ذلك التاريخ، اتسمت العلاقات السودانية القطرية بالتعاون الوثيق والتفاهم المتبادل، وشهدت تطوّراً مطّرداً في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

وخلال عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (1995– 2013)، دخلت هذه العلاقات مرحلة جديدة اتّسمت بعمق الشراكة واتّساع مجالاتها، من خلال إطلاق مشروعات سياسية واقتصادية وثقافية رائدة عديدة، أسهمت في تعزيز الروابط الاستراتيجية بين البلدَين.

وتركّز هذه الكلمة، التي تُعدُّ وفاءً وعرفاناً للأمير الوالد الذي انتقل إلى جوار ربه في 12 يوليو/ تموز 2026، على أحد أبرز وجوه هذا التعاون الثقافي، فأولهما المشروع القطري– السوداني للآثار، الذي يُعدُّ نموذجاً رائداً للشراكة الثقافية والحضارية بين البلدين، وإسهاماً كبيراً في حماية التراث الأثري السوداني وصونه والتعريف به على المستويَين، الإقليمي والدولي؛ وثانيهما المركز الثقافي السوداني الذي أُسس في الدوحة عام 2007.

التعاون الثقافي: المشروع القطري السُّوداني للآثاربمبادرة كريمة من الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أُطلق المشروع القطري السوداني للآثار عام 2012، بهدف دعم أعمال التنقيب الأثري في الولاية الشمالية وولاية نهر النيل، وترميم الآثار المكتشفة وصيانتها، إلى جانب إعداد برامج تدريبية لتأهيل الكوادر السودانية العاملة في مجالَي الآثار والسياحة.

وسُجِّل المشروع في السودان ضمن سجل المنظمات غير الحكومية تحت اسم منظمة تنمية آثار النوبة (نادو)، لتعمل بالتعاون مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف في السودان، وبالشراكة مع هيئة متاحف قطر.

وقد خصّصت دولة قطر للمشروع تمويلاً بلغ 135 مليون دولار على مدى خمس سنوات، ما أتاح تشكيل 41 بعثة أثرية وطنية ودولية للعمل في الكشف عن المواقع الأثرية، وترميم المُكتشف منها والمحافظة عليه، ودراسة اللغة المروية القديمة ومحاولة فكّ رموزها، وإنشاء مراكز لخدمة الزائرين في مواقع أثرية عدّة، فضلاً عن تطوير البنية التحتية الداعمة للسياحة الثقافية، من خلال إنشاء متاحف واستراحات ومرافق خدمية.

يُعد المشروع القطري السوداني للآثار من أكبر المشروعات الدولية التي نُفِّذت في مجال الآثار والتراث الثقافي في السودانومن أبرز المواقع التي حظيت بعناية المشروع موقعا جزيرة مروي (البجراوية) وجبل البركل، وكلاهما مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لما يمثّلانه من أهمية استثنائية في تاريخ الحضارة الكوشية وممالك وادي النيل القديمة.

ولم يقتصر المشروع على التعاون بين السودان وقطر، بل شاركت فيه أيضاً بعثات علمية من دول عدّة، منها فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبولندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، تحت مظلّة منظمة تنمية آثار النوبة (نادو).

ويُعد المشروع القطري السوداني للآثار من أكبر المشروعات الدولية التي نُفِّذت في مجال الآثار والتراث الثقافي في السودان، من حيث حجم التمويل واتساع نطاق أعماله وتعدّد المؤسسات والبعثات المشاركة فيه.

وإلى جانب أنشطة التنقيب والترميم والبحث العلمي، موّل المشروع إنشاء معسكرَين متكاملَين لإقامة الباحثين والخبراء والزائرين، أحدهما في منطقة مروي (البجراوية)، والآخر في جبل البركل، لتوفير الدعم اللوجستي للبعثات الأثرية والعاملين في المشروع.

وقد تقرّر أن تؤول هذه المنشآت إلى الحكومة السودانية بعد انتهاء المشروع، لتُستخدم في خدمة زائري المواقع الأثرية، أو تُحوَّل إلى مراكز تدريب ميداني لطلاب أقسام الآثار في الجامعات السودانية في مجالات الحفريات، والترميم، والإرشاد السياحي.

وللإشراف على تنفيذ المشروع، شُكِّلت لجنة توجيهية عليا مشتركة ضمّت نخبة من علماء الآثار والخبراء الدوليين المشهود لهم بالكفاءة في دراسة التراث الحضاري السوداني والعمل الأثري الميداني، إلى جانب ممثلين إداريين من السودان وقطر، بما ضمن حسن إدارة المشروع وتحقيق أهدافه العلمية والتنموية.

المركز الثقافي السودان في الدوحةفي عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أُنشئ المركز الثقافي السوداني في قطر بموجب مرسوم وزاري، في إطار تعزيز العلاقات والتبادل الثقافي بين دولة قطر وجمهورية السودان.

وافتُتح المركز رسميّاً في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، في احتفال حضره مسؤولون من وزارة الثقافة القطرية، وأعضاء السفارة السودانية في الدوحة، وعدة سفراء ودبلوماسيين ومثقفين عرب.

ونصَّ المرسوم التأسيسي على أن يكون المركز منبراً رئيساً لنشر الثقافة السودانية، وفضاءً لاستيعاب الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية والأدبية، التي تُسهم في التعريف بالموروث الحضاري السوداني وتعزيز العلاقات الثقافية بين السودان وقطر، كما استهدف توثيق الروابط الفكرية والإبداعية بين المثقفين والفنانين والأدباء السودانيين المقيمين في دولة قطر، وتشجيع التواصل بين الأجيال، وترسيخ قيم العمل الثقافي المؤسّسي.

مثّل إنشاء المركز الثقافي السوداني في الدوحة ترجمةً عمليةً لإيمان القيادة القطرية بأنّ الثقافة تشكّل أحد أهم جسور التواصل بين الشعوبومنذ تأسيسه، اضطلع المركز بدور بارز في تنشيط الحركة الثقافية السودانية في دولة قطر، من خلال تنظيم الندوات والمحاضرات والأمسيات الأدبية والفنية، وإقامة المعارض والاحتفالات الوطنية، واستضافة الفعاليات التي تعكس التنوّع الثقافي السوداني، كما وفّر فضاءً للحوار والتبادل الثقافي بين السودانيين والمجتمع القطري، وأسهم في تعزيز الوعي بالتراث السوداني والتعريف بإسهاماته الحضارية.

وإلى جانب ذلك، اهتم المركز بتأهيل المبدعين السودانيين من الشباب والشابات عبر تنظيم الدورات التدريبية والورش المُتخصّصة، بما يعزّز التواصل بين الأجيال، ويربط الطاقات الإبداعية الجديدة بحواضن الفكر والثقافة السودانية، فضلاً عن دعمه للتعاون الثقافي والفني والأدبي بين السودان وقطر، وتوثيق صلاته بالمؤسسات الثقافية والبعثات الدبلوماسية العاملة في الدولة.

قصدت بهذه الكلمة إلقاء الضوء على جانبٍ من المبادرات الثقافية والحضارية التي ارتبطت بعهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، طيَّب الله ثراه، والتي تركت أثراً عميقاً في مسيرة العلاقات السودانية القطرية.

فقد تجاوزت هذه المبادرات حدود الدعم التقليدي لتؤسّس لشراكةٍ ثقافيةٍ وتنمويةٍ مستدامة، تجلّت بوضوح في المشروع القطري السوداني للآثار، الذي أسهم في حماية وصون جانبٍ مهم من التراث الحضاري السوداني، وحفظه للأجيال القادمة، وتعريف العالم بإرث حضارة وادي النيل وممالك كوش ونبتة ومروي، فضلاً عن دعم البحث العلمي، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتعزيز السياحة الثقافية في السودان.

وفي السياق نفسه، مثّل إنشاء المركز الثقافي السوداني في الدوحة ترجمةً عمليةً لإيمان القيادة القطرية بأنّ الثقافة تشكّل أحد أهم جسور التواصل بين الشعوب.

فقد أتاح المركز للجالية السودانية فضاءً رحباً لممارسة أنشطتها الثقافية والفكرية والفنية، والمحافظة على هويتها الوطنية، وتعريف المجتمع القطري بثراء الثقافة السودانية وتنوّعها، بما عزّز التفاهم المتبادل ورسّخ أواصر الأخوة بين الشعبَين الشقيقَين.

رؤية جعلت من الثقافة والتراث والمعرفة أدواتٍ فاعلةً في بناء العلاقات الدولية وتعميقهولعلّ القيمة الحقيقية لهذه المبادرات لا تكمن في حجم التمويل الذي خُصّص لها، ولا في عدد المشروعات التي أُنجزت في إطارها فحسب، وإنما في الرؤية التي انطلقت منها؛ وهي رؤية جعلت من الثقافة والتراث والمعرفة أدواتٍ فاعلةً في بناء العلاقات الدولية وتعميقها.

وقد أدرك الشيخ حمد بن خليفة أنّ الاستثمار في الإنسان وتراثه الحضاري لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتية، وأنّ صون ذاكرة الأمم جزءٌ أصيل من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الحضارة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، سيظل اسم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضراً في ذاكرة سودانيين كثيرين، ليس بوصفه قائداً أسهم في توثيق العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين فحسب، بل باعتباره راعياً لمشروعات ثقافية وحضارية تركت آثاراً باقية تتجاوز حدود الزمن والمكان.

وتمثّل هذه المشروعات شاهداً على مرحلةٍ مُتميّزةٍ من التعاون السوداني القطري، ونموذجاً لما يمكن أن تحقّقه الشراكات العربية عندما تُبنى على رؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان، وتحافظ على التراث، وتؤمن بأنّ الثقافة إحدى الركائز الأساسية للتنمية المُستدامة وتعزيز التفاهم بين الشعوب.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة رحمةً واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدّمه من مبادراتٍ وإنجازاتٍ أسهمت في خدمة السودان وقطر، وفي ترسيخ نموذجٍ عربيٍّ رائدٍ للتعاون الثقافي والحضاري، سيظلّ أثره مُمتدّاً ما بقيت تلك المؤسّسات والمشروعات تؤدي رسالتها في حفظ التراث وبناء جسور المعرفة والتواصل بين الأجيال.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك