أكد الدكتور محمود فاروق عبد الحليم، المتخصص في تجربة العميل والتحول المؤسسي، أن نجاح المؤسسات في تقديم تجربة متميزة لعملائها لا يعتمد على أداء إدارة واحدة، وإنما على انسجام جميع الإدارات في تنفيذ الوعد الذي تقدمه المؤسسة، مشيرًا إلى أن العميل لا يرى الهيكل التنظيمي أو توزيع المسؤوليات، بل يتعامل مع الشركة بوصفها كيانًا واحدًا.
وأوضح عبد الحليم أن كثيرًا من المؤسسات لا تزال تتعامل مع تجربة العميل باعتبارها مسؤولية إدارة متخصصة، رغم أن التجربة الفعلية تتشكل عبر سلسلة مترابطة من القرارات والإجراءات التي تبدأ من التسويق، وتمر بتصميم المنتج والأنظمة التشغيلية والسياسات الداخلية، وصولًا إلى الموظف الذي يتعامل مباشرة مع العميل.
وأشار إلى أن إنشاء إدارات متخصصة لتجربة العميل، ووضع مؤشرات أداء، وإطلاق برامج لقياس الرضا والولاء، يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحسين التجربة إذا لم تنعكس هذه الجهود على مختلف إدارات المؤسسة.
واستشهد عبد الحليم بنتائج مؤشر شركة Forrester العالمي لتجربة العميل الصادر في يونيو 2026، والذي استند إلى آراء أكثر من 224 ألف عميل حول 462 علامة تجارية في 13 دولة، موضحًا أن أبرز ما حمله التقرير هذا العام لم يكن ترتيب العلامات التجارية، بل توسيع مفهوم درجة التجربة الكلية (Total Experience Score) ليشمل تجربة الموظف إلى جانب تجربة العميل وتجربة العلامة التجارية.
وبيّن أن هذا التوجه يعكس حقيقة باتت واضحة لدى المختصين، وهي أن تجربة العميل تبدأ داخل المؤسسة قبل أن تصل إليه، لافتًا إلى أن العميل لا يعرف ما يحدث خلف الكواليس، ولا يهتم بالإدارة التي تسببت في المشكلة، بل يقيّم الشركة بأكملها بناءً على تجربته.
وأضاف أن الإخفاق في تجربة العميل لا ينتج غالبًا عن قرار واحد خاطئ، وإنما عن مجموعة من القرارات التي تبدو صحيحة داخل كل إدارة على حدة، لكنها تفقد انسجامها عند انتقال العميل بين مراحل رحلته المختلفة، وهو ما يؤدي إلى فجوة بين الوعود التي تقدمها المؤسسة وما يعيشه العميل على أرض الواقع.
وأكد أن إدارة تجربة العميل تؤدي دورًا محوريًا في قياس التجربة، ونقل صوت العميل، ورصد الفجوات، واقتراح التحسينات، إلا أنها لا تستطيع بمفردها معالجة التعقيدات الإجرائية أو إصلاح الأنظمة التقنية أو تصحيح الوعود التسويقية أو منح موظفي الصف الأمامي الصلاحيات اللازمة، معتبرًا أن مسؤولية التجربة تقع على جميع الإدارات دون استثناء.
وأشار إلى أن نتائج Forrester أظهرت أنه، رغم استمرار المؤسسات عالميًا في الاستثمار في مبادرات تجربة العميل، فإن علامة تجارية واحدة فقط من كل خمس تمكنت من تحسين تقييمها مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المبادرات، وإنما في قدرة المؤسسة على توحيد جهود مختلف الإدارات لتقديم تجربة متسقة.
واختتم عبد الحليم حديثه بالتأكيد على أن أفضل اختبار لمدى نضج تجربة العميل داخل أي مؤسسة لا يتمثل في لوحات المؤشرات أو نتائج الاستبيانات فقط، بل في الإجابة عن أسئلة عملية، من أبرزها: هل يفهم موظف الصف الأمامي الوعد الذي تقدمه الشركة بالطريقة نفسها التي يقدمه بها فريق التسويق؟ وهل تسهم القرارات الداخلية في تبسيط رحلة العميل أم تزيدها تعقيدًا؟ وهل تقتصر معالجة الشكاوى على حل المشكلة، أم تمتد إلى مراجعة الإجراء الذي تسبب بها؟ مؤكدًا أن العميل، في النهاية، لا يرى الإدارات أو الهيكل التنظيمي، بل يحكم على المؤسسة من خلال تجربة واحدة متكاملة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك