في اليوم العالمي لمهارات الشباب، الذي يحل في 15 يوليو/ تموز تحت شعار" مهارات من أجل مستقبل مشترك"، يتكرر الحديث عن التعليم والتدريب والاستعداد للوظائف الجديدة.
ووفق الأمم المتحدة، فالذكاء الاصطناعي، والتحول الأخضر، وتزايد التعقيدات الاجتماعية، تعيد تشكيل أساليب التعلم والعمل والمشاركة في المجتمع.
ويحتاج الشباب للنجاح في هذا الواقع المتغير إلى ما هو أبعد من المهارات التقنية وحدها؛ فهم بحاجة إلى مجموعة متوازنة من الكفاءات تجمع بين المهارات التقنية والرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي والمهارات الخضراء والاجتماعية والعاطفية والمدنية، إلى جانب الصفات الإنسانية التي لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها.
لكن المشكلة التي يواجهها كثير من الشباب لا تبدأ دائمًا من نقص المهارة، ولا تنتهي عند العثور على وظيفة.
فقد يمتلك الشاب شهادة وخبرات ودورات تدريبية، ثم يكتشف أن العمل المتاح لا يسمح له ببناء الحياة التي استعد لها.
كان النموذج الشائع للانتقال إلى حياة البالغين يقوم على مراحل تبدو متتابعة: انتهاء الدراسة، ثم دخول سوق العمل، والاستقلال عن الأسرة، والزواج وتكوين منزل جديد.
لم تعد هذه المراحل تتبع ترتيبًا ثابتًا.
قد تنتهي الدراسة من دون وظيفة، وتأتي الوظيفة من دون راتب يكفي لاستئجار منزل، ويتأخر الزواج إلى حين تحسن الظروف، بينما تدخل فكرة الإنجاب في حسابات السكن والتعليم والرعاية الصحية واستقرار الدخل.
تبدو المشكلة في أن البدايات التي عُدّت سابقًا مراحل طبيعية في العمر تحولت إلى مشروعات اقتصادية كبيرة، تحتاج إلى ضمانات لا يملكها كثيرون.
تبدأ المعضلة غالبًا من العمل.
فالحصول على وظيفة لا يعني بالضرورة الوصول إلى الأمان، إذا كان العقد مؤقتًا، أو الراتب محدودًا، أو احتمال فقدان مصدر الدخل حاضرًا باستمرار.
وتشير منظمة العمل الدولية، إلى أن معدل بطالة الشباب بين 15 و24 عامًا بلغ عالميًا 12.
4% عام 2025، أي نحو 67.
3 مليون شاب.
كما بلغت نسبة الشباب غير المنخرطين في العمل أو التعليم أو التدريب 20%، بما يعادل قرابة 257 مليون شخص.
وتلفت المنظمة إلى أن التعليم العالي لا يؤدي دائمًا إلى انخفاض البطالة بين الشباب في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
تكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تقتصر على الانتقال من الدراسة إلى الوظيفة، وإنما تشمل نوعية العمل نفسه.
فالراتب الذي يغطي المصروف اليومي قد لا يكفي لاستئجار منزل أو تحمّل قرض أو تأسيس أسرة.
يحوّل هذا الواقع الوظيفة من بداية للاستقلال إلى محطة انتظار جديدة.
لا يعود السؤال: " هل وجدت عملًا؟ "، وإنما: " هل يسمح هذا العمل بأن تبدأ حياة مستقلة؟ ".
السكن بوابة بقية البداياتكما يعدّ السكن أحد أكبر الحواجز أمام الاستقلال.
لا تتعلق المسألة بشراء منزل فقط؛ فقد تستنزف الإيجارات جزءًا كبيرًا من الدخل، فيما تحتاج القروض إلى دفعة أولى ووظيفة مستقرة والتزام يمتد سنوات.
تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن نحو نصف الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 20 و29 عامًا يعيشون مع والديهم في المتوسط داخل دول المنظمة.
وتتجاوز النسبة 75% في دول بينها إيطاليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية، مع اختلافات واسعة بحسب أسعار السكن وأنماط الأسرة والدعم الاجتماعي.
فالإقامة في بيت الأسرة هي خيار ثقافي أو وسيلة لتقاسم الموارد ورعاية الوالدين.
وتصبح هذه الإقامة تأجيلًا للاستقلال حين يريد الشاب المغادرة ولا يستطيع، أو حين لا يقدم الدخل المتاح بديلًا واقعيًا.
يمتد أثر السكن إلى بقية القرارات، إذ يتأخر الزواج، وتضيق مساحة الخصوصية، ويصبح الإنجاب أكثر صعوبة.
هل تغيّرت رغبة الشباب في الزواج؟يُفسَّر تأخر الزواج أحيانًا باعتباره نتيجة لتغيّر القيم، أو دليلًا على أن الشباب باتوا أقل اهتمامًا بالاستقرار وتكوين الأسرة.
ورغم تبدل تصورات العلاقات وأدوار الرجال والنساء، وتفضيل بعض الشباب لحياة لا تضع الزواج في مقدمة الأولويات، لكن ذلك لا يفسّر وحده حجم التأجيل.
ففي المجتمعات التي يرتبط فيها الزواج بتأمين منزل وحفل وتجهيزات ودخل ثابت، قد يتحول القرار إلى التزام يفوق قدرة شخصين يرغبان فيه.
قد يريد الشاب الزواج، لكنه يخشى مسؤوليات لا يستطيع تمويلها.
وقد ترغب الشابة في تكوين أسرة، لكنها تتردد أمام احتمال خسارة العمل أو تحمّل الجزء الأكبر من الرعاية المنزلية.
ينقل هذا الواقع النقاش من لوم الأفراد إلى فحص الظروف المحيطة بقراراتهم.
لا ينتهي القلق عند الزواج.
فقد صارت فكرة الإنجاب مرتبطة بحسابات تبدأ من كلفة الولادة، وتمتد إلى الحضانة والتعليم والسكن والرعاية الصحية والقدرة على التوفيق بين الأسرة والعمل.
وجد تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025، أن نحو 20% من البالغين في سن الإنجاب يتوقعون ألا يتمكنوا من إنجاب العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال.
وقال 39% ممن شملهم المسح إن القيود المالية أثرت أو ستؤثر في قدرتهم على تكوين الأسرة التي يريدونها، فيما شعر نحو ربعهم أنهم غير قادرين على إنجاب طفل في التوقيت الذي يفضلونه.
وتكشف هذه النتائج فارقًا بين تراجع الرغبة في الإنجاب والعجز عن تحقيقها.
فقد يقول شخص إنه لا يريد أطفالًا" الآن"، لكن انتظار الوظيفة أو المنزل أو قدر من الأمان قد يمتد لسنوات، حتى يتحول التأجيل المؤقت إلى واقع دائم.
ولا تجدي التحذيرات المتكررة من تراجع معدلات المواليد، ولا الدعوات التقليدية لزيادة الإنجاب، نفعًا.
فمعضلة التناقص السكاني ليست مجرد رغبة، بل هي استحقاق يبدأ بتوفير مقومات الحياة ومنها سكن في متناول اليد، وحضانات كافية، وإجازات والدية منصفة، ونظام صحي متكامل، وبيئات عملٍ لا تحوّل مسؤوليات الأبوة والأمومة إلى عائقٍ مهني يهدد الاستقرار الوظيفي.
وعندما تغلق الآفاق وتستحيل البدايات في الوطن، تتحول الهجرة من مجرد خيار إلى مسار حتمي للنجاة.
يبحث الشباب خلف حدود الوطن عن إيقاع حياة مختلف؛ حياة تمنحهم أبسط حقوقهم كوظيفة مستقرة ومسكن يضمهم وفرصة لبناء أسرة أو دعم أهلهم.
لقد باتت الهجرة هي المحور الذي تدور حوله قرارات الشباب المصيرية؛ حيث يرهنون أحلامهم بتأشيرة سفر.
يؤجلون الاستقلال، يعلقون مشاريع الزواج، ويُرجئون قرار الإنجاب بانتظار عقد عمل أو تصريح إقامة.
وهكذا، تتحول حياتهم بأكملها إلى مشروع معلق، يترقب إشارة البدء من خلف الحدود.
لماذا يشعر الجميع بأنهم متأخرون؟تعزز منصات التواصل الاجتماعي شعور الشباب بالتأخر.
فعلى تلك المنصات تظهر وظيفة الصديق الجديد، وصور الزواج، ومفتاح المنزل، والسفر والإنجاب، بينما تغيب عن الصورة الديون والمساعدة العائلية والقلق والظروف المختلفة.
تحول العمر إلى موعد نهائي ضاغط؛ فصار على الشاب أن يظفر بوظيفته الأولى في سن محددة، ويحقق استقلاله قبل الثلاثين، ويُقدم على الزواج وفق" روزنامة" اجتماعية صارمة.
ومع هذا القالب الجاهز، يغرق الكثيرون في شعور بـ" التأخر الذاتي"، متناسين أنهم ليسوا استثناءً، بل جزءًا من جيلٍ بأكمله يواجه الظروف ذاتها.
الحقيقة أن محطات الحياة لم تندثر، لكن" توقيتها الموحد" قد تهشم.
بات من الطبيعي أن يبدأ أحدهم مساره المهني متأخرًا، أو يضطر للعودة إلى كنف أسرته بعد محاولة استقلال لم تكتمل، أو أن يقرر تغيير بوصلته المهنية في الثلاثين، أو يؤجل فكرة الزواج دون أن يسقطها من حساباته.
ويكمن المأزق الحقيقي في فجوةٍ عميقة.
فبينما تغيرت الظروف الاقتصادية التي تشكل أساس الاستقرار، ما زال المجتمع متمسكًا بجدول زمني قديم لقياس النجاح، وكأنه يسعى لفرض قواعد سباق قديم على مضمار تغيرت معالمه تمامًا.
لا يحتاج الشباب إلى من يخبرهم بضرورة التعلم والعمل والادخار وتحمل المسؤولية.
يمضي كثيرون سنوات في الدراسة والتدريب والبحث عن فرصة، لكن المسافة اتسعت بين الجهد والنتيجة.
ويصبح التأجيل نتيجة مفهومة لا ضعفًا شخصيًا حين لا تؤدي الشهادة إلى وظيفة مستقرة، ولا تسمح الوظيفة بالسكن، ولا يتيح السكن تكوين أسرة.
قد تتغير الأحلام مع الزمن، لكن بعضها يتغير لأنه أصبح أصعب من أن يتحقق بالشكل الذي كان متوقعًا.
ولا يمكن معالجة تأخر بدايات الشباب بالنصائح الفردية وحدها.
ولا يمكن التعويل على دفع الشباب إلى الركض أسرع في الطريق نفسه، وإنما جعل الطريق قابلًا للعبور: تعليم يرتبط بفرص حقيقية، ووظائف مستقرة، وأجور تسمح بالحياة، وسكن يمكن تحمّل كلفته، وخدمات تخفف عبء تكوين الأسرة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك