شهد العراق خلال الأيام الماضية اندلاع نحو سبعة حرائق في مناطق متفرقة من البلاد، لم تسفر عن خسائر بشرية، لكنها خلفت أضراراً مادية وأعادت إلى الواجهة المخاوف من عودة موسم الحرائق الذي يتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
ورغم السيطرة على هذه الحرائق، يثير تكرارها تساؤلات بشأن مدى الالتزام بإجراءات السلامة والوقاية.
واندلع اليوم الأربعاء حريق في عدد من مخازن طبية وأخرى مخصصة للأثاث بمنطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد، ما استدعى استنفار فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية للسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى المباني المجاورة.
وجاء ذلك بعد السيطرة على حريق آخر في المنطقة نفسها شمل مخازن أخرى، فيما تمكنت فرق الدفاع المدني قبل ذلك من إخماد حريق اندلع في مقبرة قديمة بمنطقة باب المعظم بالعاصمة بغداد.
كما سجلت حرائق أخرى في مطار البصرة، ومنتدى البريكان الرياضي، وشارع الظلال في بغداد، الذي يضم عدداً كبيراً من محال بيع الملابس والأجهزة الكهربائية.
ويسجل العراق سنوياً مئات الحرائق التي تسبِّب خسائر مادية كبيرة، كان أكثرها مأساوية حريق" مول هايبرماركت" في مدينة الكوت خلال شهر يوليو/ تموز العام الماضي، والذي أودى بأكثر من 100 شخص، بينهم أطفال، ما دفع السلطات إلى الشروع في حملة واسعة لإغلاق المنشآت المخالفة لشروط السلامة، شملت نحو 10 آلاف مبنى تجاري وصناعي.
وسبق أن شددت مديرية الدفاع المدني العراقية على أن إغلاق هذا العدد الكبير من المنشآت يأتي لعدم مطابقتها متطلبات السلامة والوقاية، مؤكدة في بيان أن" هذه الإجراءات تأتي في إطار جهود الحد من الحرائق من خلال معالجة أسبابها، ولن يُسمح بإعادة فتح هذه المنشآت أو استئناف نشاطها إلا بعد استيفائها جميع معايير السلامة المطلوبة، والتي تشمل تركيب أنظمة الإنذار المبكر، وكواشف الحريق، وأنظمة الإطفاء الرطبة والجافة، والتأكد من توفر مخارج الطوارئ، وإزالة التجاوزات".
لكن إغلاق الأبنية المخالفة لمتطلبات السلامة والوقاية من الحرائق، لا يمنع من تكرار الحوادث.
وفي هذا السياق، يشير مسؤول في مديرية الدفاع المدني بالعاصمة بغداد، غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام، إلى أن" ارتفاع مستويات الحرائق يُعزى لعدة أسباب، من بينها حرارة الطقس، خصوصاً في شهر يوليو/تموز، حيث تؤدي الحرارة إلى مشكلات كثيرة في محولات وأسلاك الكهرباء، ما يؤدي في النهاية إلى اشتعالها".
وأكد لـ" العربي الجديد"، أن" التجاوزات والأخطاء في البناء لها دور أيضاً، لكن السلطات تتابع الإجراءات بشأن إغلاق المحال المتجاوزة ومحاسبة غير الملتزمين بالإجراءات، ونهاية العام الماضي سجلنا تراجعاً في عدد الحرائق".
والعام الماضي، أعلن المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني) أن العراق سجل خلال العام 2024 أكثر من 8500 حادث حريق، مؤكداً أن أسبابها تتوزع على عدة عوامل، أبرزها التماس الكهربائي، الذي يشكل نحو 60% من مجمل الحوادث، نتيجة تذبذب التيار واستخدام أسلاك غير مطابقة لمواصفات السلامة، كما تُسجل 15% من الحوادث بسبب عبث الأطفال، و7% نتيجة حرائق متعمدة مرتبطة بنزاعات عشائرية أو خلافات شخصية، و6% بسبب الإهمال في الالتزام بإجراءات السلامة داخل المنازل والمحال التجارية.
وطالب المركز في بيانه السابق بـ" إنشاء الهيئة الوطنية للكوارث والأزمات لتكون الجهة المركزية المعنية بالتخطيط والتنسيق والاستجابة السريعة لجميع أنواع الكوارث، وعلى رأسها الحرائق"، كما دعا إلى" تزويد فرق الدفاع المدني بطائرات ومعدات إطفاء حديثة، وتعزيز قدراتها اللوجستية والبشرية بما يواكب تطورات المخاطر، بالإضافة إلى مواصلة حملات التفتيش والمراقبة الشاملة، بما فيها المؤسسات الحكومية والخاصة، والمستشفيات والمصانع والجامعات والمشاريع الاستثمارية، للتحقق من مدى الالتزام بمتطلبات السلامة والأمان".
بدوره، أفاد المسؤول في مديرية الدفاع المدني بأن" المواد البلاستيكية التي انتشرت خلال السنوات الماضية والمستخدمة في بناء المخازن والغرف والمكاتب تساعد على الاشتعال، وهي التي تسمى محلياً (سندويج بنل).
ورغم أن وزارة الداخلية تدخلت في أكثر من مناسبة ومنعت استخدامها، إلا أنها ما تزال موجودة في الأسواق"، موضحاً أن" الوزارة بالتنسيق مع المديرية وأجهزة أمنية وخدمية أخرى ستشرع، خلال الفترة القليلة المقبلة، في حملة لإلزام المواطنين بوجود مطافئ حريق داخل منازلهم، ومتابعة ذلك من خلال التفتيش وفرق الرصد، وتشمل المدارس والجامعات، ومؤسسات الدولة".
وتزيد المخاوف على المدارس العراقية، ولا سيما أن بعضها ما يزال يستخدم" سندويج بنل"، رغم أن وزارة التربية العراقية حذرت من إمكانية إغلاق المؤسسات التربوية والتعليمية، خاصة الأهلية في حال استخدمت الألواح سريعة الاشتعال، لكنها ما تزال موجودة بحسب المعلمة ليلى حامد، التي قالت إن" بعض المدارس القديمة التي لم تشهد أي تعديلات منذ عقود، اضطرت بعض إداراتها إلى استحداث غرف أو مخازن من السندويج بنل، وهي سريعة الاشتعال وخطيرة في الوقت نفسه"، مبينة لـ" العربي الجديد" أن" هناك حاجة لمنع وجود المواد القابلة للاشتعال في المدارس والمؤسسات العراقية".
من جانبه، بيّن الناشط العراقي محمد علاء لـ" العربي الجديد"، أن" الإهمال وعدم الالتزام بضوابط السلامة هي السبب الأول في نشوب الحرائق، وأن أكثرها يحدث في المجمعات التجارية، لأن الأسلاك المستعمل لنقل الكهرباء غالباً ما تكون رديئة وتؤدي إلى الحرائق، بالتالي نحن بحاجة إلى إدراك معنى أهمية التعامل مع هذه الأزمات، خاصة في فصل الصيف".
ويعدّ الإهمال أحد أبرز أسباب الحرائق في الدوائر الحكومية العراقية، وقد سبَّب حرائقَ كثيرة خلال السنين الماضية، ما أوقع مئات الضحايا، وسط مطالبات متكررة بتشديد الإجراءات العقابية بحق المسؤولين المقصرين، فضلاً عن المتابعات الميدانية لإجراءات السلامة والوقاية داخل المؤسسات، وفي الأماكن العامة.
وينذر ارتفاع معدلات الحرائق مؤخراً بتداعيات تتعلق بسياقات العمل والقرارات المتخذة تجاه إنجاز المشاريع الاستثمارية وافتتاحها، لأنها إذا لم تتغيّر فستؤثر سلباً على حياة الناس وممتلكاتهم، وتحديداً في حال عدم الالتزام باتخاذ خطوات احترازية وإجراءات رقابية، من بينها عدم تطابق مواصفات البناء للسلامة الصحية والعامة، وكذلك التشابك الفوضوي في الأسلاك الكهربائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك