هل تحن دائما إلى الماضي و" الزمن الجميل"؟ لست وحدك.
فهذا الشعور أكثر شيوعا مما قد تتوقع، ولا يقتصر على جيل بعينه، إذ يميل كل جيل إلى الاعتقاد بأن العالم كان أفضل في سنوات شبابه.
لكن، هل كان الماضي حقا أجمل، أم أن أدمغتنا هي التي تعيد تشكيله بصورة أكثر إشراقا؟يرى علماء النفس أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل رافقت البشر منذ آلاف السنين.
وتشير كتابات تعود إلى عصر الشاعر الإغريقي هوميروس إلى ما يعرف اليوم بـ" سرديات الانحدار"، وهي الاعتقاد بأن العالم يتجه باستمرار نحو الأسوأ مقارنة بعصر ذهبي مضى.
ويقول عالم السلوك في جامعة ماكاو، زي هونغ، لمجلة" تايم" (Time)، إن كثيرا من المجتمعات تميل إلى" أسطرة الماضي"، فيُنظر إليه بوصفه زمنا مثاليا، بينما يُنظر إلى الحاضر باعتباره مرحلة من التراجع التدريجي عن ذلك العصر الذهبي.
الدماغ لا يتذكر الماضي كما كانأحد أبرز التفسيرات العلمية لهذه الظاهرة هو ما يعرف في علم النفس بـ" الاسترجاع الوردي" (Rosy Retrospection)، وهو تحيز معرفي يجعل الإنسان يسترجع أحداث الماضي بصورة أكثر إيجابية مما كانت عليه في الواقع.
فعندما نستعيد ذكرياتنا، لا يسترجعها الدماغ كما لو كانت تسجيلا محفوظا، بل يعيد بناءها في كل مرة.
وخلال هذه العملية، يميل إلى الاحتفاظ باللحظات السعيدة، بينما يخفف من حدة التجارب المؤلمة أو يطمس بعض تفاصيلها.
وفي المقابل، تبدو مشكلات الحاضر أكثر ثقلا ووضوحا لأننا ما نزال نعيشها.
وأظهرت دراسة كلاسيكية نُشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي التجريبي (Journal of Experimental Social Psychology) أن المشاركين قيّموا رحلاتهم وإجازاتهم بعد انتهائها بصورة أكثر إيجابية مما فعلوا أثناء خوضها، وهو ما يدعم فكرة أن الذكريات تميل إلى التحسن مع مرور الوقت.
تشير أبحاث أجرتها جامعة كارنيغي ميلون إلى أن المشكلة لا تكمن في أن الماضي كان أفضل فعلا، بل في الطريقة التي تعمل بها ذاكرتنا.
فعندما نسترجع الأفلام أو الموسيقى أو التجارب القديمة، فإننا نتذكر غالبا أفضل نماذجها فقط، ثم نعممها على تلك المرحلة بأكملها، في حين نقارنها بالحاضر بكل ما يحمله من نجاحات وإخفاقات.
ونتيجة لذلك، يبدو الماضي وكأنه كان مليئا بالأشياء الجميلة وحدها.
ويشبّه الباحثون الذاكرة بمكتبة تحتفظ بـ" أفضل الأعمال" من الماضي، بينما لا يزال رف الحاضر يضم كل شيء: الممتاز والعادي والسيئ، لذلك تبدو المقارنة غير عادلة منذ البداية.
ولا يزدهر الحنين إلى الماضي في جميع الأوقات بالدرجة نفسها، بل تشير الدراسات إلى أنه يشتد خلال فترات عدم الاستقرار والقلق.
ففي دراسة أجرتها جامعة كليرمونت للدراسات العليا في كاليفورنيا عام 2025، وجد الباحثون أن جائحة كوفيد-19 دفعت ملايين الأشخاص إلى العودة للموسيقى القديمة، وإعادة مشاهدة المسلسلات الكلاسيكية، واستحضار ذكريات مراحل شعروا خلالها بالأمان والاستقرار، فيما وصفه الباحثون بأنه" آلية جماعية للتكيف النفسي".
ويفسر علماء النفس ذلك بأن الدماغ يبحث في أوقات القلق عن ذكريات تمنحه شعورا بالأمان والاستمرارية، حتى لو كانت تلك الذكريات أكثر جمالا مما كانت عليه في الواقع.
ورغم أن البعض ينظر إلى الحنين باعتباره هروبا من الواقع، فإن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) تعرفه بأنه شعور طبيعي يتمثل في الشوق إلى فترة أو مكان يرتبط به الإنسان عاطفيا، وليس اضطرابا نفسيا كما كان يعتقد في الماضي.
بل إن أبحاثا حديثة تشير إلى أن استحضار الذكريات الإيجابية يمكن أن يقلل الشعور بالوحدة، ويعزز الإحساس بالانتماء، ويزيد التفاؤل، ويمنح الإنسان شعورا باستمرارية هويته عبر الزمن.
لكن هناك فرق بين الحنين والتشاؤم، إذ يميز علماء النفس بين الحنين (Nostalgia) والانحدارية (Declinism).
فالحنين يرتبط بذكريات شخصية وعلاقات إنسانية تمنح الفرد شعورا بالدفء والانتماء، أما" الانحدارية" فهي الاعتقاد بأن المجتمع كله يسير نحو الأسوأ وأن الماضي كان أفضل في كل شيء.
ويؤكد باحثون أن الحنين الإيجابي قد يساعد الإنسان على التكيف مع المستقبل، بينما يرتبط الاعتقاد الدائم بأن العالم يتدهور بمستويات أعلى من التشاؤم ومقاومة التغيير والابتكار.
لماذا يستخدم السياسيون الماضي؟ولا يقتصر الحنين على الحياة الشخصية، بل يمتد إلى الخطاب السياسي أيضا.
إذ تشير الدراسات إلى أن استحضار" الأيام الجميلة" يستخدم أحيانا لتعزيز الشعور بالهوية المشتركة، أو لإقناع الناس بأن الحل يكمن في العودة إلى مرحلة سابقة يتم تصويرها على أنها أكثر ازدهارا واستقرارا، رغم أن تلك الصورة قد تتجاهل كثيرا من مشكلات ذلك الزمن.
لا ينكر علماء النفس أن بعض الأشخاص قد تكون حياتهم الماضية أفضل بالفعل بسبب ظروف شخصية، مثل فقدان شخص عزيز أو الإصابة بمرض أو تراجع الوضع الاقتصادي.
لكن عندما يتعلق الأمر بالنظرة العامة إلى الماضي، فإن الأدلة تشير إلى أن جزءا كبيرا من هذا الشعور ينتج عن الطريقة التي يعالج بها الدماغ الذكريات، وليس عن تفوق الماضي موضوعيا على الحاضر.
فنحن لا نتذكر الماضي كما كان، بل كما أعادت الذاكرة تشكيله بعد سنوات.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك