لم تعد رسوم توصيل الطلبات في مملكة البحرين مجرد «خدمة إضافية»، بل تحولت إلى عبء يومي يثقل كاهل المواطن، ويقضم من أرباح المطاعم والمشاريع الصغيرة.
ما بدأ كتسهيل لخدمة الناس، أصبح اليوم سوقاً مفتوحاً تتحكم فيه الشركات بلا سقف ولا ضابط.
تتصاعد شكاوى المواطنين يوماً بعد يوم.
فاتورة طلب بـ 4 دنانير يضاف إليها 2 دينار توصيل، وأحياناً أكثر في أوقات الذروة أو للمناطق البعيدة.
والأغرب أن المشاريع المنزلية التي تعتمد على شباب وبنات البحرين صارت تدفع هي الأخرى رسوم توصيل مبالغ فيها.
مشروع منزلي يبيع بسكويت أو وجبات، يجد أن نصف ربحه يذهب إلى شركة التوصيل، أما أصحاب المطاعم، فشكواهم أكبر.
يقولونها صراحة: «شركات التوصيل تقاسمنا في رزقنا».
عمولات تصل إلى 25% و30% من قيمة الطلب، إضافة إلى رسوم تسويق ورسوم أخرى خفية.
مطعم يعمل بهامش ربح 15% كيف يستمر إذا أخذت المنصة الضعف؟ النتيجة: إغلاق مطاعم، أو رفع أسعار على المستهلك، أو الاستغناء عن موظفين.
هنا يأتي تأييدنا لما طرحه «النائب جلال كاظم» من ضرورة تدخل الدولة لتحديد سقف لرسوم التوصيل ونسبة عمولة المنصات.
فترك الأمر لمبدأ «التنافسية» وحده لم يعد مقبولاً، خاصة عندما تتحول التنافسية إلى أداة للضرر بالمواطن والتاجر.
التجربة أمامنا واضحة.
دولة الكويت أصدرت في يوليو 2026 لائحة تنظم القطاع بالكامل: سقف رسم التوصيل دينار واحد فقط مهما كانت قيمة الطلب، وسقف عمولة المنصة 17% كحد أقصى.
والكويت أكبر مساحة جغرافياً من البحرين، وتكاليف التوصيل فيها أعلى، ومع ذلك استطاعت أن تضع ضوابط تحمي الجميع، فلماذا لا نحذو حذوها؟ هذه القضية لا يمكن تركها للسوق وحده، نحتاج دوراً فاعلاً من 3 جهات: وزارة الصناعة والتجارة يجب أن تبادر إلى إصدار لائحة تنظيمية تحدد الحد الأقصى للرسوم والعمولات، وتمنع الممارسات الاحتكارية.
وكذلك هي غرفة تجارة وصناعة البحرين، لا بد أن تمثل صوت المطاعم والمشاريع الصغيرة، وتفاوض على اتفاقيات عادلة مع المنصات.
بالإضافة إلى إدارة حماية المستهلك، فمن الواجب أن تقوم بمتابعة الشكاوى وضمان الشفافية في عرض السعر النهائي قبل تأكيد الطلب.
ذلك أن الهدف ليس إغلاق المنصات أو محاربتها.
بالعكس، هي شريك مهم في الاقتصاد الرقمي، ووفرت وظائف كثيرة، لكن الشراكة الحقيقية تقوم على العدل.
لا يجوز أن ينمو طرف على حساب موت الطرف الآخر.
وفي الحديث النبوي الشريف، قاعدة ذهبية بشأن العدل أهم من التنافسية: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار».
وفي زماننا أضفنا لها: «الرزق».
الرزق لا يحتكر، ولا يُقتسم بالإكراه.
من حق شركة التوصيل أن تربح، ومن حق المطعم أن يعيش، ومن حق المواطن أن يأكل بسعر عادل.
مملكة البحرين دولة المؤسسات، ودولة القانون، واقتصادنا قوي بتنوعه، وبصغاره قبل كباره.
فحماية المشاريع المنزلية والمطاعم الوطنية هو استثمار في الأمن الغذائي والاجتماعي.
وقد آن الأوان أن ننتقل من «دع السوق يحلها» إلى «نظّم السوق ليحلها بالعدل».
فالتنافسية التي تضر بالمواطن ليست تنافسية، بل استغلالا مقنعا.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك