تصاعدت حدة التوترات العسكرية والاقتصادية في منطقة الخليج العربي، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتزام بلاده فرض رسم مالي بنسبة 20% على شحنات البضائع العابرة مضيق هرمز مقابل تأمين الملاحة، قبل أن يتراجع عنه الثلاثاء، تزامناً مع إعلان واشنطن إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وتسيير دوريات عسكرية لتأمين العبور، ما سلط الضوء على انعكاس ذلك على اقتصادات دول الخليج، التي تتبنى موقفاً رافضاً رسوم العبور، بما يتسق مع موقف المنظمة البحرية الدولية.
ويأتي ذلك في ظل عودة أجواء الحرب التي انعكست على مضيق هرمز، حيث صعّدت طهران هجماتها على الناقلات، وأبرزها أخيراً ما أعلنته وزارة الدفاع الإماراتية، أول من أمس، عن تعرّض ناقلتين وطنيتين للاستهداف بصاروخي كروز إيرانيين في الممر الجنوبي لمضيق هرمز بالمياه الإقليمية العمانية.
وأوضحت الوزارة أن الاستهداف أسفر عن أضرار مادية بالناقلتين نتيجة نشوب حريق بهما.
ويثير تصاعد التوترات وإجراءات فرض الرسوم من أميركا وإيران على عبور هرمز قلق الأوساط الاستثمارية، لما يحمله من مخاطر مباشرة، من شأنها أن تؤدي إلى عرقلة سلاسل التوريد العالمية، ولا سيما ما يخص صادرات النفط والغاز الخليجية.
وكانت الخطوة لتصطدم خطوة الرسوم بتعقيدات قانونية وسياسية حادة، تجعل من تطبيقها العملي مخالفة لثوابت الملاحة الدولية المستقرة، حيث ترفض المنظمات والتشريعات الدولية فكرة فرض رسوم أحادية على الممرات المائية.
وتنعكس المواجهة بشكل سلبي مباشر على اقتصادات دول الخليج، حيث تتضاعف تكاليف الشحن البحري، وتأمين السفن ضد مخاطر الحرب، وسط تراجع شديد في حركة العبور الفعلية بالمضيق، إذ لا تقتصر التهديدات على عرقلة الصادرات النفطية، بل تمتد إلى أسواق الغاز الطبيعي المسال التي تمثل عصباً مالياً لبعض دول المنطقة، مثل قطر؛ لذا حذر خبراء من التبعات التضخمية العميقة لهذه التوترات.
فعلى الرغم من امتلاك بعض دول الخليج بدائل برية لتصدير النفط، كخط الأنابيب السعودي شرق-غرب، وخط أنابيب حبشان-الفجيرة الإماراتي، فإن قدراتها اللوجستية تظل عاجزة عن استيعاب التدفقات التجارية كاملة في حال طال أمد الأزمة، إذ تعاني هذه البدائل اللوجستية من ثغرات تشغيلية وتكلفة باهظة لتوسيعها، فضلاً عن تعرّضها لمخاطر أمنية مباشرة، كالهجمات بالطائرات المسيرة، وهو ما أورده تقرير نشرته" ستاندرد آند بورز" في 5 يونيو/ حزيران الماضي.
وذكرت صحيفة فاينانشال تايمز، الاثنين الماضي، أن شركة موانئ دبي العالمية تخطط لبناء ميناء جديد ومحطة حاويات على الساحل الشرقي لدولة الإمارات، في خطوة من شأنها تقليل اعتماد دبي على مركزها الرئيسي في جبل علي وتجاوز مضيق هرمز.
وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن الشركة المشغلة للموانئ، ومقرها دبي، تجري محادثات لإنشاء ميناء متعدد الأغراض، جديد كلياً، في منطقة الفجيرة الساحلية، ومحطة جديدة في الميناء الحالي بالإمارة.
في هذا الإطار، تشير الخبيرة في الشأن الإيراني، شيماء المرسي، لـ" العربي الجديد"، إلى أن إعلان ترامب فرض رسوم عبور بنسبة 20% على شحنات السفن المارة بمضيق هرمز تحت ذريعة تغطية تكاليف التأمين، يمثل انعطافة دراماتيكية تقلب النظام القانوني الدولي للبحار رأساً على عقب، وتشرعن مرحلة جديدة من الجباية والسيادة الانتقائية في الممرات المائية الحيوية، خاصة في ظل تعنّت إيران وإصرارها على فرض سيادتها الكاملة على المضيق.
ويواجه اقتراح ترامب معضلات تطبيقية شبه مستحيلة من الناحية الاقتصادية والعملية، إذ إن حجم النفط والغاز المسال الذي يعبر المضيق يومياً يشكّل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، وفرض ضريبة قسرية بنسبة 20% لا يعني فقط تشويه تسعير الطاقة وإضافة أعباء باهظة قد تصل لعشرات الملايين من الدولارات على الناقلة الواحدة، بل يؤدي مباشرة إلى قفزة تضخمية حادة في أسعار الوقود والسلع عالمياً، حسبما ترى المرسي.
ويمثل الإعلان الأميركي خروجاً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي تكفل" حق المرور العابر" دون عوائق أو جبايات مادية، حسب المرسي، التي أشارت إلى أن" الأخطر من ذلك هو البعد السياسي الذي يمنح طهران ذريعة ذهبية لشرعنة ممارساتها السيادية والتحصيلية الخاصة، فإذا كانت القوة العظمى تفرض رسوماً خارج الإطار الدولي، فلماذا لا تفعل طهران الأمر ذاته، بصفتها الحارس الجغرافي التاريخي للمضيق، وهو ما سارع البرلمان الإيراني لتلقفه عبر إقرار قانون الإجراء الاستراتيجي لإدارة المضيق".
وكان البرلمان الإيراني قد وافق في جلسة علنية عاجلة على مشروع قانون يهدف إلى تأسيس نظام ذكي ومستدام لإدارة عبور السفن، مؤكداً ضرورة الإعمال الكامل لـ" الحقوق السيادية الإيرانية ومواجهة التهديدات الأمنية والاقتصادية والبيئية".
واستناداً إلى قانون المناطق البحرية الصادر عام 1993، تسعى إيران إلى فرض التفتيش والرسوم، ومصادرة حق المرور العابر لصالح نظام" المرور البريء"، ما يعقّد المشهد القانوني، ويضاعف من حدة المواجهة في المنطقة، بحسب المرسي، لافتة إلى أن التداعيات المباشرة لهذه المواجهة تنعكس على اقتصادات دول الخليج أولاً في قفزات حادة بأسعار التأمين البحري، وعلاوات مخاطر الحرب، وهو ما يلقي بظلاله التضخمية على أسعار السلع الأساسية المستوردة لأسواق المنطقة.
كما قد يتسبب تطور كهذا في إبطاء نسبي لتدفق الاستثمارات الأجنبية نحو المشروعات الصناعية الكبرى التي يعتمد شريان استيرادها وتصديرها على استقرار الممر المائي، وفق المرسي، التي تحذر من الآثار السلبية المتراكمة لذلك على البيئة الاستثمارية الخليجية.
ورغم أن الارتفاع الفوري في أسعار النفط العالمية قد يرفد الميزانيات الخليجية بعائدات مالية إضافية مؤقتة، فإن استمرار التهديد العسكري لتدفق الصادرات يظل مهدداً رئيسياً للاستقرار المالي على المدى المتوسط والبعيد، بحسب المرسي، مشيرة إلى أن المنطقة تمتلك بنية تحتية مرنة ومتطورة تشمل خط أنابيب شرق-غرب السعودي، وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي، بالإضافة إلى خطط التوسعة العملاقة لموانئ دبي في الفجيرة لتحقيق استقلالية جغرافية، لكنها تبقى" حلولاً جزئية" حسب تعبيرها.
فالواقع الجيوسياسي يؤكد أن مجموع القدرة الاستيعابية لجميع خطوط الأنابيب والبدائل المتاحة لا يتجاوز في أفضل حالاته 6.
5 إلى 7 ملايين برميل يومياً، بينما يقترب حجم التدفقات اليومية المعتادة عبر المضيق من 15 إلى 20 مليون برميل، وهذا الفارق اللوجستي الهائل مضافاً إليه استحالة إيجاد بدائل مادية لنقل الغاز القطري المسال دون عبور المضيق، يعني، بحسب المرسي، أن البدائل الخليجية يمكنها حماية جزء حيوي من الصادرات، لكنها لن تمنع حدوث صدمة طاقة عالمية إذا أغلق المضيق، أو جرت عسكرته بالكامل.
لذا تخلص المرسي إلى أن هذه المناورة المعقدة بين إيران والولايات المتحدة ستؤدي في نهاية المطاف إلى حتمية الجلوس على طاولة المفاوضات، حيث يستهدف الطرفان من مرحلة كسر العظام الحالية رفع الكلفة إلى حدها الأقصى، لفرض تسوية تاريخية تضمن اقتسام النفوذ، المتمثل في جباية وإدارة إيرانية بحكم الأمر الواقع على الأرض، مقابل اعتراف وشرعية أميركية دولية محددة السقف، بعد أن تضمن واشنطن حقها في نسب التأمين، وعوائد إدارة الخطر الجيوسياسي من صناديق الاستثمار الخليجية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك