أهلًا بكم في مونديال “العدالة الرقمية المطلقة”.
أو هكذا حاول الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إقناعنا قبل صافرة البداية! ملايين الدولارات صُرفت على غرف الـVAR، ومستشعرات زُرعت داخل الكرة، وكاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تراقب كل حركة في الملعب، حتى خُيّل إلينا أننا أمام مختبر تابع لـ”ناسا”، لا بطولة كأس عالم.
لكن بعد كل هذا الاستعراض التقني، ماذا كانت النتيجة؟ الجدل التحكيمي ما زال حاضرًا، بل ربما أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي تُستخدم بها.
فبدلًا من أن تكون وسيلة لتقليل الأخطاء، تحولت في كثير من الأحيان إلى ستار يمنح القرار البشري هالة من العصمة.
أمام عشرات الزوايا والإعادات، يخرج الحكم بقرار يثير الاستغراب، وكأن كل تلك الشاشات لم تكن كافية لإقناع ملايين المشاهدين بما رآه هو وحده.
ولعل ما حدث في مباراة إنجلترا والمكسيك كان مثالًا واضحًا على ذلك، عندما طُرد مدافع إنجلترا جاريل كوانساه بقرار أثار موجة واسعة من الجدل، ودفع المدرب توماس توخيل إلى انتقاد الحالة التحكيمية بغضب.
لم يكن الاعتراض على وجود تقنية الفيديو، بل على التباين في تفسير الحالات، وهو ما أعاد السؤال القديم بثوب رقمي جديد: أين ينتهي القانون، وأين تبدأ الاجتهادات؟ثم جاءت مواجهة الأرجنتين ومصر في دور الـ16 لتزيد الشكوك.
ففي بعض اللقطات بدا التدقيق مبالغًا فيه، بينما مرت لقطات أخرى بسرعة لافتة، ليشعر كثير من المتابعين بأن معيار التدخل لا يسير على وتيرة واحدة.
وعندما يغيب الاتساق، تتسع مساحة التأويل، ويصبح الجدل أكبر من القرار نفسه.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُجري الفيفا تعديلًا خلال الأدوار الإقصائية بنقل حكام الـVAR من مراكزهم البعيدة في تكساس إلى الملاعب.
قد تكون الخطوة تنظيمية، لكنها في الوقت نفسه عكست إدراكًا بأن المنظومة بحاجة إلى مراجعة، بعدما تصاعدت الانتقادات من منتخبات ومدربين وجماهير.
في النهاية، لا أحد يطالب بإلغاء التكنولوجيا، فهي أصبحت جزءًا من كرة القدم الحديثة.
لكن العدالة لا تتحقق بعدد الكاميرات ولا بقوة الحواسيب، بل بثبات المعايير وعدالة التطبيق.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى الجدل حاضرًا في كل مونديال.
وبقي اقتراح واحد فقط للفيفا: ضعوا جهاز كشف الكذب بجانب شاشات الـVAR، ليس للاعبين، بل لكل مسؤول يخرج بعد المباراة ليشرح لنا لماذا كان القرار صحيحًا! ربما عندها سنقترب من الحقيقة.
أكثر مما تفعل عشرات الكاميرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك