من أوائل ثمار مبادرة دعم السينما العراقية، التي تشكّلت بأمر حكومي (نحو خمسة مليارات دينار عراقي)، فيلم قصير بعنوان" شكراً للسينما" لحسين العكيلي، المخرج الشاب، الذي درس الإخراج والتصوير والمونتاج والسيناريو في كلية الفنون بجامعة بابل، وأنجز 15 فيلماً قصيراً، منها" تجارب الوجود" و" كنوز بابل" و" الطريق إلى بغداد"، وآخرها" المليونير".
يدرّس حالياً مادتي الإخراج والتصوير في الجامعة نفسها.
" شكراً للسينما" يروي حكاية أسرة عراقية صغيرة، تعيش على هامش الحياة، في تسعينيات القرن الـ20.
تتحوّل تفاصيل يومية بسيطة إلى اختبار قاس للبقاء.
بين جدران منزل متواضع، يصبح باب مغلق من الخارج استعارة لوطن محاصر، وتتحوّل معركة الأب، للحفاظ على دواء ابنته، إلى مواجهة صامتة مع العزلة والقهر والزمن.
في لحظة تبدو النجاة مستحيلة، يأتي الخلاص من مصدر غير متوقّع، ليؤكد أن الفن، حتى في أحلك الظروف، قادر على أن يفتح نافذة للحياة والأمل.
ردّاً على سؤال العربي الجديد له، عما يُعالجه" شكراً للسينما"، يقول العكيلي إنه يتناول" قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية"، أبرزها: " أثر الحصار الاقتصادي، المفروض على العراق في تسعينيات القرن الـ20، على حياة العائلة العراقية، وهشاشة الإنسان أمام الأنظمة والظروف القاسية، إذْ يتحول المنزل إلى فضاء للاحتجاز والعجز".
كما يتناول" الأبوة والتضحية، عبر كفاح الأب لحماية ابنته المريضة، والحفاظ على حياتها".
إضافة إلى" معاناة المرضى مع نقص الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء، وما يترتب عليهما من تهديد مباشر للحياة".
لكن، ما علاقة كل ذلك بالسينما؟ " بصفتها فعل مقاومة وأمل، إذ لا تظهر موضوعاً للفيلم فحسب، بل قوة رمزية قادرة على إنقاذ الإنسان، وهذا يتجسد عندما يقود شغف الجار بالسينما إلى سماع الاستغاثة وإنقاذ الأسرة، لتغدو عبارة" شكراً للسينما" أكثر من عنوان، لأنها خلاصة فلسفية تؤكد أن الفن يمكنه صنع فرق حقيقي في حياة البشر".
الفيلم نتاج مبادرة دعم السينما.
إنه أحد الأفلام الفائزة: " ماذا تقترح لتطوير عمل المبادرة؟ "، يجيب العكيلي: " تمثّل مبادرة دعم السينما خطوة مهمة في تحفيز الإنتاج السينمائي العراقي، لكنها تحتاج إلى التحول من مشروع إنتاجي مؤقت إلى برنامج تنموي مستدام"، مضيفاً أنه يمكن تطويرها" بتوفير برامج تدريب، وورش متخصصة، وإشراك خبراء محليين ودوليين في مراحل التطوير، ودعم توزيع الأفلام، ومشاركتها في المهرجانات.
وأيضاً تخصيص منح لتطوير المشاريع: أفلام، مهرجانات، ورش عمل، بما يساهم في رفع المستوى الفني للعمل السينمائي، ويضمن استمرارية التجربة".
أهناك مشروع آخر له في هذه المبادرة؟ يقول إنه يعمل حالياً على مشروع سيناريو روائي طويل، " سأرسله إلى مسابقة السيناريو في المبادرة، إذا استمرت هذا العام"، مشيراً إلى أنه يواصل اهتمامه بتقديم قصص إنسانية، " تنطلق من الواقع العراقي، من خلال معالجة بصرية ودرامية مختلفة".
ويرى أن المشروع" يُركّز على الإنسان، بصفته محوراً للحكاية، ويسعى إلى تقديم تجربة سينمائية، تجمع بين البعد الإنساني والرؤية الفنية، مع اهتمام خاص باللغة البصرية، والإيقاع الدرامي".
بالعودة إلى اشتغالاته السابقة، إذْ له أفلام قصيرة كثيرة، يُطرح سؤال: " أما آن الأوان لعمل فيلم روائي طويل، كونك تراكم خبراتك؟ ".
يقول: " أرى أن الروائي الطويل يمثّل المرحلة الطبيعية التالية في مسيرتي.
الأفلام القصيرة مختبرٌ مهم لتطوير أدواتي الإخراجية، وبناء تجربتي الفنية، لكن الانتقال إلى الفيلم الطويل لا يعتمد على الرغبة والخبرة وحدهما، لأنه يتطّلب أيضاً بيئة إنتاجية، قادرة على دعم مشروع بهذا الحجم، تمويلاً وتخطيطاً وتوزيعاً".
إلى ذلك، يتحدّث العكيلي عن مشكلة التمويل والإنتاج، التي لا تزال عائقاً أمام شباب السينما: " لا يزال التمويل يمثّل التحدي الأكبر أمام السينمائيين الشباب في العراق، لأن صناعة السينما تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد، وبنية إنتاجية متكاملة".
ويرى أن البديل" يكمن في تنويع مصادر التمويل، عبر الشراكات مع القطاع الخاص، والاستفادة من الصناديق والمنح الإقليمية والدولية، وتشجيع الإنتاج المشترك، وبناء مؤسسات إنتاج مستقلة، يمكنها احتضان المشاريع السينمائية الواعدة".
يُذكر أن هناك 55 فيلماً في هذه المبادرة، فهل يرى العكيلي أنها نقلة في صناعة السينما في العراق؟ " أعتقد أن إنتاج هذا العدد من الأفلام يمثّل مؤشراً إيجابياً على عودة النشاط السينمائي في البلد، لكنه لا يكفي وحده لإحداث نقلة نوعية.
فالصناعة لا تقاس بعدد الأفلام المنتجة فقط، بل بقدرتها على تحقيق الاستدامة، وتطوير الكفاءات، والوصول إلى الجمهور، وبناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتوزيع والعرض والنقد والتعليم السينمائي.
وإذا استمرت المبادرة وتطورت في هذا الإطار، ربما تشكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار السينما العراقية".
أخيراً، يتناول العكيلي مشهد السينما العراقية الآن، بقوله إنها" تعيش مرحلة انتقالية واعدة، تتميّز بظهور جيل جديد من المخرجين يمتلك رؤى فنية متنوعة، وحضوراً متزايداً في المهرجانات العربية والدولية.
في المقابل، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتمويل، والبنية التحتية، والتوزيع، وغياب سوق سينمائي مستقر.
مع ذلك، ما يبعث على التفاؤل وجود طاقات إبداعية حقيقية، وازدياد الاهتمام المؤسسي بالسينما، وهذا يمكن أن يساهم في بناء صناعة سينمائية أنضج وأكثر استدامة في السنوات المقبلة".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك