على بعد أشهر من موسم الدراما السنوي، تبدو الدراما اللبنانية أمام أسئلة قديمة ومتجددة حول قدرتها على استعادة حضورها في السوق العربية، في ظل هيمنة نماذج إنتاجية محددة وتراجع فرص التجديد داخل صناعة ما زالت تبحث عن صيغة توازن بين الإبداع ومتطلبات السوق.
تُطرح اليوم تساؤلات كثيرة حول مستقبل الدراما اللبنانية: كيف يمكن لها عبور حدود السوق المحلية؟ وما العوائق التي تمنعها من الوصول إلى المكانة التي تستحقها عربياً؟ فالمشكلة ترتبط بطبيعة العلاقة بين شركات الإنتاج والكتّاب والمخرجين والممثلين، وبمدى قدرة الصناعة على فتح الباب أمام أفكار ووجوه جديدة.
يحاول عدد من الكتّاب الشباب في لبنان تقديم روايات وأفكار مختلفة لشركات الإنتاج العاملة في السنوات الأخيرة، لكن محاولاتهم غالباً ما تصطدم بالإهمال أو بعدم الدخول في نقاش حول قيمة المشروع وإمكان تحويله إلى مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي.
ويعود ذلك، بدرجة كبيرة، إلى اعتماد شركات الإنتاج على دائرة محدودة من الكتّاب الذين تربطها بهم علاقات عمل سابقة، خصوصاً بعدما أثبت بعض هؤلاء أنفسهم عقب نجاح أعمال تحولت إلى مسلسلات حققت انتشاراً.
يعترف هشام الزين (32 عاماً)، بأنه حاول مراراً تقديم مشاريع درامية قصيرة تستند إلى واقع اجتماعي لبناني، لكنه فشل في الوصول إلى مديري شركات الإنتاج.
درس هشام في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، ويعمل حالياً في مجال التجارة، لكنه يحاول تخصيص وقت للكتابة، ولديه أكثر من مشروع مسلسل، غير أنه لا يملك العلاقات التي تساعده في الوصول إلى المنتجين.
في المقابل، يميل جزء من صناع الدراما اللبنانية إلى الاعتماد على معيار الترند، خصوصاً في الأيام الأولى لعرض المسلسل.
فتصدر العمل قائمة الأكثر تداولاً على منصة إكس، أو احتلاله مركزاً متقدماً على المنصة التي تعرضه، يُنظر إليه غالباً باعتباره مؤشر نجاح بالنسبة إلى الشركة المنتجة والجمهور، رغم أن الانتشار السريع لا يعكس دائماً قيمة العمل الفنية أو استمراريته.
ترى الكاتبة والممثلة المسرحية رنا حلو، المقيمة في كندا، أن أزمة الدراما اللبنانية لا تكمن في نقص المواهب، بل في طريقة صناعة العمل من أساسها.
تقول إن المشكلة تبدأ من السيناريو، إذ يفتقر كثير من الأعمال إلى نصوص تعالج قضايا المجتمع اللبناني بعمق، كما أن البناء الدرامي غالباً ما يكون ضعيفاً لأنه يعتمد على مجرد حكاية، لا على قواعد كتابة السيناريو.
توضح حلو أن هناك فرقاً بين كتابة قصة وكتابة سيناريو؛ فالسيناريو يحتاج إلى فكرة واضحة تحدد جوهر العمل، وشخصيات مبنية نفسياً ودرامياً، ومسارات تطور مقنعة.
وعندما تتغير الشخصيات من دون مبررات درامية، يفقد المشاهد ارتباطه بها.
وترى أن المشكلة ليست في غياب الكتّاب، بل في غياب ورش الكتابة المتخصصة وقلة الاستثمار في تدريب كتّاب سيناريو محترفين.
أما على مستوى الإخراج، فتشير حلو إلى أن لبنان يخرّج سنوياً عدداً كبيراً من المخرجين الموهوبين من الجامعات والمعاهد، لكن السوق ما زالت مفتوحة أمام عدد محدود من الأسماء، ونادراً ما تُمنح الفرصة لمخرجين جدد لإثبات أنفسهم.
تؤكد أن الإخراج ليس تنفيذاً لرغبات المنتج أو النجم، بل هو فن يخدم النص والرؤية.
فالمخرج يمنح الممثل المساحة لبناء الشخصية، ويستخدم الكاميرا والإيقاع واللغة البصرية لتعزيز الدراما.
لكن في عدد كبير من الأعمال اللبنانية، يتراجع دور المخرج بسبب ضيق الوقت والإمكانات، أو نتيجة تدخلات الإنتاج والنجوم.
في التمثيل، ورغم الأمل الذي رافق ظهور خريجي معاهد الفنون والمسرح، بقي معظم هؤلاء محصورين في أدوار ثانوية، بينما ظلت البطولة في كثير من الأحيان مرتبطة بأسماء معروفة، أو بملكات جمال، أو بشخصيات تمتلك نفوذاً داخل الوسط الإنتاجي.
يعاني عدد من الممثلين من حصرهم في نمط واحد من الأدوار، من دون منحهم فرصاً حقيقية لاختبار قدراتهم.
ويبرز من بين التجارب الناجحة في التنقل بين الشخصيات الممثل طلال الجردي، الذي يستطيع تقديم أدوار مختلفة بخصوصية واضحة.
وتبقى صناعة الدراما اللبنانية مرتبطة بشركتي" سيدرز آرت برودكشن" و" إيغل فيلمز"، اللتين فرضتا حضورهما منذ أكثر من عقد، خصوصاً مع دخولهما مجال إنتاج ما يعرف بالدراما المشتركة.
وقد حققت هذه الأعمال، بحسب رؤية الشركتين، عوائد مالية منذ عام 2010، لتتحول إلى صناعة موازية للدراما اللبنانية، بل أصبحت شرطاً أساسياً بالنسبة إلى عدد كبير من المخرجين والممثلين ومواقع التصوير.
كما ساهمت بعض المحطات التلفزيونية اللبنانية خلال العقدين الماضيين في تراجع مستوى الدراما المحلية، بسبب قبولها عرض أعمال ضعيفة، بل ومشاركة بعضها في إنتاج هذه الأعمال، ما فتح المجال أمام المحسوبيات والمصالح للعب دور مؤثر في الصناعة.
تحاول شركة" إيغل فيلمز" منذ سنوات الدفع باتجاه إعادة الاعتبار للدراما اللبنانية، لكنها تواجه أيضاً تحديات مرتبطة بمصالحها وخياراتها الإنتاجية.
ففي عام 2018 قدمت مسلسل" ثورة الفلاحين"، من كتابة كلوديا مرشليان وإخراج فيليب أسمر، في محاولة مثّلت فرصة لإحياء الدراما اللبنانية بأسلوب أكثر احترافية، إلا أن العمل واجه انتقادات بسبب النص واجترار الأحداث وعدم الدقة الكافي.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، حاولت" إيغل فيلمز" تقديم أعمال لبنانية خالصة، وحققت بعض هذه المسلسلات نسب مشاهدة مرتفعة، مستفيدة من حضور الشركة وتعاونها مع منصة" شاهد" ومجموعة" إم بي سي".
لكن هذه التجارب ما زالت بحاجة إلى رؤية وخطة أوضح للنهوض بالدراما اللبنانية وتحويل النجاحات المتفرقة إلى حضور عربي مستدام.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك