لا تترك كل المقابلات أثرًا؛ فبعضها ينتهي عند إسدال ستارة الشاشة، وبعضها يترك في النفس سؤالًا يأبى أن يغادرها.
هذا ما شعرت به تمامًا وأنا أستمع إلى زياد صعب، لا لأنني كنت أبحث عن رواية جديدة حول الحرب اللبنانية، بل لأنني وجدت رجلًا لا ينشد الانتصار على أحد، حتى على ماضيه.
في زمن صار فيه تمجيد الحرب أسهل من نقدها، بدا صعب استثناءً نادرًا.
لم يتحدث بوصفه بطلًا يبحث عن تصفيق مجامل، ولم يحاول أن يمنح الدم معنًى أعمق من الدم نفسه.
لم يفاخر بعدد المعارك التي خاضها، ولا بعدد البنادق التي حملها، ولا بعدد الأعداء الذين قاتلهم.
كان يتحدث بهدوء رجل على دراية بأن الحرب، مهما كانت مبرراتها، تترك في الروح ندوبًا لا تُشفى.
وهنا، بالنسبة إليّ، يكمن جوهر شهادته.
الرجل الذي حمل السلاح في سن مبكرة، ودرّب مقاتلين، وتنقل بين الجبهات، لا يتناول اليوم الحرب وكأنها قدر جميل، بل بوصفها عبئًا أخلاقيًا.
والأهم أنه لا يتنصل من مسؤوليته، ولا يختبئ خلف شعارات المرحلة أو ضرورات التاريخ.
فهو يعترف بأنه كان ابن زمنه، لكنه يرفض أن يبقى أسير هذا الزمن.
في لبنان، اعتدنا أن يُسطّر المنتصرون التاريخ، وأن يبرر المهزومون خسائرهم، وأن يتحول الجميع، بعد سنوات، إلى أبطال في الرواية التي يخطونها عن بطولاتهم.
أما أن يقف رجل قاتل فعلًا، ويجاهر بأن بناء السلام أصعب من صناعة الحرب، فهذه ليست مراجعة سياسية فحسب، بل مراجعة أخلاقية على حد سواء.
إنها اعتراف بأن الشجاعة لا تُقاس فقط بالقدرة على القتال، بل بإمكانية محاسبة النفس.
ما شدّني أكثر في حديث زياد صعب لم يكن وصفه للمعارك، بل توصيفه للإنسان.
حين روى كيف كانت تُلغى عمليات لأن بائع كعك أو بائع سمك قد يكون في المكان الخطأ، لم يكن يقدم تفصيلًا عسكريًا، بل كان يرسم حدودًا أخلاقية للمقاومة.
هناك فرق شاسع بين مقاومة ترى الإنسان غايتها، وأخرى تضع الإنسان في خانة الخسائر الجانبية.
ذلك التباين هو الذي يميّز بين مشروع يريد تحرير الأرض، وآخر قد ينجح في تحريرها، لكنه يخسر الإنسان الذي يعيش عليها.
المقاومة ليست عبادة للسلاح، ولا احتفالًا بالموت.
قيمة المقاومة الأخلاقية تنبع من كونها وسيلة لحماية الحياة، لا لاستباحتها.
وحين تتحول المقاومة إلى غاية في ذاتها، يصبح كل شيء قابلًا للتضحية، حتى الإنسان الذي وُجدت المقاومة من أجله.
ولعل ما يجعل كلمات زياد صعب أكثر وقعًا بالنسبة إليّ أن معرفتي به لم تبدأ مع هذه المقابلة.
فمنذ سنوات، تربطني به وبعدد من رفاقه في جمعية" مقاتلون من أجل السلام" صداقة أعتز بها، كما أنني دأبت على دعوتهم إلى صفوفي في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث يلتقون بطلاب لم يعرفوا الحرب إلا من كتب التاريخ أو من روايات أهلهم.
في كل مرة، أراقب المشهد نفسه يتكرر.
يدخل هؤلاء الرجال إلى قاعة الدرس من دون إلقاء شعارات، ومن دون ادعاء البطولة، ومن دون محاولة تبرير ما فعلوه.
لا يدخلون القاعة رغبة في التصفيق، ولا ليعيدوا كتابة تاريخهم على صورتهم، بل ليطلبوا من الشباب، وببساطة مؤلمة: لا تكرروا أخطاءنا.
يتحدثون عن الحرب كما يتحدث من نجا من حريق هائل، لا ليمجد النار، بل ليحذر منها.
لا يقدمون أنفسهم قديسين، ولا يخفون مسؤولياتهم، بل يحاولون أن يحوّلوا تجاربهم، بكل ما فيها من ألم والتباس، إلى درس أخلاقي تنتفع منه الأجيال الجديدة.
وأظن أن هذه، في حد ذاتها، إحدى أنبل صور المقاومة: أن يقاوم الإنسان إغراء تبرئة نفسه، وأن يتحلى بالشجاعة ليقف أمام شباب في عمر الأحلام ويقول لهم إن المستقبل لا يُبنى بتكرار أخطاء الماضي.
ولعل أكثر ما استوقفني أن زياد صعب لا يكتفي بالحديث عن تحرير الأرض، بل يذهب أبعد من ذلك.
كأن تجربته كلها تصرخ بأن الأرض لا تبقى محررة إذا بقيت النفوس أسيرة الأحقاد، وإذا بقي المجتمع عاجزًا عن إنتاج ثقافة الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر.
كم يبدو هذا الكلام بسيطًا، وكم يصعب تطبيقه في لبنان.
لقد أتقن اللبنانيون، على امتداد عقود، لغة المقاومة، لكنهم لم يعتادوا لغة السلام بالقدر نفسه.
تعاملنا مع السلام وكأنه هدنة، لا مشروعًا وطنيًا، وكأن نهاية المعركة تعني تلقائيًا بداية الدولة، بينما الحقيقة تقول إن بناء السلام يحتاج إلى شجاعة قد تفوق شجاعة القتال نفسه.
الحرب تستثير الغرائز، أما السلام فيحاكي العقل.
الحرب تعزز الخوف، أما السلام فلا يُبنى إلا بالثقة، وهنا تكمن صعوبة تحقيقه.
وعليه، تبدو مطالعة رجل مثل زياد صعب ذات قيمة استثنائية، ليس لأنه يملك الحقيقة، بل لأنه يتمتع بالخبرة.
وما يقوله اليوم لا يصدر عن مراقب بعيد، بل عن رجل عايش الحرب عن قرب، ودفع أثمانها، ثم تميّز بجرأته على التصريح بأن كل حرب أهلية تنتهي إلى العبث، مهما بدت أهدافها نبيلة في بدايتها.
لهذا أعتقد أن شهادته تكتسب أهمية خاصة في هذه اللحظة اللبنانية.
فنحن نعيش زمنًا ترتفع فيه الأصوات التي تمجد القوة أكثر مما تمجد الحكمة، وتزداد فيه لغة التخوين على حساب لغة الحوار، حتى بات السلام يبدو للبعض نوعًا من السذاجة، فيما يُعامل الاعتدال وكأنه ضعف.
لكن ما يقوله زياد صعب يذكّرنا بأن السلام ليس نقيض المقاومة، بل غايتها.
فالمقاومة التي لا تنتهي إلى حماية الإنسان تتحول، مع الوقت، إلى غاية في ذاتها.
وعندما تصبح الغاية هي استمرار الصراع، يضيع الإنسان الذي تأسست المقاومة أصلًا من أجله.
في عينيه لا ترى نشوة المنتصر، ولا مرارة المهزوم.
ترى سنوات طويلة من التعب، ومن الأسئلة التي لا يجيب عنها الرصاص.
ترى رجلًا لم يعد يريد أن يثبت شيئًا لأحد، بل يريد فقط أن يحوّل تجربته إلى درس للأجيال التي لم تعرف الحرب، حتى لا تضطر إلى اختبارها بالطريقة نفسها.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الأعمق للمقاومة.
أن تقاوم الاحتلال إذا فرض نفسه، نعم.
لكن أن تقاوم أيضًا إغراء الحرب حين تصبح عادة، وإغراء الكراهية حين تصبح هوية، وإغراء الانتقام حين يتنكر بثوب العدالة.
أن تقاوم كل ما يجرّد الإنسان من إنسانيته، حتى لو تغنى بالشعارات التي نحبها.
ربما لهذا السبب، كلما غادر زياد صعب ورفاقه قاعة التدريس في الجامعة الأميركية في بيروت، أشعر أن ما أُلقي لم يكن مجرد محاضرة عن الحرب، بل درسًا في الإنسانية.
أرى في وجوه طلابي أسئلة جديدة، وربما شيئًا من الطمأنينة أيضًا.
فهم لم يلتقوا رجلًا يدعوهم إلى حمل السلاح، بل رجلًا حمله يومًا، ثم أمضى ما تبقى من حياته يحاول أن يقنع الآخرين بألا يضطروا إلى تكرار تجربته.
ربما لهذا السبب بقيت صورة عينيه ترافقني بعد انتهاء المقابلة.
ليستا عيني مقاتل يبحث عن مجد مؤجل، بل عيني إنسان يدرك، أكثر من معظمنا، كلفة الحرب وقيمة السلام.
وفي بلد لا يزال أسير ذاكرته، قد لا تكون هناك مقاومة أنبل من أن نحمي أبناءنا من تكرار مأساتنا، وأن نعلّمهم أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحرَّر فيها الأرض فحسب، بل تلك التي يُصان فيها الإنسان أيضًا.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك