وتجارب تثبت: الحوكمة الصورية تزيد احتمالات الاحتيال والفساد وتضارب المصالح وتراجع الشفافيةخلال السنوات القليلة الماضية، برز مصطلح «حوكمة الشركات» كمعيار رئيسي في قياس أدائها والتعامل معها، بل وحصولها على التراخيص والاعتمادات اللازمة، حتى اصحبت أحد أهم مفاهيم الإدارة والاقتصاد الحديث.
وعلى الرغم من أن الجذور الأولى لهذا المصطلح تعود الى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين عقب بروز عدد من الأزمات المالية والانهيارات التي كشفت ضعف الرقابة والإدارة داخل الشركات، حينها ظهرت نقاشات حول مشكلة الفصل بين الملكية والإدارة، وحقوق المساهمين، وآليات الرقابة على المديرين التنفيذيين.
على الرغم من ذلك، تؤكد المصادر أن البداية الحقيقية للاهتمام بالحوكمة تعود إلى عام 1992 في بريطانيا حيث وُلد المصطلح رسمياً وخاصة مع صدور تقرير كادبوري بعد سلسلة من الانهيارات لشركات بريطانية كبرى بسبب الفساد الإداري.
ووضع هذا التقرير النموذج الأول لمبادئ حوكمة الشركات ورتب العلاقة بين مجالس الإدارة والمساهمين.
وتدريجيا، ومع بروز الازمات مثل الأزمة المالية الآسيوية، تضاعف الاهتمام العالمي بمبادئ الحوكمة، لاسيما مع التأكيد بأن ضعف الشفافية والإفصاح كان من أسباب تفاقم هذه الأزمات.
وفي عام 1999 أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أول مبادئ حوكمة الشركات، التي اعتبرت المرجع الدولي الأبرز للحوكمة.
ومع انهيار شركة الطاقة الأمريكية العملاقةEnron وشركة الاتصالات WorldCom بسبب تلاعب والاحتيال عام 2001 و2002، أصبحت الحوكمة قانوناً إلزاميا وليس مجرد مبادئ.
وتدريجيا تطورت هذه المبادئ التي أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لاحقا على مراحل وصولا الى عام 2023، حيث تحولت إلى معيار عالمي ملزم لحماية أموال المستثمرين وتعزيز الشفافية والحد من الفساد وضمان استدامة الأسواق الماليّة.
البحرين كانت سباقة في اعتماد الأطر التنظيمية المتطورة للحوكمةعقلية الرجل الواحد والممارسة الصورية من أكبر التحدياتهنا نتساءل: ماذا تعني حوكمة الشركات؟ وما هي المبادئ التي تستند عليها؟ ما أهميتها للشركات وللاقتصاد الكلي؟ ما هو وضع الحوكمة في دول المنطقة؟ وما هي التحديات التي تواجهها؟باختصار.
يمكن القول إن الحوكمة هي نظام للرقابة والتوجيه بما يضمن أن تدار الشركة بطريقة عادلة وشفافة تحقق مصالح جميع الأطراف.
وإداريا تعرف حوكمة الشركات بأنها مجموعة من القواعد والأنظمة والإجراءات التي تنظم إدارة الشركة بما يضمن الشفافية وحماية حقوق المساهمين وأصحاب المصلحة وتحقيق الاستدامة والنمو على المدى الطويل.
كما تحدد هذه النظم طبيعة العلاقة والتعامل بين إدارة الشركة من جهة، ومجلس الإدارة، والمساهمين، وأصحاب المصالح الآخرين.
بمعنى ان الحوكمة تهدف إلى بناء شركة تُدار بشفافية وعدالة ومسؤولية، بما يحقق التوازن بين مصالح المساهمين والإدارة وأصحاب المصلحة، ويضمن استدامة الشركة وقدرتها على النمو والمنافسة.
وبذلك تحدد الحوكمة من يتخذ القرار؟ كيف يُتخذ القرار؟ من يراقب تنفيذ القرار؟ كيف تتم محاسبة المسؤولين إذا حدثت أخطاء أو تجاوزات؟وبناء على ذلك يمكن القول إن الهدف من اعتماد «حوكمة الشركات» هو: - تعزيز الشفافية والإفصاح.
- حماية حقوق المساهمين وجميع الأطراف ذات العلاقة وضمان معاملتهم بعدالة.
- تعزيز مبدأ المساءلة والمحاسبة على القرارات.
- الحد من الفساد وتضارب المصالح واستغلال المناصب.
- رفع كفاءة الأداء من خلال تحسين آليات اتخاذ القرار.
- إدارة المخاطر بفعالية.
- تعزيز ثقة المستثمرين بما يسهم في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
- التأكد من التزام الشركة بالقوانين والأنظمة والمتطلبات التنظيمية والتشريعية.
- تحقيق الاستدامة والنمو من خلال ضمان الموازنة بين الأهداف المالية والجوانب البيئية والاجتماعية.
ولكي تحقق الحوكمة أهدافها هذه، لابد ان تستند إلى عدد من المبادئ المهمة منها: - الشفافية والإفصاح عن المعلومات المالية والإدارية بشكل واضح ودقيق وتمكين المساهمين وأصحاب المصلحة من الاطلاع عليها.
- تعزيز مبدا المساءلة وتحميل مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية مسؤولية قراراتهم وأدائهم، مع وجود آليات واضحة للمحاسبة عند حدوث تقصير أو مخالفة.
- ضمان العدالة والمساواة في معاملة جميع المساهمين وأصحاب المصلحة.
- التزام مجلس الإدارة بأداء واجباتهم وفق القوانين والأنظمة والأخلاقيات المهنية.
ومراعاة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لقرارات الشركة.
- ضمان استقلالية مجلس الإدارة ولجان التدقيق والمراجعة، وتجنب تضارب المصالح في اتخاذ القرارات.
- ضمان التقيد باللوائح والتشريعات وتطبيق أفضل الممارسات المهنية والإدارية.
ولكي يتم إنجاز اهداف ومبادئ الحوكمة، لابد من المرور بعدة مراحل، تبدأ بإعداد ميثاق أو دليل للحوكمة يتضمن القواعد المنظمة للإدارة، وتحديد صلاحيات مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، ووضع السياسات الخاصة بالإفصاح، وإدارة المخاطر، وتعارض المصالح.
ثم يتم اختيار مجلس إدارة يتمتع بالخبرة والاستقلالية مع تحديد مسؤولياته.
وبعدها يشكل المجلس لجاناً تساعده في أداء مهامه، مثل لجنة التدقيق ولجنة الترشيحات والمكافآت ولجنة إدارة المخاطر ولجنة الحوكمة أو الاستدامة.
ومع سير العمل، تقوم الإدارة التنفيذية بتطبيق السياسات المعتمدة من مجلس الإدارة.
وبنفس الوقت تتم مراقبة أعمال الشركة للتأكد من سلامة الإجراءات وكفاءة الأداء والالتزام بالأنظمة وذلك من خلال: * إدارة التدقيق الداخلي.
* المدقق الخارجي المستقل.
* لجان مجلس الإدارة.
* الجهات الرقابية عند الشركات المدرجة.
وفي خط مواز، تحدد الشركة المخاطر المحتملة، مثل المخاطر المالية والتشغيلية والقانونية والتقنية، ثم تضع خططاً للحد منها ومتابعة تطوراتها بشكل دوري.
قبل أن تأتي الخطوة التي لا تقل أهمية وهي الإفصاح والشفافية عن المعلومات الرئيسية مثل النتائج المالية والقرارات المهمة والمكافآت التي تم صرفها، وكل المعاملات مع الأطراف ذات العلاقة.
وهنا تتم المساءلة وتقييم الأداء.
وعند وجود قصور أو مخالفات، تُتخذ الإجراءات التصحيحية المناسبة.
من هنا يتبين ان تطبيق الحوكمة بالشكل الأمثل يتطلب تعاونا فعالا بين جميع الأطراف ذات العلاقة وهي: 1- المساهمون الذين يمتلكون الشركة ويختارون أعضاء مجلس الإدارة ويوافقون على القرارات الجوهرية في الجمعية العامة ويمارسون الرقابة على أداء مجلس الإدارة.
2- مجلس الإدارة الذي يضع الاستراتيجية العامة للشركة ويشرف على الإدارة التنفيذية ويقيّم أداءها ويضمن تطبيق مبادئ الحوكمة وإدارة المخاطر.
3- الإدارة التنفيذية التي تتولى إدارة العمليات اليومية وتنفذ الاستراتيجية التي يقرها مجلس الإدارة.
4- لجان مجلس الإدارة.
5- المراجع الداخلي الذي يقيم كفاءة أنظمة الرقابة الداخلية ونقاط الضعف ويقترح التحسينات، ويرفع تقاريره إلى لجنة التدقيق أو مجلس الإدارة.
6- المراجع الخارجي الذي يراجع القوائم المالية بصورة مستقلة ويبدي رأيه في صحة البيانات المالية.
7- الجهات الرقابية والتنظيمية الرسمية.
8- أصحاب المصلحة مثل المستثمرين والدائنين والموظفين والعملاء والموردين.
وبناء على ذلك، يمكن القول ان الفرق الجوهري بين الإدارة التقليدية والإدارة القائمة على مبادئ الحوكمة يكمن في »مركزية القوة وآلية اتخاذ القرار«.
في الإدارة التقليدية، غالبًا ما تكون السلطة متمركزة في يد شخص أو مجموعة من دون رقابة حقيقية، بينما الإدارة القائمة على الحوكمة تحول المؤسسة إلى منظومة مؤسسية تدار بالأنظمة والقوانين وفصل السلطات لحماية حقوق الجميع.
وفي حين تعتمد الإدارة التقليدية على الرقابة الداخلية المحدودة، فإنها في الحوكمة تقوم على أنظمة رقابة داخلية ولجان مستقلة.
وأبسط مثال على ذلك، إذا أراد الرئيس التنفيذي في شركة توقيع عقد مع شركة أخرى يملكها أحد اقاربه، فإنه يملك الصلاحيات الكافية طالما لم توجد مخالفات قانونية وتنظيمية واضحة.
ولكن في الشركات التي تحكمها الحوكمة، يعتبر ذلك «تعارض مصالح» ولا يمكن له تمرير الصفقة إلا بعد الإفصاح عنها بالكامل، ومراجعتها من قبل «لجنة التدقيق»، والحصول على موافقة مجلس الإدارة.
مما سبق يتبين أن حوكمة الشركات لم تعد مجرد أداة لتحسين إدارة الشركات أو صورتها، بل هي ركيزة لتعزيز الشفافية والتنافسية والاستقرار المالي ودعم التنمية المستدامة.
لذلك تحرص الجهات التنظيمية في مختلف الدول على اعتماد وترسيخ معايير الحوكمة سواء في القطاع العام او الخاص.
اثبتت التجارب ان هناك علاقة عكسية مباشرة بين حوكمة الشركات والفساد المالي والإداري.
فكلما ارتفع مستوى تطبيق مبادئ الحوكمة، انخفضت فرص الفساد، والعكس صحيح.
وهذا ما يجعل من الحوكمة خط الدفاع الأول ضد الفساد المالي والإداري.
وهذا ما يجعل الحوكمة ليست مجرد كلفة إضافية للامتثال القانوني، بل أصلا استثماريا يعود بالمنفعة على الشركة ويسهم في زيادة القيمة السوقية، ويمثل المغناطيس الجاذب للمستثمرين.
وتؤكد الدراسات والتجارب العملية أن الشركات التي تطبق حوكمة قوية تكون أكثر قدرة على تحقيق أداء مالي أفضل وزيادة قيمتها السوقية وجذب المستثمرين وتحقيق أرباح أكبر عبر خفض كلفة رأس المال ورفع الكفاءة التشغيلية وزيادة الطلب على الأسهم.
وهذا ما خلصت اليه دراسة مشتركة بين جامعتي هارفارد ووارلتون بعنوان علاقة الحوكمة بالقيمة السوقية والأرباح، ونشرتهاThe Quarterly Journal of Economics، حيث أكدت أن الشركات التي تتمتع بمستويات حوكمة قوية تحقق عوائد أسهم أعلى بنسبة 8.
5% سنوياً مقارنة بالشركات ذات الحوكمة الضعيفة.
كما تحقق قيمة سوقية أعلى بشكل ملحوظ، ويتبع ذلك نمواً أكبر في المبيعات وأداءً أفضل للأسهم.
وأكدت دراسة »أثر حوكمة الشركات على أداء الشركات في الأسواق الناشئة« أعدتها مؤسسة التمويل الدولية (IFC) أن الشركات التي أصلحت أنظمة الحوكمة لديها شهدت نمواً في العائد على الأصول (ROA) بنسبة تتراوح بين 15% و20% في غضون سنوات قليلة من التطبيق.
كما انخفضت كلفة التمويل والاقتراض لهذه الشركات بنسب ملموسة نتيجة انخفاض تقييم المخاطر من قبل البنوك والمستثمرين.
ولا يقتصر الامر على الشركات، بل تمتد المنفعة إلى الاقتصاد ككل، حيث تسهم الحوكمة في: o جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، لأن المستثمرين يفضلون البيئات التي تتمتع بشركات تطبق معايير حوكمة قوية، فذلك كفيل بتقليل مخاطر الفساد وسوء الإدارة.
o تعزيز استقرار الأسواق المالية من خلال الشفافية والإفصاح، ما يقلل من التقلبات الناتجة عن المعلومات المضللة أو غير المكتملة.
o رفع تنافسية الاقتصاد، كون الشركات ذات الحوكمة الجيدة تكون أكثر كفاءة وقدرة على الابتكار والتوسع.
o الحد من الفساد المالي والإداري وتقليل حالات الاحتيال وإساءة استخدام السلطة.
o تحسين كفاءة توزيع رأس المال ما يعزز الإنتاجية والنمو الاقتصادي.
o دعم الاستدامة الاقتصادية.
حيث تشجع الحوكمة الشركات على تبني استراتيجيات طويلة الأجل، بما يضمن استمرارية الأعمال وتقليل مخاطر الإفلاس.
o تعزيز الثقة في بيئة الأعمال والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين في الاقتصاد.
o خفض كلفة التمويل على مستوى الاقتصاد نتيجة تمتع الشركات بسمعة جيدة في الحوكمة، فتنخفض علاوات المخاطر، ما يسهم في تحسين بيئة التمويل والاستثمار.
وبالمقابل، عندما تغيب الحوكمة، او تكون ضعيفة، تزداد احتمالات الاحتيال المالي والتلاعب، الرشوة والفساد الإداري وإساءة استخدام أصول الشركة والمحاباة في التوظيف والترقيات والعقود، وتضارب المصالح، تراجع الشفافية وانخفاض ثقة المستثمرين وتراجع قيمة الشركة.
على الرغم من أهميتها، لا يزال تطبيق حوكمة الشركات يواجه تحديات متعددة.
فمن جانب، يتطلب الامر أن تصبح الحوكمة ثقافة مؤسسية حقيقية قائمة على الشفافية والمساءلة والرقابة وليس مجرد إجراءات صورية.
وهذا ما يتعارض في الغالب مع عقلية الرجل الواحد وخاصة في الشركات العائلية والشركات الناشئة، حيث يصعب على المؤسس أو المالك أن يتقبل وجود اشخاص يقيمون أو يقيدون قراراته.
ومن جانب، يعتبر بعض الإداريين أن آليات الحوكمة مثل التدقيق والتقارير تعطل سرعة اتخاذ القرارات.
وبنفس الوقت قد يكون هناك تحديات هيكلية وتنظيمية مثل صعوبة إيجاد «أعضاء مستقلين» أكفاء، والمزج بين مسؤوليات الإشراف والتنفيذ، وتضارب المصالح.
الى جانب تحديات تتعلق بالكلفة، حيث تتطلب الحوكمة تعيين مراجعين داخليين وخارجيين، ومستشارين قانونيين، وتوظيف كفاءات للجان، وتوثيق.
وبالتالي فإن التحدي الحقيقي يكون عندما تتحول الحوكمة الى إجراءات صورية تمثل امتثالا على الورق.
كان تكتفي الشركة بطباعة كتيبات الحوكمة وتشكيل اللجان بشكل صوري لإرضاء الجهات الرقابية.
لذلك فإن القاعدة الذهبية هنا هي: نجاح الحوكمة لا يقاس بمدى صرامة اللوائح المكتوبة، بل بمدى إيمان الإدارة العليا بجدواها، وتحويلها من «واجب قانوني ثقيل» إلى «ثقافة يومية» وأسلوب عمل يمارسه الجميع داخل المؤسسة.
الاستدامة والمسؤولية الاجتماعيةغالبا ما يرتبط مصطلح الحوكمة بمصطلحي الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، بل تدمج المدارس الفكرية الاقتصادية الحديثة المسؤولية الاجتماعية والحوكمة تحت مظلة الاستدامة العالمية.
وعندما ننظر الى الاستدامة، يمكن القول إن العلاقة بينها وبين حوكمة الشركات تعتبر وثيقة.
كون الأولى تمثل الإطار الإداري والرقابي الذي يساعد الشركات على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على المدى الطويل.
فيما تمثل الاستدامة الهدف والنتيجة لتلك الجهود.
وبمعنى اخر، الحوكمة هي الآلية التي تضمن تطبيق الاستدامة.
ولا يمكن لشركة أن تحقق استدامة حقيقية من دون نظام حوكمة يوجهها، ولا يمكن لنظام حوكمة أن يُوصف بالرشيد والحديث إذا لم يضع الاستدامة في قلب استراتيجيته.
من جانب اخر، تعتبر الشفافية والإفصاح من أهم معايير الحوكمة.
والافصاح يلزم الشركات بإصدار تقارير الاستدامة التي تبين التزامها بالمحافظة على الموارد والتعامل مع مخاطر التغير المناخي.
وبنفس الوقت تمنع الشفافية من حدوث ما يسمى «الغسيل الأخضر».
وفي خط مواز، تعزز العدالة التي تركز عليها الحوكمة تحقيق اهم مبادئ الاستدامة وهو حقوق جميع الأطراف وليس المساهمين او الملاك فقط.
أما بالنسبة الى العلاقة بين الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية، فهي كذلك علاقة تكاملية، حيث ان المسؤولية الاجتماعية تُمثّل الالتزام الأخلاقي للشركة تجاه المجتمع، والحوكمة هي الإطار التنظيمي والقانوني الذي يعزز هذا الدور ويحميه من التحول الى مجرد شعارات صورية، كما انها تجعل من المسؤولية الاجتماعية جزءا من استراتيجية مجلس الإدارة وليس جهودا عشوائية.
وهي توسيع قاعدة أصحاب المصلحة من الاقتصار على المساهمين فقط لتشمل الموظفين والمستهلكين والمجتمع المحلي الذي تعمل به الشركة، بحيث تدعم الشركة برامج التنمية والتعليم والرعاية الصحية وحماية البيئة.
وتساعد الحوكمة على أن تكون برامج المسؤولية الاجتماعية مبنية على خطط واضحة، ومرتبطة بأهداف الشركة، وقابلة للقياس والتقييم، وليست مجرد حملات إعلامية.
تعتبر البحرين من أوائل دول المنطقة في تبني مبادئ الحوكمة وإصدار «ميثاق حوكمة الشركات لتنظيم ممارسات الإدارة والرقابة في الشركات المساهمة» وبالتالي انتقلت الحوكمة من مجر امتثال إلى ركيزة استراتيجية تفرضها قوانين صارمة ومراقبة فاعلة من الجهات المعنية.
لذلك تمكنت المملكة خلال العقدين الماضيين من تحقيق مراحل متقدمة في تحقيق معايير الحوكمة التي باتت عنصراً إلزاميا ورئيسياً في تطوير القطاع الخاص وبناء شركات أكثر شفافية وقدرة على المنافسة.
وهذا الالتزام جعل البحرين من الدول الرائدة إقليمياً في وضع الأطر التنظيمية للحوكمة وتطبيقها بما يعزز مكانتها كمركز مالي ومصرفي من جانب، ويعزز ثقة المستثمرين ويدعم النمو الاقتصادي المستدام من جانب اخر.
وما يدعم ذلك، هو الدور المحوري الذي يقوم به مصرف البحرين المركزي في تطبيق معايير الحوكمة واشرافه على المصارف وشركات التأمين والاستثمارات والأسواق المالية، استنادا الى متطلبات رقابية تتماشى مع المعايير الدولية.
وهو ما أسهم في تعزيز استقلالية مجالس الإدارات في مختلف الشركات، والإفصاح المالي وغير المالي، وتعميق دور وثقافة لجان التدقيق والمخاطر والترشيحات والمكافآت، وتنامي الاهتمام بمعايير البيئة والمسؤولية المجتمعية والحوكمة.
وعلى الوتيرة ذاتها تلعب وزارة الصناعة والتجارة دورا بارزا في ترسيخ مبادئ الحوكمة من خلال اصدار المواثيق المتطورة لحوكمة الشركات واعتماد مبدأ «الالتزام أو تفسير عدم الالتزام».
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك